ملخص
نجح الملك تشارلز في توجيه نقد حاد لترمب من داخل الكونغرس نفسه، من دون صدام مباشر، واضعاً أمامه تذكيراً بدور الحلفاء، وضرورة دعم أوكرانيا، وخطورة الاستبداد السياسي وإنكار المناخ. الخطاب بدا تمريناً دبلوماسياً بالغ الدقة: دفاع عن الشراكة الأطلسية والقيم الدستورية والتعايش الديني، مع رسائل مضادة بوضوح لخطاب ترمب في الأمن والتجارة والبيئة والسلطة.
تلك واحدة من أصعب المهمات في الدبلوماسية الحديثة: كيف تقابل دونالد ترمب في الولايات المتحدة وتخرج من اللقاء محتفظاً بكرامتك؟
وقد بث هذا التحدي القلق في نفوس كبار المسؤولين وقادة العالم، منذ الإهانة التي تعرض لها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض العام الماضي.
فالمرء يجد نفسه بين خيارين أحلاهما مر: إن واجه ترمب في عقر داره، خاطر بإثارة غضبه، وإن أغدق عليه المديح، بدا ضعيفاً.
لكن الملك تشارلز أظهر في خطابه أمام الكونغرس، الذي حظي بإشادة واسعة، أن ذلك ممكن بفضل مزيج من البلاغة والأناقة. فقد حصد 12 مرة من التصفيق وقوفاً، بينما كان يوجه سلسلة من الرسائل القوية إلى الرئيس الأميركي، وهي رسائل لم يجرؤ كثيرون على توجيهها في واشنطن.
وقد فعل ذلك بصياغة رسائله بلغة دقيقة ومصقولة، إلى حد أن ترمب وأنصاره، المعروفين بتقلباتهم، لم يجدوا فيها ما يمكن أن يعدوه إهانة.
ويظهر التدقيق في نص خطاب الملك أن بعض مقاطعه الرئيسة لم تكد تقل عن توبيخ علني للرئيس الأميركي، في طيف واسع من القضايا، من بينها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأوكرانيا، وإساءة استخدام السلطة، وتغير المناخ.
في ما يأتي تفكيك لأبرز ما جاء في خطاب الملك...
في شأن "الناتو"
ما قاله ترمب:
كرر ترمب تهديده بالانسحاب من الحلف، شاكياً من أنه لم يدعمه في حربه على إيران، وأنه لا يدفع ما يكفي لتغطية كلفته. كما أساء إلى القوات البريطانية، زاعماً على نحو خاطئ أنها تجنبت الخدمة على الخطوط الأمامية في أفغانستان.
ما قاله الملك:
ذكر الملك الرئيس بأن الولايات المتحدة لم تترك وحدها قط، وأن المرة الوحيدة التي فعلت فيها المادة الخامسة الحاسمة من ميثاق الحلف، التي تنص على أن الهجوم على عضو واحد هو هجوم على الجميع، كانت دفاعاً عن أميركا، عقب هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول). وأشار الملك إلى أن المملكة المتحدة ودولاً أخرى في الحلف وقفت إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان، إثر تفعيل المادة الخامسة بعد هجمات سبتمبر.
وقال:
"في أعقاب هجمات 11 سبتمبر مباشرة، عندما فعل ’الـناتو’ المادة الخامسة للمرة الأولى، وتوحد مجلس الأمن الدولي في مواجهة الإرهاب، لبينا النداء معاً، كما فعلت شعوبنا لأكثر من قرن، كتفاً إلى كتف، عبر حربين عالميتين، والحرب الباردة، وأفغانستان، ومحطات طبعت أمننا المشترك".
في شأن أوكرانيا
ما قاله ترمب:
بعد معاملته الصادمة للرئيس زيلينسكي في البيت الأبيض، ألمح ترمب مراراً إلى أنه غير مستعد لمواصلة تمويل جهود أوكرانيا الرامية إلى صد الغزو الروسي، كما ينظر إليه على أنه أقرب في مواقفه إلى فلاديمير بوتين منه إلى زيلينسكي.
ما قاله الملك:
استقبل الملك الرئيس زيلينسكي في لقاء حمل دلالة تعاطف بعد محنته في البيت الأبيض، وفي خطابه أمام الكونغرس، وجه نداء مباشراً إلى الولايات المتحدة للوقوف إلى جانب أوكرانيا، لا روسيا، في هذا الصراع.
وقال:
"ثمة حاجة إلى عزيمة لا تلين للدفاع عن أوكرانيا وشعبها الشجاع للغاية، من أجل ضمان سلام عادل ودائم حقاً، فالحرية تتعرض مرة أخرى للهجوم بعد غزو روسيا لأوكرانيا".
في مسألة الدفاع
ما قاله ترمب:
اتهم ترمب أعضاء "الناتو"، ومن بينهم بريطانيا، بإنفاق أقل بكثير مما ينبغي على الدفاع.
ما قاله الملك:
دافع عن بريطانيا، قائلاً إن الحكومة البريطانية تعهدت زيادة الإنفاق الدفاعي، وأضاف:
"تدرك المملكة المتحدة أن التهديدات التي نواجهها تتطلب تحولاً في الدفاع البريطاني، ولهذا ومن أجل أن تكون بلادنا مستعدة للمستقبل، فقد التزمت بزيادة مستدامة في الإنفاق الدفاعي هي الأكبر منذ الحرب الباردة".
"إن روابطنا الدفاعية والاستخبارية والأمنية متشابكة عضوياً، وهي علاقات لا تقاس بالسنوات، بل بالعقود. واليوم، يتمركز آلاف من العسكريين الأميركيين والمسؤولين الدفاعيين وأسرهم في المملكة المتحدة، فيما يخدم أفراد بريطانيون بالاعتزاز نفسه في 30 ولاية أميركية".
في شأن تغير المناخ
ما قاله ترمب:
ذكر أن تغير المناخ خدعة، وتبنى نهج "احفروا، يا شباب، احفروا" في استغلال الاحتياطات النفطية.
ما قاله الملك:
وهو من دعاة القضايا البيئية منذ عقود، وقال:
"بينما نتطلع إلى الـ250 عاماً المقبلة، ينبغي لنا أيضاً أن نتأمل مسؤوليتنا المشتركة في حماية الطبيعة، أثمن ما نملك وأكثره استحالة على التعويض".
"قبل آلاف السنين من وجود بلدينا، وقبل رسم أي حدود، كانت جبال اسكتلندا والأبالاش سلسلة واحدة متصلة، تشكلت بفعل التصادم القديم بين القارات. إن العجائب الطبيعية في الولايات المتحدة الأميركية تشكل بالفعل ثروة فريدة، لكن حتى ونحن نحتفي بالجمال الذي يحيط بنا، يتعين على جيلنا أن يقرر كيف يواجه انهيار الأنظمة الطبيعية الحيوية، الذي يهدد ما هو أكثر بكثير من انسجام الطبيعة وتنوعها الأساسي".
"ومن الخطر أن نتجاهل حقيقة أن هذه الأنظمة الطبيعية، أو اقتصاد الطبيعة نفسه، تشكل الأساس لازدهارنا وأمننا القومي".
في موضوع الدين
ما قاله ترمب:
قال هو ونائبه جي دي فانس إن المملكة المتحدة ودولاً أخرى لم تفعل ما يكفي لكبح تأثير الإسلام والمهاجرين المسلمين في الثقافة الأوروبية، كما هدد ترمب إيران، وهي واحدة من أكبر الدول المسلمة من حيث عدد السكان، بـ"إعادتها إلى العصر الحجري" بعد إعلانه الحرب عليها.
ما قاله الملك:
على رغم كونه رأس الكنيسة الإنجليزية، شدد الملك على دعمه "الحوار بين الأديان"، وتعزيز التفاهم بين الأديان والمجتمعات المختلفة في سبيل السلام العالمي.
وقال:
"بالنسبة إلى كثيرين هنا، وبالنسبة إلي أنا أيضاً، يشكل الإيمان المسيحي مرساة راسخة ومصدر إلهام يومياً، يهدينا لا على الصعيد الشخصي فقط، بل أيضاً معاً كأعضاء في مجتمعنا".
"وبعدما كرست جزءاً كبيراً من حياتي للعلاقات بين الأديان وتعزيز التفاهم، وقد لمست صدق هذا الإيمان بانتصار النور على الظلام مرات لا تحصى. ومن خلاله، أستلهم الاحترام العميق الذي ينشأ حين يزداد أصحاب الديانات المختلفة فهماً لبعضهم بعضاً".
"ولهذا آمل وأدعو أن نتمكن، في هذه الأوقات المضطربة، من خلال العمل معاً ومع شركائنا الدوليين، من كبح انقلاب وسائل البناء والإنتاج إلى وسائل للقتل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في شأن أستراليا
ما قاله ترمب:
أثارت أستراليا غضب ترمب برفضها الاستجابة لطلبه الانضمام إلى التحالف البحري لحماية السفن في الخليج المهددة، بسبب الحرب مع إيران.
ما قاله الملك:
إلى جانب كونه رأس الدولة في أستراليا، فإنه يكن لها مودة كبيرة منذ أن درس فيها في شبابه. وقد دافع عن سجل أستراليا في تحالف "أوكوس" الدفاعي، الذي يضم المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا.
وقال:
"لقد اتفقنا على البرنامج الأكثر طموحاً للغواصات في التاريخ - أوكوس - بالشراكة مع أستراليا، البلد الذي أفخر كذلك بخدمته بصفتي ملكاً له".
في مسألة الرسوم الجمركية
ما قاله ترمب:
لم يوفر بريطانيا من تهديداته المتكررة بفرض الرسوم الجمركية، التي استخدمها سلاحاً للحد من الواردات إلى الولايات المتحدة، ووسيلة ضغط في نزاعات دبلوماسية أوسع.
ما قاله الملك:
حرص على التشديد على أن العلاقة التجارية الجيدة مع المملكة المتحدة تصب في مصلحة الولايات المتحدة، كما في مصلحة أجيال البريطانيين المقبلة.
وقال:
"وعلى نطاق أوسع، نحتفي بـ430 مليار دولار (318 مليار جنيه استرليني) من التبادل التجاري السنوي الذي يواصل النمو، وبـ1.7 تريليون دولار من الاستثمارات المتبادلة التي تغذي هذا الابتكار، وبملايين الوظائف على جانبي الأطلسي التي يدعمها الاقتصادان، وهذه أسس قوية يمكن مواصلة البناء عليها لأجيال لم تولد بعد".
في ما يتعلق بإساءة استخدام السلطة
ما قاله ترمب:
اتُهِم بمحاولة الحكم بصورة تتجاوز الضوابط التقليدية على صلاحيات الرئيس.
ما قاله الملك:
ذكر بأن القوانين الأميركية والبريطانية تعود لجذور مشتركة، وقال:
"إن إعلان الحقوق لعام 1689 لم يكن فقط أساس ملكيتنا الدستورية، بل كان أيضاً مصدر كثير من المبادئ التي أعيد تأكيدها، وغالباً بالنص الحرفي، في وثيقة الحقوق الأميركية لعام 1791".
"وتعود هذه الجذور لما هو أبعد من ذلك في تاريخنا: فقد أحصت الجمعية التاريخية للمحكمة العليا الأميركية الاستشهاد بالـ’ماغنا كارتا’ في ما لا يقل عن 160 قضية نظرت المحكمة العليا فيها منذ عام 1789، ليس أقلها باعتبارها أساساً لمبدأ خضوع السلطة التنفيذية لنظام الضوابط والتوازنات".
© The Independent