Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كفر كلا... قرية لبنانية محتها الحرب وسكانها يحملونها في الذاكرة

القصف الإسرائيلي حولها رماداً ففارقتها الحياة لكن أبناءها يتمسكون بحق العودة

الدمار في قرية كفر كلا الحدودية جنوب لبنان (رويترز)

ملخص

دمرت مباني قرية كفر كلا الجنوبية بغالبيتها بفعل العمليات الإسرائيلية، مما أدى إلى تشريد أهلها وتحويلها إلى منطقة عازلة. وعلى رغم النزوح وفقدان البيوت والأرزاق، يتمسك الأهالي بروابطهم القروية وبالأمل في العودة وإعادة الإعمار.

في موقف سيارات مليء بالقمامة بالقرب من ساحل بيروت على البحر المتوسط، قام حسن يحيى بلصق لافتة من الورق المقوى على عمود ‌إشارة مرور بجانب خيمة صارت الآن بمثابة منزله، وكتب على اللافتة بخط رفيع "كفر كلا ترحب بكم".

تعيد اللافتة المهلهلة للأذهان صورة لوحة إرشادية كانت قائمة على بعد عشرات الأميال عند مدخل قرية كفر كلا العريقة التي يعود تاريخها لعقود، وكفر كلا واحدة من أكثر من 10 قرى على الحدود الجنوبية للبنان سوتها موجات القصف الإسرائيلي بالأرض تدريجاً على مدى فترة عامين ونصف عام.

والآن، ومع توغل القوات الإسرائيلية وتنفيذها لتفجيرات محكمة واستخدامها لجرافات، تمحى القرى فعلياً وتتحول مناطق كانت يوماً نابضة بالنشاط إلى مساحات قاحلة تبدو، وكأن الحياة قد ​فارقتها.

ومثله مثل عشرات الآلاف من سكان الجنوب، يقف يحيى عاجزاً، وهو يرى أراضي أجداده تتحول إلى "منطقة عازلة" تزيل إسرائيل كل ما عليها لتأمين حدودها.

في لبنان، تحظى القرى بمكانة ثقافية عميقة في نفوس أبنائها: فهي مراكز تنحدر منها عائلات من أنحاء البلاد والعالم تحافظ على جذورها من خلال الاستثمار في المنازل، وتكوين روابط مجتمعية على إيقاع حفلات الزفاف والأعياد وحصاد الزيتون.

ويكاد الجميع يعرفون قرى عائلاتهم، أو الضيعة، حتى لو كانوا غادروها قبل أجيال، وأدى الاختفاء المفاجئ لهذه المناطق السكنية إلى تشريد مئات الآلاف.

وقال يحيى (58 سنة) وهو يجلس على كرسي بلاستيكي في خيمته بينما كان مولد كهربائي يعمل خلفه، "مثل السمك، إذا خرج من المياه يموت. مستحيل أن نتركها، سنموت".

 

الحياة سابقاً

تقول القوات الإسرائيلية إن كفر كلا وغيرها من القرى المدمرة كانت ملاذات لميليشيات "حزب الله" التي تخوض مواجهات عسكرية معها، منذ الهجمات التي قادتها حركة "حماس" على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 ودخلت بعدها المنطقة في دوامة من الاضطرابات.

وقال الجيش الإسرائيلي لـ"رويترز" إنه صنف كفر كلا "قرية رئيسة لحزب الله"، وإنها كانت تضم "بنية تحتية إرهابية واسعة النطاق"، بعضها في المنازل والمدارس. وأضاف أن القوات الإسرائيلية ضبطت أسلحة تعادل حمولة 90 شاحنة هناك في عام 2024، وصادرت مزيداً منها هذا العام. وذكر أن الجيش عمل جاهداً لتقليص الأضرار على المدنيين، ولم تتمكن "رويترز" من التحقق بصورة مستقلة من صحة هذه التصريحات.

وأدت أحدث جولة من القتال إلى نزوح 1.2 مليون لبناني أي ما يقرب من خمس السكان، واندلعت في أوائل مارس (آذار) ‌الماضي عندما أطلق "حزب ‌الله" صواريخ باتجاه إسرائيل للتضامن مع حليفته إيران خلال تعرضها للهجمات الأميركية - الإسرائيلية.

ومن أجل تصور الحياة في إحدى قرى لبنان التي اختفت، تحدثت "رويترز" ​إلى ‌خمسة من سكان كفر ​كلا السابقين انتهى بهم الحال في دروب مختلفة في أنحاء البلاد، واستخدمت صور الأقمار الاصطناعية ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي والصور ومقاطع الفيديو التي شاركوها هم وغيرهم لمعرفة ما آل إليه حال السكان.

وتظهر بعض أقدم الإشارات إلى كفر كلا في رحلات المقدسي، أحد أبرز الجغرافيين العرب في القرن الـ10، وفي وقت لاحق في سجلات جامعي الضرائب العثمانيين وعمليات المسح في حقبة الاستعمار البريطاني.

وقبل اندلاع الحرب في عام 2023، كان يعيش هناك نحو 5500 شخص، وفقاً لرئيس بلدية كفر كلا حسن شيت. وكانت الزراعة النشاط الرئيس، وأتاح المناخ المميز زراعة محاصيل متنوعة من القمح والعنب إلى البطيخ والتبغ والطماطم والبقدونس والفول والزيتون.

وأضاف أن القرية كانت تشتهر بزيت الزيتون الذي تنتجه، الذي يباع على مستوى البلاد ويجذب مشترين من مناطق بعيدة مثل بيروت.

كانت الحياة اليومية مفعمة بالنشاط حول المخابز والمطاعم والمقاهي، إذ يلتقي السكان للعب الورق وتبادل الأحاديث والنكات. وفي حفلات الزفاف، كانت الاحتفالات تقام على مدى أسبوع. وفي يوم عاشوراء، يتجمع السكان وسط القرية لإحياء ذكرى مقتل الإمام الحسين حفيد النبي محمد، ويصعدون لأسطح المنازل لمشاهدة رجال يرتدون ملابس تعود لفترات زمنية سابقة، وهم يعيدون تمثيل معركة كربلاء، حيث قتل الحسين قبل 1300 عام.

 

"كل شيء تحول لرماد"

يروي شيت أن قرية كفر كلا شهدت ازدهاراً نسبياً خلال معظم العقدين اللذين سبقا هجمات السابع من أكتوبر، إذ فتحت مدارس وعيادات وارتفعت نسبة المتعلمين وتوسعت الآفاق بفضل الطرق المؤدية إلى مدينة النبطية وغيرها من المراكز القريبة، وكان المغتربون في أوروبا والخليج وأفريقيا يحولون ‌الأموال إلى عائلاتهم.

تمكن أبناء شقيق يحيى، الذين يعيشون في السويد، من بناء منزل بجوار "بوابة فاطمة"، وهو معبر حدودي تاريخي تحول لوجهة محلية مع انتشار ‌المطاعم بالقرب من بناء مشابه لقبة الصخرة في القدس وانتشار رسوم الغرافيتي على الجدار الذي بنته إسرائيل على طول الحدود. وبنى يحيى نفسه ​منزلاً من ثلاثة طوابق من الأسمنت والحجر في القرية، وأعد فرناً في الطابق السفلي لصنع المعجنات لأصدقائه.

وبعد ‌أيام من هجمات أكتوبر 2023، أطلق "حزب الله" حرب "إسناد" لحركة "حماس" وأطلق صواريخ باتجاه إسرائيل. وتعرضت بلدة المطلة الحدودية الإسرائيلية لضربات عنيفة، وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن مئات المنازل دمرت أو لحقت بها أضرار.

وردت إسرائيل بحملة جوية ‌وبرية شرسة تركزت بصورة كبيرة في الجنوب، وبحلول يناير (كانون الثاني) 2024، كانت كفر كلا شبه خالية، بحسب ما ذكره شيت.

وفي الأشهر التي تلت ذلك، قالت إسرائيل إنها دمرت عشرات المنشآت تحت الأرض ومئات الأسلحة التابعة لـ"حزب الله" عثرت عليها في القرية.

وندد مسؤولو "حزب الله" مراراً بعمليات هدم القرى ونفوا نشر بنية تحتية عسكرية في المناطق السكنية المدنية، ولم يرد مكتب الحزب الإعلامي بعد على طلب للتعليق على عمليات الهدم وبيان الجيش الإسرائيلي في شأن كفر كلا.

وقبل الحرب، لم يكن "حزب الله" يخفي خططه لغزو شمال إسرائيل، وسبق أن دعا صحافيين لمشاهدة مسلحيه وهم يحاكون مثل هذا الهجوم ووصف شبكة أنفاقه بأنها واسعة. ويمتد نفق واحد في الأقل من أربعة أنفاق اكتشفتها إسرائيل عام 2018، من كفر كلا تحت الحدود وصولاً إلى المطلة.

 

وبعد اندلاع الحرب ‌بفترة وجيزة، انتقل يحيى شمالاً من كفر كلا قبل أن يستقر به المطاف في بيروت. واستقر جاره وصديق طفولته خضر حمود قرب الحدود السورية. أما جميل فواز، وهو صاحب متجر بقالة، الذي دمر متجره ومنزله، فقد فر أولاً إلى بلدة حبوش الجنوبية ثم إلى مدرسة في مدينة صيدا الساحلية تؤوي مئات فقدوا منازلهم.

وقال فواز وهو يجلس بجوار جدار في المدرسة عليه عشرات اللافتات الورقية التي وضعها النازحون وتضم أسماء القرى التي دمرتها الحرب، بما في ذلك كفر كلا، "تحول كل شيء لرماد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ألم جديد

شجع وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بعض السكان على العودة، وقال شيت إنه في ذلك الوقت كان 85 في المئة تقريباً من المباني في كفر كلا تعرض للدمار. ومن تلك المباني منزل عائلة يحيى المشيد حديثاً، الذي اكتمل بناؤه قبيل الحرب مباشرة.

وأقام بعض السكان، بمن فيهم حمود، منازل جاهزة البناء قرب الأنقاض على أمل إعادة الإعمار. وفي فبراير (شباط) الماضي، زار رئيس الوزراء نواف سلام كفر كلا ووعد السكان بأن إعادة الإعمار ستبدأ قريباً.

لكن الحرب تجددت في غضون شهر، وفي هذه المرة نفذت القوات الإسرائيلية عمليات هدم بتفجيرات محكمة واستخدمت جرافات.

وفي مقطع فيديو تحققت منه "رويترز" ونشر للمرة الأولى على مواقع التواصل الاجتماعي في أواخر مارس (آذار) الماضي، تظهر جرافة وهي تتحرك على الأطراف الغربية للبلدة، ولم يتسن لـ"رويترز" التحقق من هوية قائد الجرافة.

وقال مسؤول عسكري إسرائيلي، طالباً عدم ذكر اسمه لمناقشة المسائل الأمنية، إن القوات الإسرائيلية دمرت أكثر من 90 في المئة من المنازل في كفر كلا بحلول أواخر أبريل (نيسان) الجاري.

ومع تضاؤل الأمل في العودة قريباً، يعتمد الآن كثير ممن كانوا يسكنون كفر كلا على اتصالات متقطعة للحفاظ على الأواصر العائلية، ويقول يحيى إنه في حالات الوفاة يكتفون بتقديم واجب العزاء عبر الهاتف. ويقول شيت إن الزيجات، إن تمت أصلاً، غالباً ما تتم من دون احتفالات.

وعلى رغم قول إسرائيل إن المنطقة العازلة موقتة، يخشى كثير من اللبنانيين أن تصبح دائمة. وضمت إسرائيل في 1981 هضبة الجولان التي احتلتها من سوريا في حرب 1967. أما الضفة الغربية، التي احتلتها إسرائيل من الأردن في الحرب نفسها، فيسكنها الآن مئات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين.

في أحد أيام هذا الشهر، قاد حمود سيارته السيدان المتهالكة من الجبال في الشمال إلى موقف سيارات في بيروت لزيارة يحيى. وسارا معاً يتذكران أيام شبابهما، وكان حمود متكئاً على عصا والدته الراحلة، وهي من الأشياء ​القليلة التي أنقذها من منزله.

وقال "لم يعد بمقدورنا تعويض هذه البيوت، لم يعد بمقدورنا تعويض هذه الأرزاق التي ​كانت لدينا. كل شيء قديم في الضيعة لدينا له معنى، له رمز. البيوت القديمة هي بيوت أهلنا، بيوت جدودنا، كل ذلك له رمز".

وأكد شيت هذا الكلام وهو جالس في منزل عمه في قرية تقع في الجبال الوسطى للبلاد، حيث لجأ. وقال "يوجد رابط روحي، ورابط نفسي، ورابط بجذورنا، رابط قوي للغاية. هذا أمر أساسي بالنسبة إلى كفر كلا، سيستغرق الأمر وقتاً بالتأكيد، لكن عندما نعود، سنعيد الإعمار". وتوقف للحظة ثم أردف، "هذا ليس كلاماً فقط، سنعود".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير