Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عصابات نهب بالزي العسكري تقلق العاصمة السودانية

ظهور مقاتلين من "الدعم السريع" بالخرطوم يثير الغضب ومخاوف من الانفلات

ودعا وزير الدفاع السوداني المواطنين الذين بحوزتهم أسلحة أو معدات عسكرية لتسليمها للوحدات العسكرية أو مراكز الشرطة لتفادي المساءلة القانونية (أ ف ب)

ملخص

رصد تفش للنهب المسلح في الخرطوم في الآونة الأخيرة، وجرى ضبط 500 حالة انتحال صفة بالزي العسكري بالعاصمة السودانية خلال شهر واحد.

على رغم نجاح السلطات السودانية في تفكيك شبكات عدة تنشط في عمليات النهب والسطو المسلح مرتدية الزي العسكري الخاص بالقوات النظامية، إلا أن تكرار جرائم القتل والنهب المسلح داخل الأحياء السكنية بات هاجساً مهدداً للأمن والطمأنينة العامة.

ففي ظل انتشار السلاح المنفلت وارتداء العصابات للزي العسكري، ولم يعد الناس يفرقون بين من يحميهم ومن يهدد أمنهم، مما ضاعف من صرخات المواطنين المطالبة بضرورة التطبيق الحازم لقرارات مجلس السيادة الانتقالي بتفريغ العاصمة من التشكيلات العسكرية كافة، ومنع حمل السلاح داخل المدن السودانية.

وفي مشاهد أعادت لذاكرة المدينة مرارة الأيام السوداء خلال مرحلة احتلال قوات "الدعم السريع" للعاصمة العاصمة السودانية الخرطوم، فجر مقطع فيديو يظهر فيه جنود بزي تلك القوات وهم يتجولون بأسلحتهم في شوارع مدينة أم درمان موجة غضب كبيرة بين المواطنين، الذين وصفوا ما رأوا بالمشاهد الاستفزازية التي اعتقدوا للوهلة الأولى أنها ربما تكون عملية تنكر أو عملية انتحال صفة جديدة، قبل أن يتضح أنهم جنود يتبعون للقائد المنشق اللواء "النور القبة".

وسادت حالة من القلق والخوف الخرطوم في ظل انتشار إشاعات بوقوع توترات واحتكاكات داخل العاصمة بين قوات "النور القبة" و"القوات المشتركة" التي تضم حركات دارفور، تم نفيها لاحقاً من مصادر رسمية وعسكرية عدة.

تغول مسلح

وجدد مقتل شاب برصاص مجموعة مسلحة أمام منزله بأم درمان القديمة ونهب هاتفه أول من أمس الأربعاء الـ29 من أبريل (نيسان) الماضي، غضب الأهالي الذين طالبوا بضرورة حسم انتشار السلاح وتغول المجموعات المسلحة داخل الأحياء السكنية.

ويتخوف كثيرون من أن تقود فوضى الزي العسكري وانتشار السلاح، في ظل اتهام بعض الحركات المسلحة بالتحكم في الارتكازات الرئيسة بالعاصمة وبعض المدن الأخرى، إلى تشكيل واقع أمني جديد قد يهدد بوضع العاصمة مجدداً على برميل بارود ينذر بانفجار أمني ودوامة أخرى من الصراع المسلح.

وعقدت لجنة أمن ولاية الخرطوم اجتماعاً موسعاً أمس الخميس أكدت فيه التزام اللواء المنشق عن "الدعم السريع" و"النور القبة"، بالترتيبات التي وضعتها قيادة القوات النظامية في شأن وجود قواته داخل العاصمة.

المشتركة والانضباط

من جانبها أعلنت قيادة العمليات بـ"القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح" أمس الخميس قرارات جديدة، "لتعزيز الانضباط العسكري وصون أمن العمليات ضمن صفوف القوات، تمنع إساءة استخدام الزي العسكري أو الظهور الإعلامي غير المنضبط، بما قد يسيء لسمعة القوات أو يخالف القيم العسكرية".

وقال قائد العمليات الفريق عبدالله بشر جالي الشهير بـ"عبد الله جنا" إن "القرارات تلزم جميع الوحدات والتشكيلات بالالتزام بضوابط تنظيمية صارمة، وحظر التصوير والنشر بأية وسيلة أو كشف عن مواقع التمركز أو التحركات أو تصويرها، باعتبار ذلك يشكل تهديداً مباشراً للأمن العسكري".

وهددت قيادة المشتركة بعقوبات رادعة في حق المخالفين، تشمل الحبس والتجريد من الرتب، والإحالة للمحاكمة العسكرية.

نهب مسلح

ورصد ناشطون عشرات الجرائم ترتكبها مجموعات مسلحة في الخرطوم وأم درمان، تعرض خلالها مواطنون إلى نهب هواتفهم وممتلكاتهم بواسطة مجموعات ترتدي زياً عسكرياً وتقف في نقاط تفتيش (ارتكازات) في شوارع العاصمة اتضح لاحقاً أنها نقاط وهمية.

