Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يؤجج "الخضر" معاداة السامية في بريطانيا؟

عدد أعضاء الحزب زاد 150 ألفاً خلال أشهر نتيجة سياسات داخلية وخارجية جذبت اليسار

أعضاء من حزب الخضر البريطاني خلال تجمع انتخابي (غيتي)

ملخص

تبنى حزب الخضر البريطاني خلال الأشهر الماضية جملة مواقف داخلية وخارجية زادت من شعبيته بصورة ملحوظة، لكن بعضاً يتهمه بتأجيج معاداة السامية في البلاد، فهل هي خصومة سياسية تسبق الانتخابات البلدية المرتقبة بعد أيام، أم أن الحزب بات يمثل اليسار الشعبوي؟

اتهم مفوض شرطة لندن مارك رولي زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي بتأجيج "التوترات المتصاعدة" في بريطانيا على خلفية جريمة طعن يهوديين في منطقة "غولدرز غرين" شمال العاصمة، إذ قال رولي إن بولانسكي "يقوض ثقة الضباط في اتخاذ الإجراءات اللازمة من خلال نشره تعليقات غير دقيقة ومبنية على معلومات خاطئة"، ملمحاً إلى ما كتبه زعيم حزب الخضر في شأن الطريقة التي اعتقل فيها المتهم بتلك الجريمة.

وانتشرت لقطات فيديو عبر "السوشيال ميديا" قبل بضعة أيام، تظهر عناصر شرطة يركلون منفذ عملية "غولدرز غرين" على رأسه عدة مرات خلال اعتقاله، على رغم أنه بدا عاجزاً عن الحركة بسبب استخدام صاعق كهربائي ضده. وهو بريطاني من أصل صومالي يدعى عيسى سليمان، ووُجهت له اليوم الجمعة تهمة القتل رسمياً، لكن تقارير تقول إنه مصاب بمرض عقلي، كما أنه خضع سابقاً لبرنامج مكافحة التطرف المسمى "بريفنت".

وواقعة "غولدرز غرين" وضعت حزب الخضر في دائرة الاتهام بتأجيج الكراهية في البلاد لأكثر من سبب وليس فقط لمنشور بولانسكي، الذي ينتمي أصلاً إلى الديانة اليهودية، فبعد يومين من تلك الجريمة التي دفعت بالحكومة إلى رفع درجة التهديد الأمني في بريطانيا من "كبير" إلى "شديد"، اعتقلت الشرطة مرشحتين للحزب إلى الانتخابات البلدية بتهمة معاداة السامية، وذلك على خلفية منشورات لهما عبر وسائل التواصل، بعضها يؤيد حركة "حماس" المصنفة على قوائم الإرهاب في المملكة المتحدة، وبعضها الآخر يشجع على مهاجمة أماكن عبادة اليهود بوصف الأمر "انتقاماً لحرب الإبادة على غزة".

من ملامح تورط "الخضر" في معاداة السامية أيضاً مواقفه المعادية لإسرائيل، والتي جذبت شرائح واسعة من الناخبين المسلمين واليساريين الناقمين على سياسات حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الشرق الأوسط، إذ تتحدث تقارير صحافية مختلفة عن ارتباط تصاعد معاداة السامية في بريطانيا مع سخط فئات في الشارع على نتنياهو وحكومته، إزاء الحروب التي تخوضها تل أبيب في المنطقة، بدءاً بقطاع غزة ثم إيران.

و"الخضر" أول حزب بريطاني يصنف ممارسات إسرائيل في غزة على أنها إبادة جماعية، ويعد سلوكها ضد الفلسطينيين سياسة عنصرية، لذا يؤيد مقاطعة الدولة اليهودية وسحب استثمارات المملكة المتحدة منها وفرض العقوبات عليها، ويبرر الحزب قراراته في هذا الشأن بالاستناد إلى القوانين الأممية والدولية ذات الصلة، ولكن البيان التوضيحي الرسمي المنشور على موقع الحزب الإلكتروني لا يقنع خصومه السياسيين.

مواقف "الخضر" من إسرائيل ليست وليدة الأمس بل تعود إلى مؤتمر سنوي عقده خلال سبتمبر (أيلول) 2024، لكن جريمة "غولدرز غرين" وما سبقها من حوادث استهدفت اليهود ومؤسساتهم وممتلكاتهم منذ بداية العام الحالي، وضعت الحزب في وجه غضب شعبي كبير من تصاعد معاداة السامية في بريطانيا، وأسهم اقتراب موعد الانتخابات البلدية في تأجيج الأمر عبر من يخشون نصر "الخضر" في هذا الاستحقاق.

تتوقع استطلاعات الرأي فوز حزب الخضر بأكثر من 555 مقعداً بلدياً جديداً ليرفع رصيده في المجالس المحلية إلى نحو 700 عضو، وتلفت الأرقام إلى أن غالبية الأماكن التي سيظفر بها "الخضر" في الاستحقاق المقرر خلال السابع من مايو (أيار) الجاري، ستكون من حصة حزب العمال الذي يخشى هزيمة نكراء لم يعرفها منذ عقود طويلة، إذ تشير تقديرات إلى احتمال فقدانه أكثر من ألفي مقعد بلدي على امتداد مناطق بريطانيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لن يتربع "الخضر" على صدارة الأحزاب الفائزة في الانتخابات البلدية، ووفق استطلاعات الرأي ربما يحل ثالثاً بعد "ريفورم" اليميني و"الليبراليين الديمقراطيين" الوسطي، لكن ذلك لا يلغي خشية كثر من التوسع المتزايد لشعبية "الخضر" خلال الأشهر الماضية، إذ تشير الأرقام إلى ارتفاع عدد أعضاء الحزب من نحو 70 ألفاً في سبتمبر 2025 إلى ما يزيد على 226 ألفاً نهاية أبريل (نيسان) الماضي.

ربط شعبية "الخضر" بمواقفه المعادية لإسرائيل ينطوي على اختصار مجحف، إذ تبنى الحزب في قضايا محلية مختلفة مواقف بدت إيجابية لكثير من البريطانيين، وجعلته جذاباً في أعين الذين ضاقوا ذرعاً بالأحزاب الكبيرة في المملكة المتحدة، وتحديداً "العمال" الحاكم الذي انتخبه الناس في يوليو (تموز) 2024 سعياً وراء تغيير في ملفات كثيرة، لم تفلح الحكومة برئاسة كير ستارمر في معالجتها وحلحلتها حتى اليوم.

تقول منى آدم، عضو مجلس بلدي عن "الخضر" في لندن، إن حزبها كان يسارياً في جميع طروحاته الداخلية والخارجية، لذلك جذب كل من فقد الأمل بتمثيل "العمال" أو غيرهم لهذا التيار في بريطانيا، لافتة في حديث مع "اندبندنت عربية" إلى مواقف الحزب في الدعوة إلى تقويم نظام الضرائب لمصلحة الفقراء وتأميم مصادر الطاقة، إضافة إلى إلغاء رسوم الدراسة في الجامعات نظراً إلى ارتفاع كلفة المعيشة في البلاد.

الأكاديمي كامل حواش مرشح "الخضر" في الانتخابات البلدية بمدينة برمنغهام يلفت أيضاً إلى سياسات اللجوء التي تبناها الحزب واستقطبت جموع المهاجرين واليساريين في بريطانيا، إذ قال الزعيم بولانسكي قبل أشهر إنه سيرحب بكل من يصل البلاد هارباً من الحرب أو غياب حقوق الإنسان في وطنه الأم، كما أنه لن يستعجل اللاجئين للعمل ولن يفرض قيوداً عليهم في ما يخص لم الشمل أو التأهل للإقامة الدائمة.

ويقول حواش في حديث مع "اندبندنت عربية" إن "الخضر" بات قبلة اليساريين الممتعضين من الحزب الحاكم، وكذلك المحبطين من تعثر ولادة مشروع "حزبكم" الذي حاول تأسيسه الزعيم السابق لـ"العمال" جيرمي كوربين، فبدا "الخضر" الخيار الذي تلتقي عنده تطلعات اليسار على اختلاف درجاته، والمخرج الذي يتيح للوسطيين في بريطانيا إفشال مشروع الشعبويين الذين يمثلهم حزب "ريفورم" بقيادة نايجل فاراج.

ويتفق شارلي بينات مرشح "الخضر" للاستحقاق البلدية في ضواحي لندن، مع احتمال اختيار الناس لحزبه في بعض المناطق فقط على سبيل "التصويت التكتيكي" الذي يصوت الناخبون فيه لمرشح من خارج أحزابهم من أجل منع فوز شخص أو تيار يعارض تطلعاتهم، لكنه نفى ضمن حديث مع "اندبندنت عربية"، أن تكون نسبة الاقتراع التكتيكي كبيرة لأن شعبية "الخضر" وصلت في رأيه إلى أماكن لم تكن يوماً ضمن مناطق نفوذه.

 

من نقاط قوة "الخضر" أيضاً وفق بينات، موقفه الواضح من قضايا البيئة التي تعد الركيزة الأساس في جميع سياساته، وهذا الموقف ازدادت كثيراً أهميته أخيراً بالنسبة إلى أنصار الطاقة النظيفة وحماية الكوكب، بعدما تعالت أصوات أحزاب اليمين، وحتى نواب من "العمال"، في المطالبة بمزيد من إنتاج الوقود الأحفوري في البلاد لتفادي أزمات نقص الوقود التي يمكن أن تستفحل بسبب حرب إيران التي يعارضها "الخضر".

والفضل في النقلة النوعية التي يعيشها "الخضر" اليوم، إنما تعود إلى بولانسكي الذي وصل إلى زعامة الحزب خلال سبتمبر الماضي، ذلك الرجل البالغ من العمر 43 سنة، والقادم إلى السياسة من عالم المسرح والتمثيل، يقول إنه لم يرغب في العمل السياسي قبل سن الـ30، وبدأ هاجسه بعد مشاركته في دراما تدافع عن المظلومين، فقرر خوض الصراع واقعياً، وانتسب إلى "الليبراليين الديمقراطيين" وبعده "الخضر".

أمضى بولانسكي عامين في صفوف "الليبراليين" بين عامي 2015 و2017، ثم غادره بسبب عدم رضاه عن تأييد الحزب للضربات الجوية على سوريا عندما كان يحكمها بشار الأسد، ويخوض العالم فيها حرباً على الإرهاب. فشل بولانسكي في الوصول إلى البرلمان مرتين واحدة عام 2018 والأخرى خلال العام الذي تلاه، وفي عام 2021 انتخب الشاب القادم من أسرة يهودية لعضوية مجلس مدينة لندن وما زال عضواً فيه حتى يومنا هذا.

وخلال عام 2018، عندما كان كوربين زعيماً لـ"العمال"، غرد بولانسكي قائلاً إنه بصفته "يهودياً مؤيداً لأوروبا" لديه سببان يمنعانه من التصويت لمصلحة حزب العمال في انتخابات البرلمان، هما "بريكست" ومعاداة السامية، ما زال بولانسكي يعارض طلاق لندن وبروكسل حتى اليوم، ويطالب بالعودة إلى العضوية الأوروبية، أما تلك الملاحظة عن معاداة السامية فقد تراجع عنها، بعدما "أدرك كيف توظف هذه التهمة ضد الساسة".

يشعر بولانسكي اليوم بذات القلق الذي عاناه كوربين عندما كان خصومه يقولون إنه يؤجج الكراهية في البلاد، لكن أصوات الخصوم تعلو عندما يشعرون بالخطر، وأحزاب البرلمان البريطاني حالياً وعلى رأسهم "العمال"، يقلقهم تمدد "الخضر"، حتى إن استطلاعات حديثة، تقول إن ثلثي أعضاء الحزب الحاكم يرون في "الخضر" الذي كان حتى الأمس القريب حزباً صغيراً، أكبر تهديد لمستقبلهم ومستقبل تكتلهم السياسي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير