ملخص
تفيد وثيقة استخباراتية صادرة عن الجيش الإسرائيلي بأن "حماس" باتت قادرة على استخدام مخلفات الذخائر التي لم تنفجر، وإعادة تدويرها لصناعة عبوات ناسفة وصواريخ قصيرة المدى، وتؤكد الوثيقة أن الحركة لا تزال تمتلك منصات إطلاق مخفية ومنتشرة في مناطق لم تصل إليها العمليات البرية بصورة كاملة.
على وقع طنين الطائرات المسيّرة الذي لا يهدأ في سماء قطاع غزة، تسابق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية الزمن لتعطيل ما تصفه بخطة التعافي العسكرية لحركة "حماس"، فمنذ مطلع أبريل (نيسان) الجاري، انتقل الجيش إلى نمط العمليات الجراحية والمداهمات الخاطفة، مستهدفاً ما يسميه "العقول التقنية" وشبكات الإمداد المتجددة.
وتأتي هذه التحركات الميدانية العسكرية مدفوعة بفيض من التقارير الاستخباراتية الإسرائيلية التي تزعم نجاح حركة "حماس" في إجراء عملية ترميم صامت لبنيتها التحتية وتجنيد عناصر جديدة، وفيما تعتبر تل أبيب هذه الاستراتيجية "حلاً وسطاً" لاستنزاف قدرات الحركة من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وتصف "حماس" هذه الادعاءات بأنها "محض افتراء" تهدف إلى شرعنة الاغتيالات والتهرب من استحقاقات المرحلة الأولى من خطة السلام والازدهار وعرقلة المرحلة الثانية من الاتفاق نفسه.
انسداد سياسي
بين "الاستنزاف النشط" والتمسك بسلاح الفصائل كخط أحمر، تترنح التهدئة الهشة في غزة، ليجد الميدان نفسه أمام تساؤل حاسم، هل تنجح الاغتيالات الموضعية في منع "التعافي"؟ أم أن غزة تتجه نحو انفجار جديد يطيح بكل تفاهمات المرحلة الثانية؟
تعكس التطورات الأخيرة في غزة حالاً من الانسداد السياسي والتصعيد العسكري الميداني، حيث تتقاطع الضغوط الدولية لنزع السلاح مع تقارير استخباراتية تتحدث عن ترميم "حماس" لقدراتها، مما دفع إسرائيل إلى تكثيف عملياتها.
وفي الواقع، دخلت جهود السلام التي يقودها "مجلس السلام" مرحلة حرجة، إذ رفضت "حماس" رسمياً بند "نزع السلاح الكامل"، معتبرة أن سلاحها خط أحمر ما دام أن الاحتلال مستمر، وطالبت بانسحاب إسرائيلي كامل قبل مناقشة هذا الملف.
تقديرات عسكرية واستخباراتية
وعلى وقع رفض "حماس" نزع سلاحها، أخذت الحكومة الإسرائيلية تروج بأن الحركة تحاول إعادة فرض سيطرتها الأمنية على القطاع، وتعمل أيضاً على ترميم الأنفاق وكذلك تسعى إلى تجنيد عناصر جديدة، ورداً على ما تصفه بالمراوغة صعدت تل أبيب من ضغوطها عبر مسارين، الأول الاستهدافات المباشرة والعمليات العسكرية الجراحية، والثاني عن طريق الضغط الإنساني والدبلوماسي.
وتستند المزاعم الإسرائيلية إلى تقديرات عسكرية واستخباراتية تؤكد تعافي "حماس" ميدانياً، إذ تروج الأجهزة الأمنية لتبرير استمرار وتوسيع العمليات العسكرية أن "حماس" بدأت بإعادة تفعيل جهاز الشرطة وعناصر الأمن العام التابعين لها، بهدف منع نشوء أي بديل محلي للإدارة وفرض السيطرة على توزيع المساعدات الإنسانية.
وبحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، فإن حركة "حماس" نجحت في دمج بعض الكتائب التي تعرضت لضربات قوية وتشكيل وحدات استنزاف صغيرة الحجم تعتمد على حرب العصابات، وتشير إلى أن الاستخبارات الإسرائيلية رصدت محاولات الحركة تجنيد عناصر جديدة من جيل الشباب لتعويض الخسائر البشرية.
وتفيد وثيقة استخباراتية صادرة عن الجيش الإسرائيلي بأن "حماس" باتت قادرة على استخدام مخلفات الذخائر التي لم تنفجر، وإعادة تدويرها لصناعة عبوات ناسفة وصواريخ قصيرة المدى، وتؤكد الوثيقة أن الحركة لا تزال تمتلك منصات إطلاق مخفية ومنتشرة في مناطق لم تصل إليها العمليات البرية بصورة كامل".
وذكر مركز معلومات الاستخبارات الإسرائيلية أن سلاح الهندسة في "حماس" عمل على ترميم أجزاء حيوية من شبكة الأنفاق ووصلها ببعضها، مما يتيح للمقاتلين حرية الحركة والمناورة ونقل السلاح بعيداً من الرصد الجوي، ويؤكد أن "حماس" استعادت جزءاً من قدراتها في التجسس والتشويش، ومحاولة اختراق هواتف الجنود أو جمع معلومات عبر الرصد الميداني لتحركات الآليات.
ويقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "لمنع تعافي ’حماس‘، فإن نزع السلاح يجب أن يكون حتمياً إما عسكرياً أو أننا لن نسمح بإعادة إعمار غزة، المنطقة الأمنية داخل غزة أصبحت بالغة الأهمية لمنع الحركة من إعادة بناء قواتها، والجيش لن يسمح للفصائل بإعادة تثبيت نفسها، نحن نستعد لسيناريوهات هجوم مفاجئ".
وكشفت إحاطات أمنية أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست عن أن "حماس" تقوم بحملة تجنيد متسارع وتتعافى تدريجاً، إذ تستفيد من انشغال إسرائيل بجبهات أخرى مثل إيران ولبنان لكسب الوقت وتأجيل التزامات التسوية.
ويقول الباحث العسكري الإسرائيلي أمير بوحبوط "تستخدم تل أبيب هذه التقييمات كأداة ضغط في المفاوضات الدولية، حيث ترفض الانتقال إلى المرحلة الثانية إلا بعد الحصول على ضمانات عملية لنزع السلاح، ويبدو أن تلك التقديرات صحيحة إذ إن ’حماس‘ لا تزال الكيان الأقوى على الأرض في غزة وتملأ أي فراغ يتركه الجيش الإسرائيلي فور انسحابه".
ويضيف بوحبوط أن "إسرائيل تستخدم هذه التقديرات من أجل البقاء العسكري في غزة وتعطيل الإعمار وتنفيذ العمليات الخاطفة لإحباط محاولات الترميم".
إجراءات تصعيدية
بالفعل تنفذ إسرائيل مجموعة من الإجراءات التصعيدية الميدانية والسياسية، وتتبع أسلوب العمليات العسكرية الجراحية والاغتيالات الموضعية لمنع ظهور قيادات ميدانية جديدة، وشهد أبريل (نيسان) الجاري تصعيداً في استهداف مهندسي التصنيع والمسؤولين التقنيين.
وتقوم أيضاً بتنفيذ غارات جوية وقصف مدفعي على مناطق تزعم الاستخبارات الإسرائيلية أنها تحوي بنى تحتية متجددة لـ"حماس"، وفضلاً عن ذلك تهدد باقتطاع أراضٍ ومنع الإمدادات المزدوجة وترفض الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام إلا بشروط قاسية.
ويؤكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن "يجب مواصلة تفكيك قدرات ’حماس‘ بالقوة، بخاصة إذا فشلت المسارات الدبلوماسية لنزع السلاح"، وفي الأوساط العسكرية فهم هذا التصريح على أنه الضوء الأخضر للعمليات الجراحية التي تستهدف كل من يسهم في ترميم القوة العسكرية.
ومن جانبه يقول نتنياهو "لن نسمح لـ’حماس‘ بإعادة التموضع أو بناء مصانع سلاح جديدة تحت غطاء الهدوء، العمليات الجراحية هي وسيلة لضمان عدم عودة الحركة كتهديد استراتيجي مع تجنب حرب واسعة النطاق في الوقت الراهن، الاغتيالات الموضعية هي لغة ’حماس‘ الوحيدة التي تفهمها، يجب أن تستمر هذه السياسة بقوة أكبر لمنعهم من رفع رؤوسهم مجدداً، تم تحييد عناصر رئيسة في منظومة التصنيع والبحث والتطوير التابعة للحركة لمنع محاولات إنتاج القذائف محلياً".
ويرى الباحث في معهد "القدس للاستراتيجية والأمن" آفي دافيدي أنه "يجب تفكيك السلاح الحقيقي لـ’حماس‘ وهو شبكة الأنفاق، لذا، فإن التصعيد الراهن يركز على استهداف الهندسة والإنتاج لمنع الحركة من القتال لأعوام إضافية، الصراع الآن تحول إلى حرب استنزاف تهدف إلى إضعاف قدرة الحركة على البقاء في السلطة، والعمليات الجراحية تمنع الحركة من الوصول لمرحلة الاستقرار الإداري".
