ملخص
في ظل هذا التشابك، تتضح دلالة أكثر خطورة، وهي أن تدفق السلاح إلى منطقة الساحل الأفريقي لم يعد استجابة لتهديد قائم فقط، بل أصبح عاملاً بنيوياً في إعادة إنتاج هذا التهديد.
هل تكون المنطقة أمام عسكرة شاملة للصراع؟
أثارت دراسة أعدها معهد استوكهولم، تحدث فيها عن زيادة غير مسبوقة في واردات الأسلحة في منطقة الساحل الأفريقي، جدلاً كبيراً إذ كشف عن زيادة في الإقبال على السلاح الذي تستخدمه الأنظمة والجماعات المسلحة في نزاعاتهما.
وذكرت الدراسة، التي تأتي في وقت تتصاعد حدة التوترات السياسية والاجتماعية في الساحل الأفريقي، أن واردات السلاح تضاعفت بنحو 82 في المئة، ما أثار جدلاً واسعاً في ظل سعي السلطات الانتقالية في المنطقة إلى احتواء الأزمات الأمنية.
تفاقم الأزمات
وشهدت دول الساحل الأفريقي انقلابات عسكرية أدت إلى صعود قادة جدد مناهضين للقوى الغربية، واستعان هؤلاء بقوات روسية من أجل مواجهة التهديدات الأمنية.
وعد الباحث السياسي النيجري، محمد أوال، أن الأسلحة التي تتدفق على الساحل الأفريقي، سواء في إطار صفقات معلنة أو من السوق السوداء، لن تسهم سوى في تفاقم الأزمات التي تعرفها المنطقة.
وتابع أوال في حديث خاص أن "في شمال أفريقيا تسعى دول مثل الجزائر والمغرب إلى اقتناء معدات عسكرية بهدف إظهار التفوق الجيوسياسي. لكن في الساحل الأفريقي الأمر مختلف، فدولها تكافح لاستعادة الأمن لكن شراء الأسلحة من دون استراتيجيات واضحة لا يحل المشكلة".
وقال إن "العكس هو الذي يحدث، فمعظم هذه الأسلحة تسقط بيد الجماعات المسلحة ما يزيد من التهديدات الأمنية بدل الحد منها. وما يزيد الطين بلة أن دولاً مثل النيجر ومالي بعد أن طردت القوات الفرنسية عانت من فراغ استخباراتي غير مألوف، ولم تستطيع روسيا بعد ملؤه".
صراع مفتوح
ويأتي الإقبال المتزايد على اقتناء السلاح في منطقة الساحل الأفريقي في وقتٍ تتراجع مبيعات الأسلحة إلى عموم أفريقيا، بحسب ما ذكرت مجلة "منبر الدفاع الأفريقي" التي تصدر عن القيادة الأميركية في القارة (أفريكوم)، على رغم الحرائق التي تشهدها العديد من الدول مثل السودان والكونغو الديمقراطية.
ويرى الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، وليد عتلم، أن "التقرير الصادر عن معهد استوكهولم هو مؤشر على تحول بنيوي عميق في طبيعة الصراع داخل منطقة الساحل وغرب أفريقيا، فنحن أمام انتقال من أزمة أمنية مزمنة إلى بيئة صراع مفتوح متعدد المستويات تغذيه الديناميات الدولية والإقليمية معاً"، ويقول "إننا أمام عسكرة شاملة للصراع وليس مجرد عمليات أمنية متفرقة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأوضح عتلم أن "هذا التقرير يشير أيضاً إلى تحول نوعي في بنية النظام الأمني الإقليمي، خصوصاً إذا ما وضع في سياقه الأوسع الذي يشير إلى أن القارة الأفريقية على رغم انخفاض إجمالي وارداتها العسكرية على المستوى القاري، تشهد في المقابل تمركزاً تصاعدياً للتسليح في بؤر الصراع الأكثر هشاشة، وعلى رأسها الساحل وغرب أفريقيا".
وأشار إلى أن "هذا التناقض الظاهري يعكس انتقال مركز الثقل الأمني من دول شمال أفريقيا المستقرة نسبياً إلى دول الساحل الهشة، وهو ما يعني عملياً أن السلاح لم يعد موزعاً وفق اعتبارات وتوازنات تقليدية بين الدول، بل وفق خرائط الفوضى حيث تتقاطع الهشاشة المؤسسية مع التهديدات العابرة للحدود. هذه النقطة بالذات تمثل أحد أخطر التحولات، لأن تدفق السلاح هنا لا يرتبط بسباق تسلح كلاسيكي بين جيوش نظامية، بل بتفاعل معقد بين دول ضعيفة وفاعلين غير دوليين، ما يخلق بيئة أمنية غير قابلة للضبط".
روسيا والصين على الخط
وتثير هذه الأرقام تساؤلات حول الدول التي تزود منطقة الساحل الأفريقي بالسلاح، خصوصاً أن دولاً مثل تركيا وروسيا قدمت نفسها في الأعوام الماضية كبديل أمني عن فرنسا وبقية القوى الغربية.
وذكر عتلم أن "الأبعاد الجيوسياسية لهذه الظاهرة أكثر عمقاً من بعدها الأمني المباشر، إذ تشير البيانات إلى أن روسيا والصين أصبحتا من أبرز موردي السلاح لأفريقيا، بحصة مجتمعة تقارب 39 في المئة، مع تراجع نسبي للدور الغربي. وهذا التحول لا يعكس مجرد تغيير في الموردين، بل يعبر عن إعادة تشكيل منظومة التحالفات، إذ لم يعد السلاح مجرد أداة دفاعية، بل أصبح أداة لإعادة بناء شبكات النفوذ. ففي الحالة الروسية تحديداً، يتكامل تصدير السلاح مع أنماط تدخل غير تقليدية عبر شركات عسكرية خاصة، بما يعزز نمط الأمن مقابل الولاء السياسي. وهو نموذج يختلف جذرياً عن النموذج الغربي القائم نظرياً على مشروطية الحوكمة وحقوق الإنسان".
واستدرك بالقول "لكن المفارقة هنا أن هذا التحول يحدث في لحظة يشهد فيها النظام الدولي نفسه تصاعداً غير مسبوق في الطلب على السلاح، إذ بلغت عائدات أكبر شركات السلاح عالمياً مستويات قياسية تجاوزت مئات المليارات نتيجة الحروب الكبرى والتوترات الدولية. وهو ما يعني أن ما يحدث في الساحل ليس ظاهرة معزولة، بل جزء من موجة عسكرة عالمية تدفع الأطراف الدولية إلى البحث عن أسواق جديدة، وغالباً ما تكون هذه الأسواق هي المناطق الأضعف مؤسسياً والأكثر هشاشة".
واستنتج عتلم أن "لذلك، وفي ظل هذا التشابك، تتضح دلالة أكثر خطورة، وهي أن تدفق السلاح إلى منطقة الساحل الأفريقي لم يعد استجابة لتهديد قائم فقط، بل أصبح عاملاً بنيوياً في إعادة إنتاج هذا التهديد. فالدول التي تعاني من ضعف السيطرة على أراضيها وحدودها، لا تمتلك القدرة المؤسسية لاستيعاب هذا الحجم من التسليح، ما يؤدي إلى تسربه تدريجاً إلى الفاعلين غير الدوليين. وهنا تتحول العلاقة من دولة تحارب الإرهاب بالسلاح، إلى سلاح يعيد إنتاج بيئة الإرهاب في دائرة مغلقة يصعب كسرها".