ملخص
أكد مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية أن الرئيس دونالد ترمب يسعى لمعالجة الكارثة الإنسانية في السودان، وأفاد بولس بأن إعلان مبادئ برلين المتوافق عليه من قبل 22 دولة ومنظمة دولية يوفر إطاراً للتوصل إلى حل سلمي ودائم للصراع في السودان.
تشهد جبهات القتال في عدد من المناطق بدارفور وكردفان والنيل الأزرق تصعيداً مستمراً، وبحسب مصادر عسكرية واصل طيران الجيش غاراته الجوية على مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور مستهدفاً مواقع استراتيجية مهمة، مما أدى إلى تدمير مخابئ ومخازن تسليح رئيسة كانت تتخذها قوات "الدعم السريع" مراكز لإدارة عملياتها وهجماتها العسكرية، فضلاً عن تركيز الضربات على مقار قيادات هذه القوات.
وأفاد الناطق الرسمي باسم قوات العمل الخاص محمد ديدان بأن الغارات الجوية استهدفت حتى الآن 26 موقعاً استراتيجياً لـ"الدعم السريع" في مدينة نيالا، مؤكداً أنها كانت عالية الدقة وشلت حركة هذه القوات وألحقت بها خسائر فادحة في العتاد والأرواح. وبيّن ديدان أن الضربات الجوية المكثفة لطيران الجيش تأتي ضمن استراتيجية عسكرية أوسع لتجفيف منابع إمداد "الدعم السريع" وضرب بؤر تجمعاتها الحيوية في دارفور.
حشود ومسيرات
في حين واصل الجيش حشد قواته باتجاه مدينة الكرمك لاستردادها من "الدعم السريع" والحركة الشعبية - شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو، لتأمين الحدود الشرقية والجنوبية للبلاد، فضلاً عن فتح الممرات الآمنة وتسهيل وصول قوافل المساعدات الإنسانية مباشرة إلى المتضررين من دون عوائق أمنية. ووفقاً للمصادر العسكرية، فإن قوات الجيش المرابطة بالقرب من الكرمك تكثف عملياتها العسكرية، في وقت تستهدف الطائرات المسيرة بصورة مكثفة ومتواصلة تجمعات الجماعة والحركة الشعبية في محيط الكرمك، في محاولة لقطع خطوط الإمداد وتضييق الخناق عليها، إضافة إلى قيام فرق مختصة من الجيش بالتنسيق مع الإدارات الأهلية والسلطات التنفيذية بمناطق النيل الأزرق لضمان إنجاح الخطط الميدانية وتأمين تراجع "الدعم السريع" والحركة الشعبية وحماية ممتلكات المواطنين.
موجة نزوح
من جهته، أكد محافظ الكرمك عبدالعاطي الفكي لوسائل إعلام محلية انطلاق ترتيبات عسكرية لتحرير الكرمك وإعادتها إلى حضن الدولة عقب سيطرة "الدعم السريع" عليها خلال الفترة الماضية، منوهاً إلى أن الأجهزة الأمنية والعسكرية تضع اللمسات الأخيرة لعمليات الملاحقة والتأمين، وأن من المتوقع تحقيق انتصارات ملموسة في القريب العاجل. وأشار الفكي إلى نزوح أكثر من 70 ألف شخص من الكرمك بسبب الانتهاكات والمواجهات المسلحة الأخيرة، مبيناً أن الأوضاع العامة للنازحين من المدينة مستقرة نسبياً في مناطق التجمعات الموقتة ببلدات دندرو وقمبرزة بإقليم النيل الأزرق. وحث المسؤول الحكومي المنظمات الدولية والمحلية العاملة في الحقل الإغاثي لتقديم المساعدات الفورية للمتأثرين من عمليات النزوح القسري، لافتاً إلى أن الاحتياجات الفعلية من مواد الإيواء، والخدمات الصحية، والتموين الغذائي تفوق القدرة الاستيعابية والمالية لولاية النيل الأزرق بأكملها.
