ملخص
يرى ملادينوف أن "خريطة الطريق" ليست مجرد خيار، بل هي طوق النجاة الأخير لمنع غزة من الانزلاق إلى الفوضى.
لا تُعد "خريطة الطريق" الجديدة إعلاناً لفشل خطة ترمب للسلام والازدهار، بل هي أداة تنفيذية لمعالجة تعثر المرحلة الثانية.
بينما تحاول غزة لملمة جراح عامين من القتال العسكري وتتشبث بصفقة أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025، التي هندسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة تشكيل وجه القطاع، تقف حركة "حماس" وإسرائيل على حد سواء كعقبتين تعرقلان طريق الازدهار الاقتصادي، فيرفض الطرفان الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، إذ إن الفصائل الفلسطينية تتمسك بسلاحها وترفض إسرائيل الانسحاب من غزة الشرقية.
إصرار "حماس" وإسرائيل على مواقفهما بات يهدد الهدوء الهش بالانهيار، إذ تحشد تل أبيب قواتها لاستئناف الحرب على غزة ويضغط رئيس الأركان لتنفيذ العملية العسكرية الكبرى، في وقت تصمم الفصائل على الاحتفاظ بما بقي من ترسانتها. وفي ظل هذا الوضع الذي يجر المنطقة إلى مربع القتال من جديد، حاول الوسطاء التقليديون الدخول في المرحلة الثانية من خطة السلام والازدهار، لكنهم لم ينجحوا في ذلك.
ولتبديد التعثر الذي يحيط بالمرحلة الثانية ومنع تفجر الحرب في غزة مجدداً، قدم الممثل السامي لغزة في "مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف "خريطة الطريق" كخطة خرجت من عباءة "صفقة أكتوبر" بهدف إنقاذ خطة السلام والازدهار من الموت السريري.
وكشف "مجلس السلام" عن مقترح جديد بعنوان "خريطة طريق لتنفيذ المرحلة الثانية"، يهدف إلى كسر الجمود في مفاوضات غزة بعد تعثر جزئي لتنفيذ خطة السلام والازدهار نتيجة استمرار التوترات الأمنية والأزمات المالية، ولإنقاذ الوضع، طرح ملادينوف خريطة الطريق التي أعدها على طاولة القاهرة ووضع بنودها الـ15 التقنية أمام اللاعبين الأميركيين والقطريين والمصريين والأتراك.
هل هي بديل عن خطة السلام والازدهار؟
في الواقع، لا تُعد "خريطة الطريق" الجديدة، إعلاناً لفشل خطة ترمب للسلام والازدهار، بل هي أداة تنفيذية لمعالجة تعثر المرحلة الثانية من تلك الخطة، إذ بعد نجاح المرحلة الأولى في تحقيق وقف إطلاق النار وتبادل الرهائن والأسرى، واجهت الخطة عقبات كبيرة عند الانتقال إلى المرحلة الثانية، مما استدعى تدخل الممثل السامي لـ"مجلس السلام"، بطرح هذه الخريطة كحل فني.
ويقول الباحث السياسي إيهاب الكتري "كثيرة الأسباب التي أدت إلى ظهور خريطة الطريق كبديل إجرائي للخطة الرئيسة، إذ توقفت الخطة الأصلية عند عقدة نزع السلاح، فأصرت إسرائيل على تسليم العتاد العسكري كشرط لبدء الإعمار، بينما رفضت الفصائل ذلك من دون انسحاب كامل".
ويضيف "يبدو أن خطة السلام والازدهار تعثرت مالياً، إذ لم يُجمع سوى جزء ضئيل من المليارات المطلوبة لإعادة الإعمار، وفشلت في إدخال لجنة التكنوقراط إلى غزة، وهذان السببان جعلا من المهم إنتاج خريطة طريق تقود عملية الازدهار إلى النجاح".
ماذا تتضمن "خريطة الطريق"؟
تتضمن خطة ملادينوف الجديدة 15 بنداً، تعتمد على دمج المسار الأمني بالمسار السياسي والمالي لتجاوز عقدة الثقة بين الأطراف، وأيضاً على المبدأ التزامني، فبدلاً من انتظار انتهاء مرحلة لتبدأ أخرى، تقترح الخريطة تنفيذ خطوات متبادلة في وقت واحد.
ومن أبرز بنودها الانسحاب المجدول، إذ وضع ملادينوف جدولاً زمنياً يمتد لستة أشهر، ينسحب خلاله الجيش الإسرائيلي من المناطق المأهولة أولاً، ثم من كامل القطاع تدريجاً. وتضم نزع السلاح التدريجي، فتلتزم الفصائل تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى لجنة دولية تابعة لـ"مجلس السلام"، مقابل كل مرحلة انسحاب إسرائيلي، وإلغاء المناطق العازلة التي فرضتها إسرائيل مقابل سيطرة قوة الاستقرار الدولية عليها لضمان عدم حدوث احتكاك مباشر، وتفعيل إدارة التكنوقراط لتتولى إدارة الوزارات والمعابر تحت إشراف "مجلس السلام". وتنص أيضاً على دمج العناصر المحلية التي لم تتورط في أعمال عدائية ضمن قوة شرطة مدنية جديدة تخضع لتدريب دولي.
كذلك تتضمن إنشاء صندوق "غزة الجديدة" وتحول تعهدات المانحين إلى صندوق سيادي يديره "مجلس السلام" مباشرة، لضمان عدم وصول الأموال إلى الفصائل، فضلاً عن تدشين ممر مائي ومطار تحت إشراف دولي كامل لإنهاء الاعتماد على المعابر البرية الإسرائيلية، وإطلاق مشاريع العمالة فور توقيع الاتفاق لاستيعاب الشباب وتحسين الوضع المعيشي لتقليل الاحتقان الشعبي.
وتسعى "خريطة الطريق" أيضاً إلى إنشاء لجنة التحقق من التنفيذ وهي هيئة تضم خبراء من أميركا ومصر وقطر والاتحاد الأوروبي تراقب التزام البنود يومياً. وتنص على تجميد التمويل فوراً في حال خرق الفصائل للهدنة، ووقف الانسحاب في حال خرق إسرائيل للاتفاق، كذلك ربطت الخريطة المسار بالاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية منزوعة السلاح كخاتمة للعملية.
ما الفرق بين خطة السلام والازدهار وخريطة ملادينوف؟
يقول أستاذ الدراسات الاستراتيجية مجد صرصور "تُعد خطة السلام والازدهار التي هندسها ترمب خطة شاملة وضعت المبادئ الكبرى لإنهاء الصراع، واعتمدت على ثلاث مراحل متتابعة، إذ يجب انتهاء المرحلة الأولى بالكامل قبل الانتقال إلى الثانية. وركزت على فكرة الوصاية الدولية تحت إشراف ’مجلس السلام‘، ولم تضع جدولاً زمنياً دقيقاً للانسحاب الكامل، بل كان تدريجاً ومرتبطاً بالأداء الأمني، واشترطت نزع سلاح ’حماس‘ كاستسلام أو شرط مسبق لاستكمال الإعمار، وركزت على وعود استثمارية كبرى".
ويضيف "أما خريطة الطريق التي أعدها ملادينوف، فهي ورقة تنفيذية تهدف إلى كسر الجمود وتطبيق المرحلة الثانية المتعثرة، وتقترح الدمج التزامني بين مسار الانسحاب الإسرائيلي ومسار نزع السلاح، وتركز على الأدوات الفنية. وطرحت جدولاً زمنياً مرناً لنزع السلاح يربط تسليم السلاح الثقيل بمدى تقدم الانسحاب الإسرائيلي الفعلي، وركزت على آلية التمويل الفوري والتشغيل السريع لتجنب انهيار الاتفاق بسبب الفقر، ووضعت جدولاً للانسحاب الكامل والتحول السياسي الشامل".
ويوضح صرصور أن خطة السلام والازدهار كانت الدستور أو الإطار العريض، بينما خريطة ملادينوف هي اللائحة التنفيذية التي تحاول حل العقد الفنية التي أدت إلى تعثر مسارات التنفيذ. لذلك تُعد خطة إنقاذ تهدف إلى إعادة تشغيل محركات خطة ترمب المتعطلة، وتحويلها من وعود سياسية واقتصادية كبرى إلى خطوات أمنية وإدارية ملموسة ومجدولة زمنياً.
ماذا قال ملادينوف؟
يقول مندوب غزة السامي نيكولاي ملادينوف "يجب الانتقال السريع من الوعود السياسية إلى التنفيذ الميداني، فضياع الزخم الحالي قد يؤدي إلى انهيار العملية برمتها. ونجاح خريطة الطريق مرهون بدخول لجنة إدارة غزة إلى القطاع، إذ لا يمكن تصور مسار موثوق لتقرير المصير الفلسطيني ما دام أن غزة بقيت تحت سيطرة جماعات مسلحة".
ويضيف أن "خريطة الطريق هي الوثيقة الوحيدة التي تربط نزع السلاح وإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي في تسلسل زمني واحد، والإطار المطروح يتطلب خياراً واحداً هو نزع السلاح الكامل من قبل ’حماس‘ وجميع الفصائل من دون استثناءات، والمناطق التي يجري التحقق من خلوها من السلاح ستحظى بالأولوية في تدفق مساعدات الإعمار الكثيفة".
وعلى رغم انعدام الثقة بين الجانبين، أعرب ملادينوف عن تفاؤله العقلاني بوجود مسار للمضي قدماً، لكنه كشف عن وجود محادثات ليست سهلة مع "حماس" وإسرائيل حول "الخط الأصفر" ومعبر رفح.
ما هو موقف "حماس"؟
في القاهرة، سلم ملادينوف بنفسه قيادات "حماس" نسخة من "خريطة الطريق" الجديدة لدراستها، وأبلغت الحركة المندوب السامي والوسطاء قبولها التفاوض على أساس أن المقترح يصلح "مادة للشروع في مفاوضات" في شأن المرحلة الثانية، لكنها طلبت موقفاً إسرائيلياً مكتوباً وواضحاً قبل البدء الفعلي.
ويقول رئيس حركة "حماس" خليل الحية "على إسرائيل تنفيذ كامل تعهدات اتفاق شرم الشيخ، والمرحلة الأولى مثل وقف الخروقات والانسحاب من بعض النقاط كخطوة تسبق أي نقاش حول السلاح، فهذا الملف يجب أن يعالج ضمن حل سياسي متكامل وضمانات دولية تمنع تجدد الحرب".
من جانبه يرى عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" باسم نعيم أن "تجاربنا السابقة مع إسرائيل والوعود الأميركية مريرة، لذا نطالب بضمانات مكتوبة وملزمة من الوسطاء ومن ’مجلس السلام‘ نفسه قبل الانتقال إلى أية خطوة تنفيذية. قبولنا بفتح المسارات اللوجستية لقوات الاستقرار الدولية مرهون بانسحاب الجيش خلف الخطوط المتفق عليها، وتوقفه عن خرق الهدنة في المناطق الشمالية، فلا إعمار من دون سيادة، ولا أمن من دون أفق سياسي يضمن حقوقنا المشروعة، وخريطة الطريق يجب أن تلتزم روح اتفاق أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025 من دون اجتزاء".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ماذا عن الموقف الإسرائيلي؟
عندما تسلمت إسرائيل نسخة من "خريطة طريق" ملادينوف لم تعجبها كثيراً وأبدت تشدداً حيال الجداول الزمنية مع الإصرار على تقديم الأمن على الإعمار، ويقول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو "لن يكون هناك إعمار حقيقي في غزة ما لم نلمس نتائج ملموسة لنزع سلاح ’حماس‘، لن نسمح بتحويل الأموال الدولية لبناء أنفاق جديدة تحت ستار إعادة الإعمار".
ويضيف أن "الانسحاب من المناطق التي يسيطر عليها الجيش حالياً مرتبط بتقدم عملية تسليم السلاح الثقيل من قبل الفصائل، لن ننسحب قبل ضمان وجود بديل أمني دولي فاعل ومجرب. لن نقبل بخريطة طريق تبقي على مسدس واحد من سلاح غزة، والسلام الذي يتحدث عنه ملادينوف يجب أن يكون سلاماً قوياً، يبدأ بتجريد الفصائل من قدراتها العسكرية، وليس بوعود ورقية".
ويؤكد أن إسرائيل تدرس مقترح ملادينوف، لكنه يشير إلى تحفظات جوهرية، إذ لا يمكن دمج مرحلة الإعمار وهي المرحلة الثانية مع مرحلة الأمن (المرحلة الأولى) قبل أن ترى تل أبيب التزاماً كاملاً من الطرف الآخر.
هل بدأ التفاوض على "خريطة الطريق"؟
على رغم تحفظ إسرائيل، فإن الوسطاء في مصر بدأوا بتبادل الردود والخرائط، إذ تُنقل الرسائل والمسودات بين وفد "حماس" والجانب الإسرائيلي عبر الممثل السامي نيكولاي ملادينوف ومسؤولين أميركيين.
وعلى رغم وجود قناة اتصال نشطة، فإن المفاوضات تواجه عوائق كبيرة، إذ بحسب المعلومات المتوافرة فإن رد إسرائيل الأولي على المقترحات الأخيرة ورفضها الالتزام الكامل ببنود المرحلة الأولى، بخاصة ما يتعلق بالانسحاب من "الخط الأصفر"، يصعبان تلك المحادثات. كذلك رفض "حماس" مناقشة نزع السلاح كشرط مسبق يزيد الموقف صعوبة. وحالياً العملية التفاوضية تديرها أطراف أميركية وملادينوف، وهي عالقة في مرحلة تبادل الأوراق الشاقة وتعديل البنود التقنية.
ويردف ملادينوف أن "خريطة الطريق ليست مجرد خيار، بل هي طوق النجاة الأخير لمنع غزة من الانزلاق إلى فوضى أبدية. نحن نتفاوض على كل متر في الخط الأصفر وكل بند في سجل الأسلحة. الثقة مفقودة لكن الضرورة هي ما يحرك الجميع الآن، والدول الإقليمية تتعامل مع الخطة كمسار إلزامي لإنهاء الحرب".
ويتابع أن "ليست أمامنا أشهر طويلة، لدينا أيام أو بحد أقصى أسبوعان للاتفاق على آليات التنفيذ، وإلا سيصبح كل قرار لاحق أكثر صعوبة. وما يفصل بين غزة الحالية وغزة التي يمكن بناؤها ليس المال، بل اختيار الأطراف بين الوضع الراهن ومستقبل أفضل".
ماذا عن الوسطاء؟
في الحقيقة، وجدت خريطة ملادينوف ترحيباً من مصر التي ترى في الخطة وسيلة لتخفيف الضغط الإنساني الهائل، لكن القاهرة تخشى من فكرة تغييب دور السلطة الفلسطينية، وتعمل حالياً كميسر فني لمفاوضات نزع السلاح مقابل الانسحاب بين "مجلس السلام" وحركة "حماس".
أما قطر، فتبدي استعداداً للمساهمة في صندوق "غزة الجديدة"، لكنها تربط ذلك بوجود جدول زمني سياسي واضح يضمن عدم عودة الحرب وتدمير ما جرى بناؤه.
ويقول الباحث السياسي سعيد البابا "تُعد خريطة طريق ملادينوف المحاولة الأكثر براغماتية لإنقاذ خطة ترمب من الانهيار، لكن نجاحها يتوقف على قدرتها على تفكيك عقدة الصفر، ربما هي ناجحة نظرياً لأنها استبدلت الشعارات السياسية الكبرى بآليات تقنية، وتكمن قوتها في التزامن، فهي تطلب من إسرائيل الانسحاب متراً بمتر مقابل تسليم السلاح قطعة بقطعة".
ويضيف أن "الخطة تحقق لإسرائيل هدفها الاستراتيجي بتجريد غزة من السلاح من دون الحاجة لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد، وتمنحها غطاءً دولياً عبر ’مجلس السلام‘ لمراقبة القطاع. كذلك تمنح الحركة مخرجاً آمناً من عبء إدارة القطاع المدمر مع البقاء كلاعب سياسي أو اجتماعي، وتضمن لها انسحاباً إسرائيلياً كاملاً ورفع الحصار".
ويوضح البابا أن خطة ملادينوف هي الوحيدة التي تعد بالإعمار الفوري وفتح المعابر وتدشين مشاريع غزة الجديدة، وبالنسبة إلى السكان فإنها تلبي مطالبهم.