ملخص
على رغم مزاياها، لا تخلو هذه المسيرات من التحديات وأهمها خطر التشابك، إذ قد تعلق الكابلات الطويلة بالنباتات أو الأسوار أو المباني، ويتعين على المشغلين التحليق بزوايا محددة أو على طول مسارات ممهدة مسبقاً لتجنب احتكاك الكابل.
ضجت وسائل الإعلام في الأيام الماضية بخبر استخدام "حزب الله" في جنوب لبنان سلاحاً جديداً في ساحة المعركة، ألا وهو طائرات مسيرة هجومية تعمل بتقنية "الرؤية من منظور الشخص الأول" FPV وموجهة بواسطة كابلات ألياف ضوئية. وبعيد استخدامها، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه أصدر تعليمات فورية لإطلاق مشروع خاص يهدف إلى القضاء على تهديد هذه المسيرات التي توصف بأنها "شبحية"، وتمتلك بصمة تشغيلية منخفضة للغاية، مما يجعل رصدها أو اعتراضها بواسطة أنظمة الدفاع التقليدية مهمة شديدة الصعوبة.
والحال أن ما حملته الساحة اللبنانية من تطورات عسكرية في الأيام الأخيرة يجعل من الأهمية بمكان الإضاءة على كيفية عمل هذه المسيرات؟ ومتى ظهرت للمرة الأولى؟ ولماذا بدأت تلجأ الجيوش لاستخدامها؟
كيف تعمل؟
الطائرات المسيرة بالألياف الضوئية هي مسيرات من نوع "الرؤية من منظور الشخص الأول"، تكون متصلة عادة بمشغلها عبر كابل ألياف ضوئية فائق الرقة بدلاً من وصلة لا سلكية. تحمل هذه الكابلات، التي غالباً ما تصل لمسافة 20 كيلومتراً أو أكثر، بيانات عالية السرعة تتحكم في الطائرة المسيرة وتنقل الفيديو إلى المشغل، ولأن الإشارة مادية وليست لا سلكية، تصبح المسيرة محصنة فعلياً ضد أدوات الحرب الإلكترونية كالتشويش والخداع الإلكتروني.
إذاً على عكس الطائرات المسيرة التقليدية التي تعتمد على الترددات الراديوية أو إشارات الأقمار الاصطناعية، تربط هذه المسيرات مباشرة بمحطة تحكم المشغل عبر كابل من الألياف الضوئية، ولعدم وجود إشارة لا سلكية يمكن اعتراضها، تصبح هذه المسيرات محصنة ضد أنظمة التشويش الإلكتروني المتطورة، إضافة إلى ذلك تصنع هذه الطائرات من الألياف الزجاجية خفيفة الوزن، مما يعني أنها لا تصدر أي بصمة حرارية أو رادارية تقريباً.
هياكل خفيفة الوزن
ووفقاً للمواصفات المتاحة للعموم، تبنى معظم الطائرات المسيرة بالألياف الضوئية على هياكل خفيفة الوزن، ويمكنها حمل المتفجرات أو العمل كأصول استطلاع. وتتيح الألياف الضوئية نقل فيديو عالي الدقة بالكامل في الوقت الفعلي حتى في البيئات المتنازع عليها أو ذات الكثافة العالية للترددات اللاسلكية. وتشير التقارير إلى أن بعض الطرز تستخدم بكرات متخصصة تقوم بنشر الكابل أو سحبه أثناء الطيران لتقليل مقاومة الهواء والأثر البيئي.
وتمكنت هذه المسيرات أخيراً في جنوب لبنان من تجاوز نظام الحماية النشطة "تروفي" المثبت على دبابات "ميركافا" الإسرائيلية، والمصمم لكشف واعتراض المقذوفات القادمة. وبمساعدة كاميرات بصرية عالية الدقة تنقل فيديو غير مضغوط عبر الكابل، يستطيع مشغلو "حزب الله" توجيه المسيرة يدوياً إلى نقاط ضعف محددة، مثل برج الدبابة أو جنازيرها.
متى ظهرت؟
ظهرت هذه المسيرات على نطاق واسع للمرة الأولى في أغسطس (آب) 2024 رداً على التوغل الأوكراني المفاجئ عبر الحدود إلى منطقة كورسك الروسية. وكانت الأراضي التي تسيطر عليها أوكرانيا في كورسك تعتمد على طريق لوجيستي واحد يمتد من مدينة سومي الأوكرانية إلى بلدة سودجا الروسية، وشكل هذا الممر الحرج حينها أرضاً خصبة لاختبار سلاح روسي جديد، وهو مسيرة موجهة بكابلات الألياف الضوئية تحمل حمولة متفجرة تزن تقريباً 1.5 كيلوغرام.
كان لهذه المسيرة أثر بالغ في كورسك، فعلى مدى سبعة أشهر من القتال، أسهمت في جعل الوجود الأوكراني في منطقة كورسك غير قابل للاستمرار، وفي نهاية المطاف، انسحبت القوات الأوكرانية إلى الجانب الآخر من الحدود في مارس (آذار) عام 2025. ومن اللافت للنظر أن هجمات المسيرة الروسية المزودة بألياف ضوئية أسهمت في نسبة خسائر غير مسبوقة في المركبات الأوكرانية، وشملت الخسائر معدات عالية القيمة مثل دبابات "أبرامز" ومركبات "برادلي" القتالية للمشاة، وهي أنظمة لم تكن أوكرانيا تمتلك منها كميات كافية.
بعد معركة كورسك، بدأت أوكرانيا بتصنيع المسيرات المزودة بألياف ضوئية لتنتشر بذلك في مناطق أخرى من الجبهات، وتتحول من قدرة متخصصة إلى سلاح أساس. وقد توسع استخدامها منذ ذلك الحين إلى حد أن مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والغابات الأوكرانية أصبحت مليئة بها.
وبحلول منتصف عام 2025، لم يعد استخدام الطائرات المسيرة المزودة بألياف ضوئية حكراً على أوكرانيا وروسيا، إذ سعت أوكرانيا إلى تطوير هذه التقنية وتكييفها، وشهد الإنتاج المحلي طفرة بفضل بيئة الشركات الناشئة المبتكرة في مجال تكنولوجيا الدفاع. وفي غضون أشهر، تمت الموافقة على استخدام أكثر من 80 نظاماً أوكرانياً للألياف الضوئية، بينما ازداد عدد الشركات الأوكرانية العاملة في إنتاج أو دمج هذا النوع من المسيرات بصورة سريعة.
لماذا تتجه الجيوش إلى المسيرات الموجهة عبر الألياف الضوئية؟
لا تزال هذه المسيرات غير معتمدة على نطاق واسع، لكن من المرجح أن تتسابق الجيوش لامتلاكها، إذ تقضي المسيرات المزودة بألياف ضوئية على مشكلة التعرض للتشويش، وتوفر حماية كاملة من الحرب الإلكترونية، مما يجعلها ذات قيمة خاصة في البيئات التي يكون فيها التشويش على الإشارات مستمراً ومتعمداً.
تغذية مستقرة
ويوفر كابل الألياف الضوئية تغذية مستقرة وغير منقطعة، مما يحسن الدقة في كل من مهام الاستطلاع والضربات، وهذا مفيد بصورة خاصة في المناطق الوعرة أو الحرجية، إذ يمكن أن تتدهور إشارات نظام تحديد المواقع العالمي GPS ونقل الفيديو بسرعة. وقد أفادت القوات الأوكرانية بأن مسيرة "شتورم" الموجهة بواسطة كابلات ألياف ضوئية، تميزت بجودة فيديو وتحكم شبه مثالية، حتى في المناطق الحرجية أو الأحياء الحضرية المكتظة.
ونظراً إلى عدم بثها أي إشارات لا سلكية، يصعب على الخصوم رصد أو تتبع الطائرات المسيرة المزودة بألياف ضوئية، ويمكن أن تشكل هذه الميزة الخفية ميزة تكتيكية، لا سيما بالنسبة إلى المسيرات الانقضاضية التي يجب أن تصل إلى أهدافها من دون أن يتم رصدها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هل من وسيلة فعالة لمواجهتها؟
حالياً لا تمتلك معظم جيوش العالم تدابير مضادة شاملة وواضحة للتعامل مع هذا التهديد، فمثلاً أقر مسؤولون عسكريون إسرائيليون أخيراً بأن الجيش الإسرائيلي لا يزال يفتقر إلى وسيلة فعالة لمواجهة المسيرات الموجهة بالألياف الضوئية، وتستخدم قواته حالياً في جنوب لبنان حلولاً مرتجلة متنوعة، كشباك الصيد، وشباك التمويه، وحتى شباك كرة القدم، إلى جانب تدريبات تتضمن إطلاق النار من الأسلحة الخفيفة على الطائرات المسيرة.
وما نتحدث عنه هنا يتماشى تماماً مع ما شهدناه في حرب أوكرانيا، إذ أصبحت هذه الشباك شائعة نسبياً ويستخدمها كلا الجانبين فوق المركبات والمباني وعلى امتداد كيلومترات من الطرق لتوفير ممرات أكثر أماناً.
وكانت قد أعلنت وحدة عسكرية أوكرانية العام الماضي أنها طورت طريقة لمواجهة مسيرات الألياف الضوئية باستخدام رادارات متنقلة لتوفير إنذار مبكر على بعد كيلومترات عدة. وبحسب المعلومات من المرجح أن يكون هذا النظام راداراً يعمل بالموجات الدقيقة تم تحسين طوله الموجي القصير ليتناسب مع الطائرات المسيرة الصغيرة وبطيئة الحركة نسبياً. مع ذلك ما زال يعيبه مداه المحدود جداً، والذي لا يتجاوز بضعة كيلومترات. لذا، تعد هذه المستشعرات مثالية لكشف وتتبع هذا النوع من الطائرات المسيرة، لكنها لا توفر إنذاراً مبكراً كافياً، كما يمكن للمسيرات أن تدخل وتخرج من نطاق كشفها بسرعة.
عيوبها
على رغم مزاياها، لا تخلو هذه المسيرات من التحديات وأهمها خطر التشابك، إذ قد تعلق الكابلات الطويلة بالنباتات أو الأسوار أو المباني. ويتعين على المشغلين التحليق بزوايا محددة أو على طول مسارات ممهدة مسبقاً لتجنب احتكاك الكابل.
التحدي الآخر يكمن بانخفاض القدرة على المناورة، حيث ترتبط المسيرة بموقع المشغل. وعلى عكس المسيرات التقليدية التي يمكنها الاختباء أو الانعطاف الحاد حول العوائق، تعمل المسيرات المزودة بوصلات الألياف الضوئية ضمن نطاق محدود، فيما يحد طول الكابل ووزنه من مدى وسرعة طيران المسيرة، إضافة إلى كمية المتفجرات أو المعدات التي يمكنها حملها.