في الأثناء، رصدت فرق ميدانية تابعة للمنظمة الدولية للهجرة، أمس الأحد، موجة جديدة من النزوح الجماعي في إقليم النيل الأزرق. وأوضحت المنظمة، في بيان، أن حوالى 3860 شخصاً يمثلون 772 أسرة نزحوا من قريتي خور حسن وأبيجو بمحلية الكرمك بسبب تدهور الأوضاع الأمنية، وأشار البيان إلى أن النازحين اتجهوا نحو محلية قيسان في الولاية ذاتها، في وقت لا يزال الوضع متوتراً ومتقلباً للغاية.
وكانت منظمة الهجرة، أفادت في 12 مايو (أيار) الجاري بنزوح 49512 شخصاً من الكرمك وباو وقيسان عقب تصاعد النزاع، مؤكدة أن 25630 فرداً من إجمالي الفارين نزحوا إلى الدمازين، بينما توزع الباقون على مواقع في باو وقيسان والروصيرص والكرمك وود الماحي والتضامن.
ويؤوي إقليم النيل الأزرق 361 ألف نازح، وفقاً لإحصائية صادرة في نهاية مارس (آذار) الماضي، يقيمون في 252 موقعاً موزعين على سبع محليات.
استهداف الدلنج
في جنوب كردفان تصدى الجيش لموجة من المسيرات الانقضاضية تابعة لـ"الدعم السريع" استهدفت مواقع مختلفة بمدينة الدلنج ثاني أكبر مدن الولاية. وبحسب مصادر ميدانية، فإن المضادات الأرضية للجيش أسقطت عدداً من المسيرات، من دون وقوع خسائر تذكر.
وتشير مصادر طبية إلى أن الخدمات الطبية بالمستشفى الرئيس في المدينة تشهد واقعاً متردياً للغاية.
من ناحيته، قال محمد فيصل الناطق باسم "شبكة أطباء السودان" إن إقليم كردفان يعيش واقعاً مأسوياً في ظل حصار خانق وقصف متواصل يطال المدنيين والمرافق الصحية على حد سواء. وبين فيصل أن ولاية جنوب كردفان تعيش مجاعة رسمية بحسب التصنيف المرحلي المتكامل للغذاء، وأن حوالى 63 ألف طفل يعانون من سوء التغذية بينهم 10 آلاف طفل يعانون سوء التغذية، وأكد الناطق باسم "شبكة الأطباء" أن المنظومة الصحية تتهاوى في المناطق المتأثرة بالحرب في السودان.
ترحيب ومحاسبة
على خط آخر، رحّب حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي بأي قائد ينشق عن "الدعم السريع"، بما في ذلك قائدها محمد حمدان دقلو "حميدتي"، لكن من دون إسقاط حق المحاسبة باعتبارها الفيصل النهائي في هذا الملف الحساس. وأشار مناوي لوسائل إعلام محلية إلى أن الانشقاق عن "الدعم السريع" أمر طبيعي بسبب غياب المشروع الوطني الجامع بين مكونات هذا التنظيم الذي وصفه بالغريب لناحية تكوينه الإداري والعسكري. وأكد أن الخطط اللوجيستية والإجراءات الجارية لإخلاء مدن الخرطوم من المظاهر المسلحة والعتاد الحربي تسير بشكل مستمر، لافتاً إلى أن العملية معقدة وتحتاج إلى مدى زمني مدروس كون العاصمة خرجت للتو من أتون حرب ضارية، لكنه رأى أن وجود القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة في محاور مدينة أم درمان إلى جانب الجيش السوداني يعد أمراً طبيعياً تمليه ظروف المعركة المشتركة. وأرجع الانتقادات الموجهة لهذا التموضع إلى تعدد الأقطاب والآراء داخل بنية الدولة، موضحاً أن الاحتكاكات الميدانية التي تقع أحياناً في الأسواق والتجمعات العامة بين أفراد القوات النظامية هي أحداث عرضية وطبيعية وتتم معالجتها فوراً عبر غرف التنسيق والعمليات المشتركة لضمان الاستقرار وبسط الطمأنينة. وأكد مناوي تفضيله الحلول الدبلوماسية لمعالجة الأزمات الحدودية سواء مع تشاد أو إثيوبيا، تزامناً مع اتهامات وجهها الجيش لإثيوبيا بالسماح لـ"الدعم السريع" باستخدام مطاراتها لإطلاق الطائرات المسيرة التي استهدفت مواقع بالعاصمة. وجدد رفضه أي مقترحات حول هدنة دولية تقود إلى تقسيم البلاد وفق السيناريو الليبي بوجود حكومتين، واصفاً إياها بأنها مجرد حبر على ورق.
وتأتي تصريحات حاكم إقليم دارفور في وقت تشهد الساحة الميدانية تصاعداً في معدلات الانشقاق عن "الدعم السريع"، لا سيما القائدين الميدانيين "النور القبة"، وعلي رزق الله الشهير بـ"السافنا"، وقبلهما أبو عاقلة كيكل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقف الحرب
في هذا الوقت، اعتبر مستشار رئيس مجلس السيادة السوداني أمجد فريد إنهاء الوجود المؤسسي لـ"الدعم السريع" بمثابة الركيزة الأساسية والطريق الحقيقي لوقف الحرب في السودان وبناء سلام مستدام. وأشار فريد في تصريحات صحافية إلى أن استمرار الهياكل الموازية لـ"الدعم السريع" يهدد استقرار الدولة السودانية ويمنع الوصول إلى تسوية حقيقية للأزمة، مشدداً على أن أي جهود دولية أو إقليمية لا تضع مسألة التفكيك المؤسسي كأولوية لن تفضي إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. وزاد "عملية تفكيك الدعم السريع وإنهاء الحرب يمكن أن يتحققا عبر مسارات سلمية وتفاوضية واضحة، شرط توفر إرادة دولية حاسمة لوقف الإمداد الخارجي"، مؤكداً ضرورة امتناع القوى الإقليمية وداعمي هذه القوات عن تزويدها بالسلاح والعتاد العسكري واللوجيستي، ورأى أن تجفيف منابع الدعم والتسليح سيجبر قيادة "الدعم السريع" على القبول بالحلول السلمية والانصياع لخيارات السلام والتفكيك من دون الحاجة للاعتماد الكامل على الخيار العسكري، ولفت مستشار رئيس مجلس السيادة السوداني إلى أن الانشقاقات المتتالية وحالات الانسلاخ الجماعي والفردي داخل صفوف الجماعة تمثل مؤشراً حاسماً إلى التراجع، مضيفاً "هذه الانشقاقات، وإن كانت لا تنهي الحرب بصورة فورية، إلا أنها تسهم بصورة مباشرة في إضعاف القدرات القتالية وتكسر شوكة الميليشيات العسكرية".
حوار جامع
وسط هذه الأجواء، أكد مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية أن الرئيس دونالد ترمب يسعى لمعالجة الكارثة الإنسانية في السودان، وأفاد بولس في منشور على منصة "إكس" بأن إعلان مبادئ برلين المتوافق عليه من قبل 22 دولة ومنظمة دولية يوفر إطاراً للتوصل إلى حل سلمي ودائم للصراع في السودان. وجدد دعوته الأطراف الخارجية إلى وقف دعمها العسكري لكلا الجانبين، "نظراً لأن هذا الدعم يؤدي لتأجيج الصراع ويعرقل التقدم نحو التوصل إلى هدنة إنسانية"، وأوضح أن السودان بحاجة إلى وقف دائم لإطلاق النار وإلى سلام شامل، "يتم تحقيقهما من خلال حوار سوداني - سوداني جامع والانتقال إلى قيادة مدنية".