ملخص
ثلاثة نصوص للفيلسوف جاك دريدا كانت صدرت في كتب مستقلة خلال أعوام سابقة، جمعت دار "سوي" الفرنسية في مجلد واحد وأصدرتها في طبعة جديدة (2026). أما عناوين الكتب فهي: "قوة القانون"، "أوغاد" و"هالكون". تتيح هذه النصوص – الكتب، للمهتمين بفكر فيلسوف التفكيكية، إعادة قراءة فكره السياسي في ضوء الأزمات التي تعيشها الديمقراطيات المعاصرة والقيم المؤسسة لها.
"قوة القانون" هو كتاب للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، صدر عام 1994 ويعد من أهم أعماله في التفكيك السياسي والقانوني. فيه يتناول العلاقة المعقدة بين القانون والعدالة، وبين شرعية السلطة والعنف الذي يؤسسها ويحفظها. ويؤكد أن القانون، مهما بلغ من التطور، لا يستطيع أن يستنفد معنى العدل الذي يظل أفقاً يتجاوز كل نظام قانوني، وإن كان العدل لا يتحقق عملياً إلا من خلال القانون ومؤسسات الدولة. فالقانون، كما يثبت دريدا مستلهماً كانط، لا ينفصل عن سلطة تكفل تنفيذه، إذ لا وجود لقانون بلا قوة تفرض احترامه، وهذا ما يجعل مفهومي القوة والعنف متداخلين في الأساس الذي تقوم عليه السلطة القانونية.
أما عنوان "أوغاد"، فيحيلنا إلى نص المقالتين اللتين وضعهما دريدا عام 2002، وتطرق فيهما إلى تغير معنى مصطلح "الأوغاد" بحسب استعماله في مختلف السياقات السياسية، لا سيما مع تعاقب الإدارات الأميركية وتبدل سياساتها. والعنوان الأخير "هالكون" يحيلنا بدوره إلى المحاضرة التي ألقاها الفيلسوف في فرانكفورت عام 2001، بمناسبة تسلمه جائزة تيودور أدورنو، والتي استكشف فيها علاقة الإنسان باللغة والحلم والمسؤولية الأخلاقية، لا سيما بعد اعتداءات الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001.
وها هي منشورات "سوي" تجمع هذه النصوص في مجلد واحد وتصدرها في طبعة جديدة (2026)، متيحة للمهتمين بفكر فيلسوف التفكيكية إعادة قراءة فكره السياسي في ضوء الأزمات التي تعيشها الديمقراطيات المعاصرة والقيم المؤسسة لها. وقد جاءت هذه الطبعة مرفقة بدراسة تمهيدية لماري غوبي حملت عنوان "دريدا، إلحاح العدالة"، وضعت النصوص في سياق الأسئلة الراهنة المتعلقة بالقانون والسيادة والعنف ومصير تراث عصر الأنوار.
إذ يعود النص المركزي في هذا الكتاب كما أشرت أعلاه، إلى محاضرة شهيرة ألقاها دريدا في مرحلة تاريخية مفصلية اتسمت بسقوط جدار برلين، وانهيار النظام العالمي القديم، وبروز صور جديدة من العولمة والصراعات الدولية، وساءل فيها الفيلسوف العلاقة الإشكالية بين القانون والعدالة، كاشفاً الفجوة التي تفصل بين النظام المؤسس للحق وبين العدل بوصفه أفقاً يتجاوز كل مؤسسة.
بين القانون والعدالة
تنطلق هذه المحاضرة من تمييز جوهري بين مفهومي القانون والعدالة. ولعلها تؤكد أنهما لا يشيران إلى المعنى نفسه ولا يمكن اختزال أحدهما في الآخر. فالقانون، باعتباره منظومة من القواعد والمؤسسات، لا يكتسب فاعليته إلا بارتكازه إلى سلطة تمتلك القدرة على فرضه وضمان احترامه. ومن هذا المنطلق يتحدث دريدا عن "القوة المؤسسة للشرائع" أو عن "الأساس السراني أو الخفي للسلطة"، مستعيداً مقولة باسكال ومونتاني الشهيرة التي تؤكد أن ما من شيء عادل في ذاته وأن كل شيء يضمحل مع الزمن، وأن العادة هي الأساس الوحيد والخفي للعدالة، وأن "العدل من دون القوة عاجز والقوة من دون العدل غاشمة" وأن السلطة القانونية لا تستند إلى أساس نهائي أو يقيني.
