Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين الوعي والقانون… هل نصبح "راشدين" حقا في الـ18؟

تحديد سن الرشد لم يكن يوماً معياراً ثابتاً بل يعد قراراً يتغير تبعاً لحاجات المجتمع وظروفه

تشير دراسات لاحقة في علم الاجتماع وعلم النفس إلى أن الإحساس بالرشد لا يتزامن مع العمر القانوني، بل يرتبط بعوامل أكثر تعقيداً (أنسبلاش)

ملخص

يبدو رقم 18 كأنه حقيقة طبيعية، لكنه في الواقع وليد سياق تاريخي محدد. فحتى منتصف القرن الـ20، كان سن الرشد في دول كثيرة 21 سنة، قبل أن يبدأ خفضه تدريجاً، بخاصة مع التحولات السياسية التي رافقت الحروب والتوسع في الحقوق المدنية. وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال تكرس هذا التحول مع إقرار التعديل الـ26 للدستور الأميركي عام 1971 الذي خفض سن التصويت إلى 18. ولم يكن الدافع بيولوجياً بقدر ما كان سياسياً، إذا كان الشاب قادراً على القتال في الحرب، فمن المنطقي أن يكون قادراً على اختيار من يقرر تلك الحرب.

في تلك اللحظة القصيرة بمقياس الزمن، حين تطفأ الشموع ويعلن الرقم الجديد، يبدو كل شيء عادياً أكثر مما ينبغي. كعكة شهية وتهانٍ متتابعة وصور يجري التقاطها بفرح لتوثيق اللحظة. ومن الممكن أن تتسلم بطاقة هوية تحمل صفة "راشد"، أو تقف للمرة الأولى أمام صندوق اقتراع، أو توقع على ورقة لم يكُن مسموحاً لك تحمل مسؤولية محتواها قبل أشهر قليلة. كل شيء يوحي بأن عتبة ما جرى تجاوزها.

ومع ذلك، لا يحدث في الداخل ما يوازي هذا الإعلان، لا قفزة مفاجئة في الوعي، وليس هناك إحساس مكتمل بالمسؤولية، ولا تحول يمكن التقاطه بين ما كنت عليه بالأمس وما يفترض أنك أصبحت عليه اليوم. وحده إدراك خافت يتسلل، أن شيئاً ما تغير في نظر الآخرين، حتى لو بقي كما هو في داخلك.

لا تكمن المفارقة في الحدث نفسه، بل في وضوحه الخارجي وغموضه الداخلي، فبينما تُمنح فجأة صفة قانونية جديدة، يظل الإحساس بها مؤجلاً، أو ربما غير قابل للتحديد أصلاً.

فكيف يمكن لعمر واحد، رقم يضاف ببساطة إلى ما قبله، أن يرسم هذا الحد الحاد بين "قاصر" و"راشد"؟

الـ18: رقم قانوني لا بيولوجي

يبدو رقم 18 كأنه حقيقة طبيعية، لكنه في الواقع وليد سياق تاريخي محدد. فحتى منتصف القرن الـ20، كان سن الرشد في دول كثيرة 21 سنة، قبل أن يبدأ خفضه تدريجاً، بخاصة مع التحولات السياسية التي رافقت الحروب والتوسع في الحقوق المدنية. وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال، تكرس هذا التحول مع إقرار التعديل الـ26 للدستور الأميركي عام 1971 الذي خفض سن التصويت إلى 18. ولم يكُن الدافع بيولوجياً بقدر ما كان سياسياً، إذا كان الشاب قادراً على القتال في الحرب، فمن المنطقي أن يكون قادراً على اختيار من يقرر تلك الحرب. هكذا وُلد الشعار الذي اختصر المرحلة، "كبير بما يكفي للقتال… كبير بما يكفي للتصويت".

بهذا المعنى، لم يُكتشف سن الـ18 بوصفه لحظة نضج حاسمة، بل جرى التوافق عليه كحل وسط بين ما يطلبه النظام وما يُمنح للأفراد. إنه رقم يعكس توازنات اجتماعية وسياسية أكثر مما يعكس تحولاً داخلياً قابلاً للقياس. وربما لهذا يبدو ثابتاً في القوانين، ومفتوحاً على الشك في التجربة.

ولم يكُن هذا التحول محصوراً في الولايات المتحدة وحدها، بل جاء ضمن موجة أوسع شهدتها دول عدة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث أعيد النظر في سن الرشد القانونية تزامناً مع تصاعد الحركات الشبابية واتساع فكرة المشاركة السياسية. وفي المملكة المتحدة مثلاً جرى خفض سن التصويت من 21 إلى 18 عام 1969، في خطوة عكست تحولاً في تصور الدولة لدور الشباب، لا اكتشافاً جديداً لطبيعة نضجهم.

وفي السياق نفسه، يشير عدد من الدراسات في علم الاجتماع السياسي إلى أن تحديد سن الرشد لم يكُن يوماً معياراً ثابتاً، بل يُعد قراراً يتغير تبعاً لحاجات المجتمع وظروفه. فالأعمار القانونية تختلف حتى اليوم بين الدول في مسائل متعددة، من المسؤولية الجنائية إلى الأهلية المدنية، مما يعكس غياب نقطة بيولوجية واضحة يمكن الاتفاق عليها.

بهذا المعنى، يبدو سن الـ18 أقرب إلى "خط تنظيمي" منه إلى لحظة تحول حقيقية. رقم يوفر وضوحاً قانونياً ضرورياً، لكنه لا يقدم تفسيراً كافياً لما يحدث داخل الفرد. وربما هنا تحديداً تكمن المفارقة، كلما بدا الحد واضحاً على الورق، ازداد غموضه في الواقع.

 

لماذا تمتد المراهقة لما بعد الـ18؟

حتى اللغة التي تبدو أحياناً مجرد أداة وصف، تحمل أثراً من هذا الالتباس. في الإنجليزية، تمتد فئة المراهقين "teen" من الـ13 (thirteen) إلى الـ19 (nineteen)، مما يعني أن من بلغ الـ18، على رغم كل ما يُمنح له قانوناً، لا يزال من ناحية التسمية داخل المرحلة نفسها التي يفترض أنه غادرها. والكلمة نفسها تبقيه معلقاً بين موقعين، لم يعُد طفلاً، لكنه لم يغادر تماماً فضاء المراهقة.

وليس هذا الامتداد اللغوي تفصيلاً عابراً، إذ تشير دراسات في علم اللغة الاجتماعي إلى أن الكلمات لا تعكس الواقع وحسب، بل تسهم في تشكيله أيضاً. فحين يستمر توصيف فئة عمرية كاملة بوصفها "teen"، فإن ذلك يرسخ تصوراً ضمنياً بأنها مرحلة انتقالية، حتى لو كانت القوانين حسمت موقعها.

ومن هنا يبدأ التردد في الظهور خارج اللغة، نحن نُسمى "راشدين" في الوثائق، لكننا لا نعامل دائماً كذلك في الممارسة. ويُتوقع من الشاب في الـ18 أن يتحمل مسؤوليات كبيرة، أن يختار ويقرر ويحاسَب، لكن الثقة الممنوحة له تظل مشروطة، وغالباً ما تُستدعى فكرة "صغر السن" عند أول خطأ.

ويظهر هذا التناقض بوضوح في الحياة اليومية، في الأسرة حيث يستمر التعامل مع الفرد بوصفه "أصغر من أن يعرف" في بعض القرارات، و"كبيراً بما يكفي ليتحمل النتائج" في قرارات أخرى، وفي العمل، حيث ينظر إليه أحياناً على أنه قوة شابة تحتاج إلى التوجيه، لا على أنه صاحب قرار مكتمل. وحتى في الإعلام، حيث تُستخدم كلمة "شاب" بمرونة واسعة، تمتد أحياناً لتشمل من تجاوزوا هذه المرحلة بأعوام.

بهذا المعنى، تكشف اللغة أكثر مما يبدو، فهي لا تتردد في التسمية فقط، بل تعكس تردداً أعمق في الحسم، هل الـ18 نهاية لمرحلة، أم مجرد بداية لخروج بطيء منها؟

الرشد ليس لحظة بل سلسلة عتبات

لا يبدو الرشد في الواقع كعتبة واحدة يجري تخطيها، بل كسلسلة من الأبواب الصغيرة التي تفتح في أوقات مختلفة، وبشروط لا تتطابق دائماً. عند سن الـ18، يمكن للفرد أن يصوّت في الانتخابات وأن يدخل سوق العمل وأن يتحمل المسؤولية القانونية الكاملة في كثير من السياقات. لكن في المقابل، تتوزع بقية "علامات البلوغ" على أعمار مختلفة، في بعض الدول يمكن قيادة السيارة في الـ17 أو الـ18، بينما يمنع شراء الكحول أو التبغ حتى الـ18 أو الـ21 أو حتى أكثر في حالات معينة، كما تختلف سن الزواج والمسؤولية الجنائية بحسب النظام القانوني والسياق الاجتماعي.

وفي المملكة المتحدة تحديداً، تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحاً، فالقانون يحدد عمر 18 سنة للتصويت، وكذلك لشراء الكحول. لكن في التطبيق اليومي، لا ينتهي الحد عند هذا الرقم. ويعتمد كثير من المتاجر والحانات سياسة "تحدي الـ25" (Challenge 25)، حيث يُطلب من أي شخص يبدو أصغر من 25 سنة إبراز بطاقة هوية لإثبات عمره. بهذا المعنى، لا يكفي أن تكون بالغاً قانونياً، بل يجب أيضاً أن "تبدو" كذلك في نظر الآخرين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حتى مع بعض السلع الأخرى مثل السكاكين أو المنتجات التي يمكن أن تستخدم على نحو حساس، من المحتمل أن تخضع لقيود بيع مشددة تعتمد على التقدير البصري للعمر، لا على الرقم القانوني وحده. وهكذا، يتحول سن الـ18 إلى نقطة قانونية واضحة على الورق، لكنها محاطة في الواقع بطبقات من التحقق الاجتماعي غير الرسمي، قد تمتد فعلياً إلى 21 أو حتى 25 سنة في بعض الممارسات.

هذا التشتت في الأعمار لا يعكس مجرد دقة تنظيمية، بل يكشف عن غياب "باب واحد" للرشد يمكن عبوره مرة واحدة. فالتصويت والقيادة والشراء والزواج والمسؤولية الجنائية، كلها تخضع لإدارة بمنطق مختلف، وكأن المجتمع يوزع مفهوم البلوغ على مراحل منفصلة بدلاً من أن يجمعه في لحظة واحدة.

ومن هنا تتضح المفارقة على نحو أعمق عند الانتقال إلى الواقع اليومي، فلا يزال كثير من الشباب عند سن الـ18 في التعليم، ويعتمدون مادياً على أسرهم، أو يعيشون نوعاً من الاستقلال الجزئي لا الكامل. ومع ذلك، تمنح لهم حقوق قانونية كاملة في مجالات محددة، ويطلب منهم تحمل نتائج قرارات قد لا تتوافق دائماً مع مستوى استقلالهم الفعلي.

 

الرشد فكرة نفسية مؤجلة

لا يبدو الرشد مجرد حال قانونية تُمنح عند بلوغ رقم معين، بل تجربة نفسية تتأخر في الظهور، وتتشكل ببطء خارج حدود الوثائق الرسمية. فحتى بعد تجاوز سن الـ18 بأعوام، لا يصف كثير من الأفراد أنفسهم بأنهم "راشدون" بالمعنى الكامل للكلمة، وكأن الشعور بالاكتمال لا يرتبط بالسن بقدر ما يرتبط بتراكم التجارب، الاستقلال والخطأ وتحمل العواقب من دون حماية أو رعاية الأسرة.

في علم النفس التنموي، يستخدم مفهوم "الرشد الناشئ" (emerging adulthood) لوصف هذه المرحلة الممتدة تقريباً بين أواخر المراهقة ومنتصف العشرينيات، إذ لا يعود الفرد مراهقاً من ناحية المسؤوليات القانونية، لكنه لم يستقر بعد في هوية راشد مكتملة من ناحية الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي والوجداني. وقد طوّر هذا المفهوم الباحث جيفري أرفنت ليشرح التحولات التي طرأت على مسار الحياة الحديثة داخل المجتمعات الصناعية، حيث امتدت فترات التعليم وتأخر الاستقلال الاقتصادي وتعددت خيارات الحياة بصورة لم تعُد تسمح بانتقال حاد وسريع إلى "الرشد" التقليدي.

وتشير دراسات لاحقة في علم الاجتماع وعلم النفس إلى أن الإحساس بالرشد لا يتزامن مع العمر القانوني، بل يرتبط بعوامل أكثر تعقيداً، الاستقرار المالي واتخاذ قرارات مستقلة وتحمل المسؤوليات طويلة المدى. ومع ذلك، حتى هذه المعايير لا تنتج لحظة حاسمة يمكن تسميتها "بداية الرشد"، بل سلسلة تدريجية من التحولات الصغيرة التي لا يلحظها الفرد إلا متأخراً.

إذا كان القانون حسم لحظة البلوغ عند الـ18، فإن التجربة الإنسانية تبدو أقل استعجالاً بكثير في إعلان النتيجة نفسها، إذ ربما لا يبدأ الرشد عندما نبلغ الـ18، ولا حتى عندما نمتلك بعض الاستقلال، بل عندما نبدأ بفهم ما يعنيه أن نكون مسؤولين عن أنفسنا حقاً. وإذا كان هناك ما يشبه "بداية" للرشد، فربما لا يكون السؤال متى يحدث، بل لماذا نظل نبحث عنه كأنه لحظة واحدة… أليس من الرشد التعامل معه كأمر لا يحدث إلا متأخراً دائماً، وبصورة لا تشبه أي توقع مسبق له؟

وحتى هذا الفهم لا يأتي دفعة واحدة، بل يتشكل ببطء، في لحظات متفرقة لا تبدو في وقتها كأنها لحظات "رشد" على الإطلاق.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات