ملخص
تعد إسرائيل من أبرز الدول التي تعتمد على المسيرات بصورة كبيرة في عملياتها العسكرية، بدءاً من استخدامها لجمع المعلومات الاستخباراتية والمراقبة والاستطلاع، وصولاً إلى الاعتماد عليها لقصف أهداف معينة، وتنفيذ عمليات اغتيال دقيقة.
على رغم الرقابة العسكرية الإسرائيلية المشددة التي تفرض قيوداً صارمة جداً على نشر أي معلومات تتعلق بعدد الصواريخ الإيرانية ومواقع سقوطها وحجم الأضرار، فإن الانفجار الذي وقع في منطقة "بيتح تيكفا" شرق تل أبيب وسط إسرائيل قبل أيام جراء انفجار رأس حربي لصاروخ إيراني، كان أكبر وأعمق من أن يجري إخفاؤه، فبعدما أعلنت جهات أمنية إسرائيلية سقوط الصاروخ في "منطقة مفتوحة"، تبين لاحقاً أنه طاول مصنع شركة "إيرسول للحلول الجوية" الذي ينتج طائرات مسيرة لأغراض عسكرية بشكل جسيم. وتعد إسرائيل من أبرز الدول التي تعتمد على المسيرات بصورة كبيرة في عملياتها العسكرية، بدءاً من استخدامها لجمع المعلومات الاستخباراتية والمراقبة والاستطلاع، وصولاً إلى الاعتماد عليها لقصف أهداف معينة، وتنفيذ عمليات اغتيال دقيقة. كيف لا وقد استطاعت على مدى العقود الماضية أن تحجز لنفسها مكاناً متقدماً في ركب الدول المصنعة للأسلحة والتقنيات العسكرية - الأمنية الحديثة والمتطورة في هذا المجال، حتى أصبحت من أكبر منتجي ومصدري الطائرات المسيرة في العالم.
ووفقاً لمعطيات "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام" (SIPRI) لعام 2025، ارتفعت مكانة إسرائيل وحصتها في سوق السلاح العالمية، إذ احتلت المرتبة السابعة بين مصدري السلاح عالمياً، مقارنة بالمرتبة العاشرة في الأعوام السابقة، كذلك ارتفعت حصتها من 3.1 في المئة في الفترة ما بين أعوام 2016 و2020 إلى 4.4 في المئة في الفترة ما بين 2021 و2025. واستناداً إلى التقارير المالية لشركات الصناعات العسكرية، فقد بلغ حجم صادرات الأسلحة الإسرائيلية منذ توقف حرب غزة العام الماضي نحو 15 مليار دولار.
مهام متعددة
بحسب صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية، لم يكن مصنع "إيرسول" قبل الانفجار معروفاً بأنه منشأة عسكرية، على رغم أن زبائنه من وزارة الأمن الإسرائيلية وشركة الصناعات الجوية الإسرائيلية وشركتي "إلبيت" و"رافائيل" للصناعات العسكرية، فمنظومة التصنيع المتقدمة للطائرات المسيرة التي تمتلكها إسرائيل، موزعة وفق معطيات إسرائيلية على 30 شركة، تنتج 93 طرازاً مختلفاً من الطائرات المسيرة، وهو ما يؤكد، وفق محللين، ازدهاراً منقطع النظير في قطاع الطائرات المسيرة الإسرائيلية، ليس فقط كسلاح تكتيكي إضافي كما بدأته أول مرة في ثمانينيات القرن الماضي مع طائرة IAI Scout، التي جرى استخدامها للمراقبة أثناء العمليات العسكرية الإسرائيلية بلبنان عام 1982، بل باتت العمود الفقري للعمليات العسكرية بمختلف أنواعها. وما بين عشرات الطائرات المتعددة الدوارات المخصصة للاستطلاع والتتبع التكتيكي والاستهداف، والثابتة الجناح المعدة لأداء المهام الطويلة للاستطلاع والهجوم، والهجينة التي تجمع بين كفاءة الطيران الأفقي ومرونة الإقلاع العمودي، والانتحارية المبرمجة على رصد الأهداف وتدميرها بدقة، تتربع كل من "هيرمس 450" و"هيرمس 900" و"إيتان" و"غولف ستريم 550 ج" و"هيرون" و"أوروبيتر" و"سباي لايت" و"سكاي سترايكر" الانتحارية و"هاربي" الانتحارية على قائمة أكثر الطائرات المسيرة الإسرائيلية مبيعاً حول العالم، التي يجري تطويرها باستمرار، فهي لا تقتصر على كونها محملة بالذخائر الموجهة والقدرة على التحليق المتواصل، بل لدمجها مع أنظمة حديثة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وحسب ما جاء في مؤتمر "يوفيد 2024" فإن عدداً من الشركات الإسرائيلية الشهيرة عرضت سيناريوهات قتالية حقيقية لطائراتها المسيرة في مناطق فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة كنوع من التسويق.
الأكثر مبيعاً
وتضم المسيرات القادرة على التحليق بارتفاع نحو 40 ألف قدم وأكثر، طائرات "هيرون تي بي" و"هيرون 2 " المعروفة باسم "إيتان"، وإلى جانب قدرتها على الطيران في جميع الأحوال الجوية والتحليق لمدة تزيد على 30 ساعة متواصلة بسرعة تصل إلى 407 كيلومترات بالساعة بحمولة تزيد على 2700 كيلوغرام، تمتلك "إيتان" كاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء ورادارات إلكترونية ومحددات أهداف تعمل بالذكاء الاصطناعي، وهي مهيأة لحمل صواريخ "رافائيل سبايك" الإسرائيلية المضادة للدبابات أو أسلحة أخرى. في حين تعمل الطائرات التكتيكية المصممة للطيران فترات طويلة مثل هيرون 1 (شوفال) و"هيرمس 450" و"هيرمس 900" على ارتفاع أقصى لا يبلغ أكثر من 20 ألف قدم وهو ما جعلها من الطائرات المسيرة الإسرائيلية الأكثر تصديراً. وعلى غرار "هيرون 1" التي تعمل فقط في التجسس والاستطلاع ومتابعة الاتصالات، تحمل "هيرمس 450" ذات الارتفاع المتوسط أربعة صواريخ موجهة مضادة للدبابات إلى جانب كاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء ومحدد ليزر، وراداراً يرصد إشارات الهدف المتحرك. ولأنها أسقطت أكثر من مرة على يد القوات الروسية و"حزب الله" بعد دخولها الأجواء اللبنانية في 2023 و2024، طورت إسرائيل "هيرمس 450" لـ"هيرمس 900" ودخلت الخدمة عام 2015 كطائرة مخصصة للارتفاعات المتوسطة وطويلة التحمل المزودة بأسلحة وصواريخ مضادة للدبابات. وبحسب ما ذكرته وزارة الدفاع الإسرائيلية، فإن الطائرات من دون طيار، مثل المسيرة "سكايلارك 1" التي يبلغ أقصى ارتفاع لها 5 آلاف قدم، تستخدم في المقام الأول للاستطلاع، بعدما أدخلت النماذج الأولية منها الخدمة عام 2008 ويجري إطلاقها باليد من القوات البرية للجيش الإسرائيلي لأنها تستخدم على ارتفاعات منخفضة.
ووفقاً لما نشره موقع "نيو أميركا" المتخصص في شؤون الدفاع، فإن 38 دولة لديها برامج للتسلح بالمسيرات، بينها 11 دولة استخدمت بالفعل الطائرات المسيرة في النزاعات العسكرية. وجاء على لسان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن إسرائيل تستخدم في مناطق القتال، التي يطلق منها كثير من الصواريخ، نظام أسراب المسيرات (تطير بنفسها ويتحكم بها الذكاء الاصطناعي ويمكنها تغطية منطقة واسعة وتستمر في العمل حتى لو فقدت بعضاً منها)، مؤكداً أن المسيرات الإسرائيلية التي استخدمت بمفهوم "الأسراب" وتسمى "ثور"، يتحكم بها جميعها مشغل واحد فحسب، إلى جانبه قائد لاتخاذ القرارات، وهي من إنتاج شركة "إلبيت" الإسرائيلية للصناعات الدفاعية. وأشار المتحدث إلى أن المسيرة التي لا يتجاوز وزنها 9 كيلوغرامات وتعمل بواسطة أربع مراوح، لا يصدر عنها أي ضجيج، وتعمل بجوار مسيرات أخرى قادرة على القصف.
تهديدات خارجية
على رغم حال التباهي الإسرائيلية بصناعاتها وتقنياتها العسكرية - الأمنية، والمثبتة بـ"إنجازات عسكرية خلال الحرب"، تبرز كثير من المعضلات التي قد تنغص فرحة إسرائيل بالقفزة النوعية في هذا المجال بصورة استثنائية، فبعدما أعلنت تل أبيب جاهزية نظام دفاع جوي ليزري عالي الطاقة يعرف باسم "آيرون بيم"، لمواجهة التهديدات الناشئة عن الطائرات المسيرة الصغيرة والطائرات من دون طيار، وحقق اعتراضات ناجحة خلال العملية التي أطلقت عليها إسرائيل اسم "سهام الشمال" عام 2024، تمكنت عشرات الطائرات المسيرة التابعة لـ"حزب الله" من اختراق الحدود والوصول إلى مناطق مأهولة. وعلى رغم أن النظام يعتمد على شعاع ليزري بقدرة 100 كيلوواط ويركز على الهدف لثوان عدة حتى يتسبب بفشل هيكلي ويسقطه، فإن "آيرون بيم" لا يقوى على التعامل مع الصواريخ الباليستية السريعة، وتحديات الهندسة الحرارية بسبب فقدان جزء كبير من الطاقة على شكل حرارة، كذلك أنه يهاجم هدفاً واحداً في كل مرة، مما يجعله أقل فاعلية في مواجهة أسراب الطائرات المسيرة، ويتطلب تنسيق عدة أنظمة لتحقيق الحماية الكاملة. ووفقاً لتقديرات الجيش الإسرائيلي التي نشرت الأحد، فإن "حزب الله" في لبنان قادر على الحفاظ على وتيرة إطلاق يومية تشمل 200 قذيفة ومسيرة لمدة تصل إلى خمسة أشهر إضافية. وأشار إلى أنه "على رغم الضربات الشديدة التي تلقاها الحزب، فإن قدراته العملياتية لا تزال مقلقة للجيش". ونقلت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن مصادر عسكرية في الجيش، لم تسمها، قولها إن "نسب نجاح عمليات اعتراض الطائرات المسيرة التي يطلقها ’حزب الله‘ من لبنان متدنية جداً وهناك صعوبة كبيرة في اعتراضها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نشاط مقلق
عامل آخر يدعو إلى القلق لدى منظومة الأمن الإسرائيلية، هو أن إيران تعتبر الدولة الأكثر نشاطاً في مجال الطائرات المسيرة والطائرات الصغيرة. وعلى رغم نجاح الدفاعات الجوية المختلفة في اعتراض كثير منها، فإن بعض المسيرات تتمكن من اختراق هذه الأنظمة، إذ تعتبر مسيرات "شاهد" الإيرانية الانتحارية، منخفضة الكلفة التي يمكن تصنيعها باستخدام مكونات تجارية بسيطة، السلاح الأكثر تأثيراً الذي تستخدمه إيران لإبقاء مضيق هرمز مغلقاً أو في الأقل تحت سيطرتها في الحرب الدائرة. وقد يكون استخدامها فعالاً وخطراً، بخاصة ضد السفن الحربية وناقلات النفط. وعلى رغم انخفاض عدد المسيرات التي تطلقها طهران يومياً من 400 في البداية إلى ما بين 70 و90 مسيرة حالياً، فإن القدرة على الاستمرار في الهجمات والتصنيع تمثل تحدياً كبيراً للدول المستهدفة بما في ذلك إسرائيل، وفقاً لما ذكرته صحيفة "نيويورك تايمز"، ويرى المحلل الاستراتيجي سيث جي فرانتزمان أن الطائرات المسيرة تأتي على رأس قائمة التهديدات التي تواجهها إسرائيل في ظل صراعها مع إيران.
ومع تنامي خطورة هذا التهديد واتساع رقعة ووتيرة استخدام المسيرات، اعتبر المحلل السياسي عصمت منصور أن الطائرات الصغيرة والمسيرة (على مختلف أنواعها وأحجامها) باتت إحدى الأدوات التي ستؤدي دوراً مهماً في أي مواجهة قادمة.