وفي مؤشر إلى استمرار الجرائم تم مطلع هذا الأسبوع ضبط شبكة إجرامية ترتدي زي الجيش بمدينة أم درمان وتستغله في إجبار المواطنين على تحويل الأموال إلكترونياً تحت تهديد السلاح، وتستخدم دراجات نارية غير مقننة لنهب المواطنين في الأسواق. كما ضبطت الجهات المختصة عصابة تنتحل الصفة العسكرية خطفت أحد المواطنين واحتجزته داخل منزل بمنطقة السريحة بمحلية جبل أولياء جنوب الخرطوم. كما تم في جرائم منفردة مختلفة، ضبط مسلح يرتدي زي الجيش يقوم بعمليات نهب وسرقة باستخدام بندقية آلية كلاشنكوف بمحلية كرري، شمال أم درمان.

وقال الناشط هشام أبو ريدة إن "مجموعات مسلحة يرتدي بعضها زي الجيش وبعضها أزياء لحركات ومجموعات تقاتل إلى جانبه، تنتشر ليس فقط داخل العاصمة الخرطوم بل أيضاً في بعض المدن الأخرى. وهناك مجموعات مسلحة بالزي العسكري تمارس النهب العلني تحت تهديد السلاح داخل الأحياء السكنية، كما تبتز المواطنين وأصحاب المحال التجارية وتنصب نقاط ارتكاز في بعض الطرق لتحصيل رسوم وضرائب وهمية باسم الدولة".

وأضاف أبو ريدة "ما زال  النهب المسلح مستمراً على رغم قرار مجلس السيادة إخلاء العاصمة من المجموعات المسلحة، إلا أن هاجس الانفلات في السلوك والأزياء العسكرية يعد مؤشراً خطراً قد يقود إلى انفلات أمني تغيب فيه سيادة القانون لصالح الجريمة المسلحة".       

 

عصابات وجرائم

وبالعودة لإحصاءات الجرائم المرتكبة خلال شهرين فقط منذ فبراير (شباط) الماضي وحتى اليوم، تمكنت حملات أمنية من ضبط وتوقيف نحو 500 شخص بتهم انتحال صفة القوات النظامية في ولاية الخرطوم وحدها، وضبط بحوزة عدد من المتهمين، أزياء عسكرية تحمل شارات لرتب مختلفة.

وكشف المتحدث الرسمي باسم الشرطة السودانية العميد فتح الرحمن محمد التوم، عن ضبط عشرات المقار العسكرية الوهمية، إذ جرى إغلاق 40 مكتباً غير قانوني كانت تديرها تلك العصابات وكأنها مراكز رسمية، منها 18 مكتباً بالخرطوم و12 مكتباً بشرق النيل و10 في أم درمان، تستخدم لإصدار تصاريح مزورة، وابتزاز المواطنين، وإدارة خلايا خاصة للقبض على المدنيين ومساومتهم.

اقتحام مصانع

ووفق مصادر باتحاد الغرف الصناعية السودانية، تم رصد عصابات منظمة تضع شارات عسكرية لرتب عسكرية رفيعة تقوم باقتحام المصانع في جنوب الخرطوم وتنهب محتوياتها في وضح النهار باستخدام شاحنات كبيرة، بعد إيهام الحراس بأنهم جهة رسمية تقوم بالمصادرة والتأميم.

وشملت المنهوبات بحسب الاتحاد، مواد خام وماكينات، وحتى كابلات الكهرباء الضخمة، مما أدى إلى تعطيل القطاع الصناعي بالكامل في تلك المناطق.

في يوليو (تموز) 2025، ألقت "القوات المشتركة لحركات الكفاح المسلح"، القبض على عصابة مكونة من ثلاثة أفراد في الخرطوم كانت تنتحل صفتها وتقوم بممارسة النهب المسلح والسرقة باسمها لتشويه سمعتها وإثارة الرعب، جرى تسليمهم لاستخبارات الجيش لمحاكمتهم بتهم الخيانة العسكرية والانتحال.

إخلاء ولكن...

وبالتزامن مع تشكيل اللجنة العليا لتهيئة البيئة الأمنية والخدمية لعودة المواطنين، كان رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق عبدالفتاح البرهان قد أصدر قرارات بإخلاء ولاية الخرطوم من التشكيلات العسكرية والكيانات المسلحة كافة، اعتباراً من يوليو (تموز) الماضي.

وأكد القرار إفراغ ولاية الخرطوم من كل القوات المقاتلة والكيانات المسلحة وإخلائها إلى المعسكرات واتخاذ تدابير أمنية عاجلة لفرض هيبة الدولة، مع التزام الحركات المسلحة بإغلاق مكاتبها داخل العاصمة.