ويضيف دافيدي أن "إسرائيل لن تكرر خطأ المال مقابل الهدوء، وتتبع سياسة الحصار الذكي ومنع المواد المزدوجة هي الضمان الوحيد لعدم تحول الأسمنت إلى خرسانة للأنفاق، العمليات العسكرية المستمرة هي مغير لقواعد اللعبة، إذ تستخدم إسرائيل تقنيات دقيقة لتعرية قدرات ’حماس‘ العسكرية بصورة تدريجية ومستدامة".
أما بالنسبة إلى موقف "حماس"، فإنه يتسم بالتمسك الصارم بما تسميه "ثوابت المقاومة"، إذ ترفض الحركة الاعتراف بمصطلح "نزع السلاح" وتعتبره استسلاماً، بينما تتعامل مع تقارير "التعافي" من زاوية سياسية وميدانية معقدة.
"حماس" تنفي وتبرر
تنفي "حماس" التقارير الإسرائيلية حول إعادة بناء الأنفاق وتجنيد الآلاف وتصفها بأنها سردية كاذبة تهدف إلى تبرير استئناف الحرب والتهرب من التزامات إعادة الإعمار، ويقول عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" عزت الرشق "إسرائيل تسوق الأكاذيب لتوفير غطاء لاستمرار جرائمها، لا تقوم الحركة بأية أنشطة عسكرية، ولدينا حق طبيعي في الدفاع عن النفس ضد المداهمات الإسرائيلية المتكررة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويردف أن "عودة عناصر الشرطة بزي مدني خطوة ضرورية لمنع العصابات الإجرامية من سرقة المساعدات الإنسانية وترويع السكان، فعناصر الأمن يقومون بواجبهم الوطني في تأمين قوافل المساعدات وحماية الأسواق من التغول، واستهدافهم من قبل الجيش الإسرائيلي هو محاولة لنشر الفوضى والفلتان الأمني".
ويوضح الرشق أن "ما تسوقه إسرائيل من أكاذيب حول تعافي قدراتنا العسكرية أو ترميم منظوماتنا الصاروخية هو محض افتراء وتضليل، تهدف تل أبيب من خلاله إلى التغطية على فشلها الميداني المستمر في القضاء على إرادة الفصائل، لتجد لنفسها مبرراً واهياً لمواصلة سياسة الاغتيالات وتشديد الحصار الظالم".
ما انعكاسات ذلك على النازحين؟
وللتصعيد الإسرائيلي أثر سلبي على حياة النازحين، إذ يقع المواطن الغزي ضحية لما يمكن وصفه بفكَّي كماشة، فمن جهة، تصر إسرائيل على أن نزع السلاح هو بوابة الإعمار، ومن جهة أخرى ترى "حماس" أن السلاح هو ضمانة البقاء، وفي ظل هذا الانسداد السياسي والتصعيد الميداني هناك آثار كارثية على حياة السكان.
يقول المواطن رافي "لقد جمدت إسرائيل إعادة الإعمار وحولتها إلى رهينة سياسية، لا يزال مئات آلاف النازحين في خيام موقتة لأن إسرائيل ترفض دخول الأسمنت والحديد والمعدات الثقيلة".
ويضيف أن "الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على الاغتيالات الموضعية داخل الأحياء السكنية خلقت حالاً من الرعب الدائم، وإن استهداف كوادر ’حماس‘ غالباً ما يقع في مناطق مكتظة، مما يؤدي إلى سقوط ضحايا بين المدنيين الموجودين في المحيط".
أما غادة، فتوضح أن "إسرائيل منعت دخول قطع غيار مضخات المياه والمولدات الضخمة، مما أدى إلى عجز في توفير مياه الشرب الصالحة، فيحصل المواطن حالياً على أقل من خمسة لترات يومياً، وتسبب الاستهداف الإسرائيلي الممنهج لعناصر الشرطة في فراغ أمني وأدى إلى تغول العصابات ورفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات خيالية".
وتردف "كان هناك بصيص أمل في ’مرحلة ثانية‘ تنقل الغزيين إلى واقع أفضل، لكن التصعيد الراهن والمراوحة حول ملف نزع السلاح عمّقا الشعور بالخذلان وزادا من الاستنزاف النفسي واليأس من الحل".