ملخص
رسخت زيارة الملك تشارلز إلى الولايات المتحدة صورته ملكاً فاعلاً ومستقلاً، وبددت دعوات تجاوز دوره لمصلحة ويليام، بعدما أظهر قدرة لافتة على الجمع بين الدبلوماسية والهيبة والتأثير السياسي في لحظة بريطانية وأميركية حساسة. هذا التحول عزز موقعه داخل المؤسسة الملكية وأفاد الحكومة البريطانية، لكنه في الوقت نفسه أرجأ اختبار ويليام، وضيّق على هاري هامش روايته في أميركا بعدما ظهر والده بصورة مغايرة لما سبق أن قدمه عنه.
ثمة إجماع عام على أن زيارة الملك تشارلز الناجحة جداً إلى الولايات المتحدة مكنته أخيراً من الخروج من عباءة الملكة إليزابيث الثانية، لكن التداعيات العائلية لهذه الزيارة اللافتة تتجاوز علاقته بوالدته الراحلة.
وأزعم أن لهذه الزيارة تبعات مهمة على ابنيه، الأمير ويليام والأمير هاري، إيجاباً وسلباً في الحالتين. فعلى مدى سنوات، قبل اعتلائه العرش وبعده، تردد أن على العائلة الملكية "تجاوز جيل"، بأن يخرق تشارلز مبدأ الوراثة بتنحيه طوعاً لمصلحة ويليام.
وقال بعضهم إنه متقدم جداً في السن، وعفا عليه الزمن، وسيئ المزاج، بحيث لا يصلح لأن يكون ملكاً محبوباً وفعالاً في القرن الـ21، فضلاً عن أن طلاقه المضطرب من ديانا لطخ صورته إلى الأبد. ورأى هؤلاء أن الأفضل بكثير أن يسلم العرش إلى ويليام الشاب الوسيم، الملم بقضايا العصر مثل الصحة النفسية والتشرد وتنمية الطفولة المبكرة، وإلى جانبه زوجته كاثرين الأنيقة والمتقنة في أدائها لدورها.
لكن خلال بضعة أيام في أميركا، تبدلت الصورة بالسرعة نفسها التي تهب بها زوبعة أطلسية. وأمام واحدة من أصعب المهمات التي واجهها ملك بريطاني في التاريخ الحديث، بدا أن صورة الملك تشارلز قد تغيرت.
فالملك البالغ 77 سنة قدم درساً بارعاً في الدبلوماسية والجاذبية، وأظهر لباقة وشجاعة، مع لمسة فكاهية بتوقيت بارع، حصد عليه إشادة حول العالم. والخبر السار لويليام، هو أن الملك أثبت أن الملكية ما زالت قادرة على لعب دور مؤثر.
وقد أوصل، بمهارة وحنكة ومن دون ضجيج، سلسلة رسائل سياسية قوية إلى الرئيس ترمب نيابة عن الحكومة البريطانية التي يخدمها، من دون أن يسيء إليه. وهذا أمر ليس بالهين، وقد عجز عنه حتى الآن عدد لا يحصى من كبار الشخصيات الدولية التي زارت البيت الأبيض في عهد ترمب.
قبل الزيارة، أظهرت استطلاعات الرأي معارضة واسعة في بريطانيا لمضي الملك في زيارة الدولة إلى الولايات المتحدة، لكن الاستطلاعات بعد الزيارة أظهرت تأييداً كاسحاً للطريقة التي تصرف بها. وباختصار، فإن التاج الذي وضع بتحفظ على رأس الملك تشارلز في مايو (أيار) 2023 لم يبد قط أكثر رسوخاً مما هو عليه الآن.
لكن هل يصدق أحد حقاً أن ويليام كان قادراً على تحقيق مثل هذا الإنجاز الدبلوماسي؟ ربما يوماً ما. لكن الآن؟ قطعاً لا.
فعند الـ43، نضج الأمير ويليام كثيراً، لكنه لا يملك بعد الهيبة ولا الحنكة، ولا حتى تلك الجرأة الملكية الخالصة، التي أظهرها والده في واشنطن.
وعلى رغم أن كثيرين رأوا فيه شخصية عفا عليها الزمن ولم تعد ذات أهمية، فإن تشارلز أثبت أنه قد يكون رصيداً ثميناً ليس فقط لرعاياه، بل للحكومة البريطانية أيضاً. وقد أوصل إلى ترمب ما لم يجرؤ كير ستارمر، بصراحة، على قوله خلال زيارته البيت الأبيض العام الماضي.
ولم ينج ستارمر من محنته المهينة في البيت الأبيض إلا بفضل تشارلز، حين سلمه الرسالة التي كان ترمب يتوق إلى الحصول عليها من قصر باكنغهام، وتتضمن دعوته إلى زيارة دولة للمملكة المتحدة.
ومع وصول المكانة الشخصية لستارمر اليوم إلى الحضيض، أثبت الملك أنه ورقة رابحة غير متوقعة للحكومة وللبلاد. فهو صوت موحد يتمتع بالهيبة، في وقت نادراً ما بدت فيه الطبقة السياسية بهذا القدر من الضآلة ورداءة المستوى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن ويليام ليس مستعداً لذلك بعد، فهو يحتاج إلى مزيد من الوقت ليكون على قدر الدور الذي فاجأ والده كثيرين بحجمه، وأتوقع أن يتراجع كثيراً الحديث عن تسليم التاج كما لو أنه عصا في سباق تتابع ملكي. وماذا عن أثر زيارة الملك إلى الولايات المتحدة في ابنه الثاني المشاكس، هاري؟ كما هي الحال مع ويليام، ثمة أخبار جيدة وأخرى سيئة.
فرفع مكانة العائلة الملكية يساعد في ضمان احتفاظ هاري وزوجته ميغان باهتمام الجمهور الأميركي ووسائل الإعلام الأميركية، وهو أمر أساس بالنسبة إليهما لكسب العيش.
أما على الجانب السلبي، فقد يجد هاري صعوبة أكبر في الحفاظ على صدقيته في أميركا. فالسبب الذي ساقه لانفصاله عن العائلة الملكية في بريطانيا وانتقاله للعيش هناك هو ما يزعم أنها تجاوزات ومظالم ارتكبها في حقه وفي حق ميغان والده والمؤسسة الملكية، وهو لم يوفر والده من انتقاداته.
لكن الآن، وقد أتيحت لأميركا فرصة أن تلقي نظرة قريبة ومباشرة على الملك تشارلز بنفسها، لا عبر الرواية المنحازة وغير المتعاطفة التي قدمها هاري، فقد تتبنى رأياً مختلفاً.
فهو لم يبد ذلك الرجل السحيق في القدم، البارد القلب والبعيد، الذي ربما تصور بعضهم أنه عليه أن يكون استناداً إلى رواية هاري، بل بدا رجلاً ذكياً، طريفاً، هادئاً، وإن كان متقدماً في السن بعض الشيء.
إن انتظاره كل هذا الوقت لخلافة والدته لم يترك أمام تشارلز خياراً سوى أن ينضج متأخراً. أما ويليام فلن يضطر إلى الانتظار كل هذا الزمن، لكن كما اتضح، يستطيع الأمير أن يحسن استثمار الوقت الذي يمضيه في ظل والده.
© The Independent