وعلى رغم تلك القرارات التي لم تستثن من الوجود المسلح بالعاصمة، سوى الأجهزة الشرطية والأمنية المعنية بحفظ الأمن والاستقرار، إلا أن تنفيذها واجه تحديات كبيرة من بينها مشكلات التنسيق في شأن انتشار القوات والإجراءات الفنية والأمنية الدقيقة لمنع حدوث أي فراغ أمني محتمل.

حملة مشددة

وأعلنت وزارة الدفاع السودانية إجراءات أمنية مشددة لتنظيم الزي العسكري وحمل الأسلحة خارج المهمات الرسمية ومقار الوحدات النظامية، كما منعت ارتداء الزي العسكري أو أي أجزائه في المركبات داخل السيارات المدنية.

وعززت الوزارة من نقاط تفتيش الهوية العسكرية، ونجحت في مصادرة كميات كبيرة من الأزياء والرتب العسكرية المقلدة التي كانت تباع أو تستخدم بصورة غير قانونية.

ودعا وزير الدفاع الفريق حسن داؤود كبرون جميع المواطنين الذين بحوزتهم أسلحة أو معدات عسكرية لتسليمها للوحدات العسكرية أو مراكز الشرطة لتفادي المساءلة القانونية، مشدداً على ضرورة تقنين مركبات الأجهزة النظامية المخصصة للأعمال الرسمية وإلزام المنسوبين بحمل الأوراق الرسمية وإثبات الهوية.

واقع معقد

في السياق يرى المراقب الأمني والعسكري خلف الله سعيد أن "تفشي جرائم انتحال صفة القوات النظامية باستغلال الزي العسكري في السودان ليست ظاهرة معزولة، بل هي نتيجة مباشرة للواقع الأمني المعقد والمضطرب الذي خلفته الحرب أبريل (نيسان) 2023، وفي لحظات الانهيار الأمني وغياب الدولة قبل انتقال الحكومة إلى بورتسودان".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفق سعيد فإن "تحرير الخرطوم والجزيرة وسنار والنيل الأبيض شكل بداية المنعطف الخطر بظهور عصابات الانتحال باستخدام الزي العسكري في الجريمة المنظمة وكوسيلة غير قانونية للحصول على المال عبر النهب والسرقة وإقامة نقاط تفتيش وهمية للابتزاز والخطف، مستغلين امتثال الناس واستجابتهم من دون مقاومة لأي شخص بزي عسكري بدافع الخوف".

يتابع "أدت الحرب خلال أشهرها الأولى إلى تفكك مؤسسات الشرطة والأمن القانون في كثير من المناطق، مما خلق فراغاً وبيئة مثالية لمختلف أنواع العصابات التي تستغل غياب الرقابة، وزاد من الطين بلة هرب عتاة المجرمين وزعماء عصابات من مختلف السجون السودانية، لتجد ضالتها في هذا الفراغ".

فوضى الظهور

وطالب المتحدث ذاته رئاسة أركان للجيش بإصدار تعميم صارم بحظر الظهور الإعلامي لجميع العسكريين بمختلف رتبهم، ومنع نشر الصور بالزي العسكري، أو تداول أية معلومات أو مقاطع تتعلق بالمعسكرات والآليات العسكرية عبر منصات التواصل الاجتماعي، منوهاً إلى أن "هذا الأمر يندرج أيضاً تحت فوضى الزي العسكري التي لا تقتصر فقط على جرائم الانتحال".

وكانت مجموعة ترتدي الزي العسكري للجيش ظهرت في مقطع فيديو تطالب بالمشاركة في الحرب الإيرانية ضد دول الخليج، بعيداً من الموقف الرسمي للدولة.

قوانين وعقوبات

قانونياً، يوضح المحامي الجنائي عزالدين رحمة الله أن "انتحال الصفة العسكرية في السودان يعتبر جريمة مزدوجة (مركبة) تقع تحت طائلة القانون الجنائي لعام 1991 وتعديلاته، وقانون القوات المسلحة في الوقت ذاته، وتصل عقوباتها إلى السجن لفترات طويلة، خصوصاً في ظل قانون الطوارئ والنزاعات المسلحة".
ويوضح رحمة الله أن "القانون الجنائي السوداني يجرم انتحال صفة الموظف العام بسوء قصد، سواء كان الموظف مدنياً كان أم عسكرياً يرتدي زيه، ويفرض على مرتكبها عقوبة سجن لمدة لا تتجاوز سنتين أو الغرامة. كما يجرم القانون العسكري، ارتداء الزي الرسمي أو حمل العلامات المميزة (الرتب) لغير الحائزين عليها، بعقوبة تصل إلى السجن لمدة عام، وتم تشديد العقوبات لتصل إلى السجن 10 سنوات كحد أقصى بدلاً من ستة أشهر في حالات محددة".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات