ملخص
يسعى الجيش إلى توظيف هذه التحولات ضمن خطاب يستوعب المنشقين ويمنحهم إطاراً سياسياً وأخلاقياً للاندماج، مقدماً نفسه بوصفه مظلة وطنية جامعة. وهكذا، تتحول الانشقاقات من مجرد وقائع ميدانية إلى أدوات في معركة السرد والشرعية، حيث لا يقل كسب الولاءات أهمية عن كسب الأرض.
في خضم الحرب السودانية المستمرة منذ أربعة أعوام، يعاد تشكيل توازنات القوة العسكرية الذي ظهر على فترات في ظاهرة استقطابات حادة، ولكن الآن تبرز الانشقاقات بصورة لافتة من داخل قوات "الدعم السريع"، مما يشير إلى تحولات تتجاوز الحسابات الميدانية إلى إعادة تعريف الولاء ومصدر الشرعية. ويبدو أن شيئاً ما يتصدع، إذ لا ينحصر الحدث في مجرد الانتقال، بل في إعادة تموضع بمعادلة القوة، حين تتقاطع الأهداف والمصالح مع الإدراك المتغير لمسار الصراع ومآلاته.
جاء انشقاق اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ"القبة"، ليشكل لحظة فارقة، فالرجل، بوصفه أحد المؤسسين وأحد أبرز القادة الميدانيين، لم يكن مجرد عنصر عابر، بل جزءاً من النواة الصلبة التي قامت عليها "الدعم السريع". ويعكس خروجه، مدفوعاً بتراكمات من التهميش والخلافات القيادية، تصدعاً في بنية القيادة أكثر مما يعكس اختلافاً تكتيكياً عابراً. وقد تجلى ذلك في الطريقة المنظمة التي أمن بها انسحابه، مصحوباً بقوة قتالية كبيرة، في مسار يوحي بوجود شبكات ولاء موازية داخل التشكيل نفسه.
ولم تمض أيام حتى تكرر المشهد مع انشقاق القائد الميداني علي رزق الله (السافنا)، الذي حمل معه ثقلاً قبلياً وميدانياً لا يقل أهمية. انضمامه إلى الجيش، بعد "القبة"، يعزز الانطباع بأن موجة الانشقاقات ليست حادثة منفردة، بل مسار آخذ في التشكل، إذ تعيد القيادات حساباتها في ضوء توازنات القوة المتغيرة.
في المقابل، يسعى الجيش إلى توظيف هذه التحولات ضمن خطاب يستوعب المنشقين ويمنحهم إطاراً سياسياً وأخلاقياً للاندماج، مقدماً نفسه بوصفه مظلة وطنية جامعة. وهكذا، تتحول الانشقاقات من مجرد وقائع ميدانية إلى أدوات في معركة السرد والشرعية، حيث لا يقل كسب الولاءات أهمية عن كسب الأرض.
تصدع داخلي
يبرز اسما النور "القبة" و"السافنا" بوصفهما نموذجين لمسارات مركبة، تعكس تاريخ الهامش المسلح في دارفور أكثر مما تعكس مجرد أدوار عسكرية طارئة. ينتمي "القبة" إلى الدائرة التأسيسية لقوات "الدعم السريع"، إذ صعد مبكراً داخل بنيتها، حتى عُد الثالث في هرمها القيادي. ارتبط اسمه بمعارك مركزية، لا سيما في الفاشر، وببناء شبكات نفوذ داخل الحاضنة الاجتماعية ذاتها التي استندت إليها القوة. غير أن هذا العمق ذاته كان مدخلاً لخلافاته اللاحقة، إذ كشف بعد انشقاقه عن تآكل في بنية القرار، منتقداً ما وصفه بغياب الانضباط وتغول الاعتبارات الشخصية، ومشيراً إلى أن الحرب نفسها انطلقت بمبادرة من "الدعم السريع" ضمن خطة للسيطرة على مفاصل الدولة. حديثه عن قيادة تدار بين الخارج والميدان، وعن "غرفة مركزية" في نيالا، لم يكن مجرد إفشاء معلومات، بل إعادة تأطير للصراع من الداخل.
أما "السافنا"، المتحدر من قبيلة الرزيقات (المحاميد)، فيجسد مساراً أكثر تقلباً، من حركات التمرد منذ عام 2003، إلى تسويات جزئية، فالعودة إلى السلاح، ثم الالتحاق بـ"مجلس الصحوة الثوري" بقيادة موسى هلال، قبل أن يستقر موقتاً ضمن "الدعم السريع" مع اندلاع حرب 2023. تجربته تكشف نمطاً مألوفاً في دارفور، القائد الذي يتحرك بين الهياكل بحثاً عن موقع يوازن بين القبيلة والسلاح والدولة. وعندما انشق لم يخف انتقاداته لقيادة "الدعم السريع"، متحدثاً عن ارتباك إداري وتراجع في الضبط واستنزاف للموارد.
تأتي هذه الانشقاقات في سياق أوسع، بدأ قبلها بانشقاق أبو عاقلة كيكل، لكنها تختلف عنها في عمق الارتباط بالبنية الأصلية. وإذا كان كيكل قد مثل ضربة عملياتية، فإن "القبة" و"السافنا" يقدمان مؤشراً إلى تصدع داخلي أعمق، فهذان القائدان لا يغادران موقعاً فحسب، بل يعيدان تعريفه، كاشفين عن أن تماسك "الدعم السريع" لم يعد مسألة قوة، بل مسألة وقت.
مكاسب تكتيكية
في التجربة السودانية الحديثة، لم يكن الحد الفاصل بين "الجيش" و"الدعم السريع" خطاً صلباً، بل مجالاً رمادياً يتشكل وفق ضرورات السلطة وموازين القوة، فمنذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي اعتمدت الدولة على تشكيلات قبلية مسلحة في غرب السودان، من "المراحيل" إلى "الجنجويد" في دارفور، كأدوات لتقليل كلفة الحرب وتوسيع نطاق السيطرة. غير أن هذه الصيغة، التي بدت كقوات لحماية الحدود، حملت في جوهرها بذور ارتدادها، إذ ما إن تمنح القوة خارج المؤسسة النظامية، حتى تبدأ في إعادة تعريف علاقتها بالدولة، لا كأداة لها، بل كشريك موازٍ.
تكررت هذه الدينامية في محطات مفصلية، بعد اتفاقات السلام الجزئية في دارفور خلال العقد الأول من الألفية، جرى استيعاب فصائل متمردة وقادتها داخل القوات النظامية، لكن هذا الدمج ظل هشاً، إذ احتفظت تلك التكوينات بولاءاتها المحلية وبشبكاتها القتالية المستقلة. النتيجة لم تكن جيشاً أكثر تماسكاً، بل بنية هجينة، تتعايش فيها عقيدة الدولة مع حسابات القبيلة، وفي حالات أخرى، كما بعد انشقاقات بعض قادة الحركات المسلحة أو إعادة دمج عناصر "الدفاع الشعبي"، أفضى الاحتواء إلى تهدئة موقتة، لكنه لم يعالج جذور الانقسام.
في هذا الإطار تبدو الانشقاقات الأخيرة امتداداً لنمط مألوف أكثر من كونها قطيعة معه، فالدافع القبلي، كما في أزمة "مستريحة" المرتبطة بقبيلة "المحاميد" وموسى هلال، يتقاطع مع الحسابات العسكرية، ليعيد رسم خطوط الولاء. رفض "القبة" قتال بيئته الاجتماعية يعكس حداً يمكن أن تقف عنده المجازر في تشكيلات قائمة على تحالفات قبلية، فيما يكشف انتقال "السافنا" عن قابلية القيادات الميدانية لإعادة التموضع حين تتغير كلفة البقاء.
استيعاب المنشقين قد يحقق مكاسب تكتيكية للجيش، كما حدث في محطات سابقة، لكنه لا يتحول إلى ربح استراتيجي إلا إذا ترافق مع إعادة بناء احترافية للمؤسسة العسكرية، تفصل بوضوح بين السلاح والولاء القبلي. من دون ذلك يعاد إنتاج الدورة ذاتها، ميليشيات تدمج، ثم تتمايز، ثم تعود لاعباً مستقلاً في لحظة لاحقة.
محرك خفي
تعكس هذه الانشقاقات محاولة لإعادة تموضع محسوبة في لحظة تتغير فيها كلفة البقاء داخل "الدعم السريع" مقارنة بكلفة الخروج منه. على المستوى المعلن، يتحدث الرجلان عن "قناعة وطنية" ورفض لمسار يرونه انحرافاً تنظيمياً وأخلاقياً، مع انتقادات لغياب الانضباط وتغول القيادة الفردية، لكن خلف هذا الخطاب تبرز أهداف أكثر براغماتية، البحث عن مظلة شرعية تحمي النفوذ، وضمان موطئ قدم في ترتيبات ما بعد الحرب، فضلاً عن الحفاظ على الكتلة القتالية التابعة لهما ضمن بنية أقل عرضة للتفكك.
في المقابل، لا يمكن إغفال البعد القبلي بوصفه محركاً خفياً، لا سيما مع ارتباط "القبة" و"السافنا" ببيئات اجتماعية متداخلة مع نفوذ هلال يمنح انضمامهما بعداً يتجاوز القرار الفردي، ليصبح جزءاً من إعادة توازن داخل الحاضنة ذاتها التي انبثقت منها "الدعم السريع". هنا، قد يتحول الجيش، من حيث لا يقصد، إلى ساحة تلاقٍ لقوى تحمل أجندات متباينة، بعضها يرتبط بالحركات المسلحة الموقعة على اتفاقات سابقة، وبعضها الآخر يستند إلى ولاءات قبلية مرنة.
هذا التداخل يفتح احتمال احتكاك صامت، وربما صدام مؤجل، بين هذه العناصر و"القوات المشتركة" والحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش، فهذه التشكيلات، التي خاضت صراعات طويلة مع قوى دارفورية بعينها، قد تنظر بعين الريبة إلى إدماج قادة كانوا حتى وقت قريب خصوماً مباشرين. ومع تراكم الشكوك يمكن أن يتحول التعايش التكتيكي إلى تنافس على الموارد والنفوذ داخل مسرح العمليات.
وحين تستند الدولة إلى قوة وسيطة لتقوية موقفها، ربما تتحول هذه القوة تدريجاً إلى مركز ثقل مستقل. صعود موسى هلال مجدداً، مدعوماً بانضمام شخصيات ذات وزن ميداني، قد يعيد تاريخ قواته بصورة أكثر قوة، لا سيما عندما أدرك أن الطريق إلى السلطة أو الحرب ضد الدولة يكون حين تتراكم القوة خارج التسلسل المؤسسي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مسارات محتملة
معظم التقديرات تشير إلى أن الجيش لا يواجه مجرد تحد عسكري بضم منشقين عن "الدعم السريع"، بل اختباراً بنيوياً يتعلق بقدرته على تحويل قوى شبه عسكرية ذات طبيعة قبلية إلى مكونات منضبطة داخل مؤسسة وطنية، السؤال هنا ليس إن كان الجيش قادراً على استيعابهم، بل إن كان قادراً على إعادة تشكيلهم.
أولاً، من غير المرجح أن يتغلب الجيش سريعاً على الاستقطابات القبلية، فهذه ليست ظاهرة طارئة بل بنية متجذرة في تكوين الصراع السوداني، حيث ظل السلاح مرتبطاً بشبكات الانتماء المحلي. انضمام قادة محمولين على قواعدهم الاجتماعية يعني أن الولاء المزدوج، للمؤسسة وللقبيلة، سيستمر في المدى المنظور، وعليه فإن الجيش قد ينجح تكتيكياً في توسيع قاعدته، لكنه يغامر استراتيجياً بتكريس التعدد داخل بنيته.
ثانياً، قدرة الجيش على الموازنة بين مكوناته ستعتمد على ثلاث آليات حاسمة، إعادة الهيكلة وضبط التسلسل القيادي وإدارة الموارد. إذا استطاع تفكيك الوحدات المنضمة وإعادة توزيعها ضمن تشكيلات مختلطة، فسيحد من تماسكها القبلي، أما إذا أبقاها كوحدات متماسكة، فإنه يؤسس فعلياً "جيوشاً داخل الجيش"، كذلك فإن التحكم في الرواتب والإمداد سيصبح أداة سياسية بقدر ما هو إجراء إداري، لضمان عدم تحول هذه التشكيلات إلى مراكز قوة مستقلة.
ثالثاً، يظل خطر الاحتكاك مع الحركات المسلحة المتحالفة قائماً، بخاصة إذا شعرت هذه القوى بأن نفوذها يتآكل لمصلحة القادمين الجدد. هنا قد يظهر "التوازن القلق"، حيث تتعايش قوى متعددة تحت مظلة واحدة، من دون اندماج حقيقي.
أما في الأفق الأبعد، فإن السيناريو الحاسم يتوقف على ما إذا كان الجيش سيبقى مؤسسة تعيد إنتاج نفسها، أم سيتحول إلى ساحة لإعادة توزيع القوة بين فاعلين غير نظاميين. التاريخ القريب يوحي بأن استيعاب الميليشيات من دون إعادة صياغة عقيدية صارمة لا ينهي الظاهرة، بل يعيد تدويرها في شكل أكثر تعقيداً.