فالقرار القانوني لا ينبثق من تطبيق آلي لقاعدة سابقة، بل ينطوي دوماً على لحظة تأسيسية تتطلب الحسم والاختيار، وهي لحظة لا يمكن ردها بالكامل إلى معايير قانونية قائمة. وهنا تتجلى المفارقة الأساس وقوامها أن القانون نسبي ويحتاج إلى القوة لكي يصبح نافذاً، لكنه يظل عاجزاً عن أن يبرهن بصورة نهائية على عدالته أو أن يضمن تطابقه مع العدالة التي ليست، بنظر دريدا، مؤسسة يمكن امتلاكها أو تعريفها بصورة نهائية. لعلها "وعد مفتوح"، ونداء دائم يتطلب الاستجابة للآخر. ولأنها تتجاوز القانون دون أن تكون منفصلة عنه، فإنها ترتبط بما يسميه الفيلسوف "القابلية للاختلاف" و"القرار المستحيل". إذ إن كل قرار عادل يفترض المرور بلحظة من عدم اليقين، وأن تطبيق قاعدة عامة على حالة فردية يتطلب دوماً تفسيراً ومسؤولية.
لكن هذا التصور لا يعني رفض القانون أو إنكار إمكانية إقامة العدالة، على ما اتهم به دريدا. فالتفكيك لا يهدف إلى هدم المعايير، وإنما إلى الكشف عن التوترات الداخلية التي يقوم عليها. فهو لا يقول إن كل شيء نسبي أو أن لا وجود للحقيقة، بل يبين أن كل نظام يدعي الكمال يحمل في طياته عناصر التناقض. ذلك أن العدالة لا تغدو ممكنة إلا بالإقرار بأن القانون ليس كاملاً، وأنه يظل في حاجة دائمة إلى المراجعة والمساءلة.
ويأتي نص "أوغاد" ليواصل هذا التفكير في سياق سياسي مختلف، لا سيما بعد أحداث الـ11 من سبتمبر 2001 والحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة على الإرهاب.
مفارقات الديمقراطية الحديثة
في هذا النص، يهتم دريدا بمفهوم السيادة وبمفارقات الديمقراطية الحديثة، التي ينظر إليها لا كنظام مكتمل أو حقيقة منجزة، بل كـ"ديمقراطية آتية"، أي كمشروع مفتوح لا يتوقف عن مراجعة نفسه، منطلقاً من السؤال الآتي: كيف يمكن للديمقراطية أن تحمي نفسها دون أن تتحول إلى قوة تقضي على المبادئ التي تقوم عليها؟ فحين تستخدم الدولة مفهوم الأمن أو الدفاع عن الديمقراطية لتبرير إجراءات استثنائية، فإنها تخاطر بتدمير الأسس التي تمنحها مشروعيتها. وهنا تظهر مفارقة الديمقراطية التي تحتاج إلى حدود تحميها، لكنها تصبح مهددة عندما تتحول هذه الحدود إلى أدوات إقصاء وقمع.
ويهمني أن أشير ههنا إلى أن عنوان هذا النص يحمل دلالة ساخرة وعميقة. فكلمة "أوغاد" إنما تشير إلى أولئك الذين تصفهم السلطة بهذه التسمية لتبرير مواجهتهم، لكنها تكشف في الوقت عينه عن سؤال سياسي وأخلاقي: من يملك حق تحديد من هو "الوغد" أو "المارق" أو "الخارج عن القانون"؟ وهل يمكن أن تتحول هذه التسمية نفسها إلى أداة للهيمنة؟
يربط دريدا هذا السؤال تحديداً بالتحدي الذي تواجهه الديمقراطيات الحديثة في التعامل مع من هم خارج حدود جماعتها السياسية، أي الآخر المختلف.
أما نص "هالكون"، أي نص خطاب الشكر الذي ألقاه دريدا في فرانكفورت إثر حصوله على جائزة أدورنو، فيحمل طابعاً تأملياً يجمع بين الفلسفة والسياسة والذاكرة الأوروبية، لأنه يستعيد إرث تيودور أدورنو، لا سيما نقده للعقل الأداتي وللصور التي يمكن أن تقود إليها العقلانية الحديثة من هيمنة وعنف.
في سياق هذا النص، يتساءل دريدا عن مصير الفكر التنويري الذي نادى بتحكيم العقل، ورفض الاستبداد، ودعا إلى الحرية والمساواة والتسامح الديني، والذي أسهم في التمهيد للثورات الحديثة وإرساء أسس الديمقراطية. ففيلسوف التفكيكية لا يرفض العقل، ولا يدعو إلى تجاوز مشروع الحداثة، بل يحذر من لحظة تتحول فيها العقلانية إلى نظام مغلق يرفض الاختلاف، مشدداً على أن خطر تدمير الديمقراطيات لا يأتي من أعدائها الخارجيين فحسب، لعله ينشأ من داخلها عندما تفقد قدرتها على النقد الذاتي والانفتاح على الآخر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما التمهيد لهذه النصوص الذي وضعته ماري غوبي أستاذة الفلسفة في المعهد الكاثوليكي في باريس، والباحثة في مختبر الدراسات والبحوث في منطقيات الفلسفة المعاصرة في جامعة باريس الثامنة، فيكتسب أهمية خاصة لأنه يربط هذه النصوص بالحاضر. فغوبي ترى أن دريدا لم يكن فيلسوفاً سياسياً بالمعنى التقليدي للكلمة، لكنه كان مفكراً في السياسة في أعمق شروطها، لأنها تبدأ عنده من السؤال الأخلاقي وكيفية الاستجابة للآخر، وكيفية الحفاظ على إمكانية العدالة داخل عالم تحكمه علاقات القوة.
التفكيك رؤية فلسفية
تكمن أهمية هذا الكتاب في كشفه أن التفكيك ليس منهجاً لتحليل النصوص أو مقاربة لغوية فحسب، بل يمثل رؤية فلسفية للعالم تقوم على مساءلة كل بنية تدعي احتكار الحقيقة أو امتلاك اليقين المطلق، سواء تجلى ذلك في القانون أو الدولة أو العقلانية السياسية، مؤكداً أن العدالة لا تتحقق إلا بقدر ما نظل قادرين على إخضاع كل نظام للنقد باسم ما يتجاوزه ويكشف حدوده.
وتتجلى قيمة هذا الكتاب في راهنية الإشكاليات التي يثيرها، والتي لا تزال تحتفظ بقدرتها على إثارة الفكر على رغم مرور عقود على صدور النصوص التي تؤلف متنه. فهو يطرح أمامنا أسئلة لا تزال تشغل بال الفلسفة والسياسة المعاصرتين. لعل أبرزها كيفية حماية الديمقراطية للحيلولة دون تحولها إلى سلطة منغلقة على ذاتها، وكيفية صيانة القانون دون فقدان البوصلة التي توجهه نحو العدالة، وكيفية الحفاظ على الإرث النقدي لعصر الأنوار دون الوقوع في أوهام العقل المطلق.
وتكمن كذلك قوة دريدا في أنه لا يقدم أجوبة نهائية على كل هذه الأسئلة بقدر ما يعيد طرحها. فالعدالة، في تصوره، ليست امتلاكاً للحقيقة المطلقة، وإنما هي مسؤولية لا تنتهي تجاه ما لم يأت بعد، وتجاه الآخر الذي يدعونا باستمرار إلى إعادة النظر في ذواتنا وفي العالم الذي نعيش فيه.
وانطلاقاً من هذا التصور، تظل قراءة هذا الكتاب ضرورة فكرية، إذ أظهرت الأعوام المتعاقبة أن تحليلات الفيلسوف لم تفقد راهنيتها، وإنما ازدادت قدرة على إضاءة إشكالات الحاضر، وفي طليعتها سؤال التنوير، الذي لا يجوز التعامل معه بمنطق الإدانة أو الرفض، وإنما بوصفه مشروعاً يستدعي المراجعة النقدية دون التنكر لإرثه الفكري. ولئن كان دريدا لا يدعو إلى إدانة العقل ولا إلى تمجيده، فإنه يلفت الانتباه إلى ضرورة إبقاء المجال مفتوحاً أمام انبثاق الغيرية بما تحمله من مفاجأة وما تتسم به من استعصاء على التوقع والحساب. فذلك الآخر، أو "الآتي"، هو الشرط الذي يجعل الحدث ممكناً. ولولا هذا الانفتاح على ما يفد من خارج الأفق المألوف، لما كان ثمة ما يمكن أن يظهر أو يحدث.
هكذا يتحدد، في نهاية المطاف، مصير "الهالكين"، أولئك الذين يظلون عالقين بين الأمل واليأس، وبين الانفتاح على المستقبل والانغلاق دونه، في توتر دائم يختزل جوهر التجربة الإنسانية كما يتصورها دريدا.