ملخص
المخاوف من تفجر الأوضاع مجدداً، أخر القرار بتنظيم الحج من الجانب الإيراني، مما دفع إلى تقليص حصة طهران إلى "الثلث"، فصار مجموع من تم تسجيلهم هذا العام 30672، من أصل نحو 90 ألفاً، شهدوا مناسك الحج العام الماضي 2025.
وقال رئيس لجنة الحج الإيرانية علي رضا رشيدان إن موسم الحج هذا العام يُعد "سفراً خاصاً" تطلّب تنسيقاً مكثفاً لإتمامه، موضحاً أنه أجرى "مفاوضات مباشرة مع وزارة الحج والعمرة في السعودية، إلى جانب مباحثات قام بها سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع الجانب السعودي لتأمين جميع المتطلبات".
لا يزال كثير من الآراء حول العالم تناقش فشل المفاوضات بين أميركا وإيران، إلا أن أحد الجوانب التي لا تحظى غالباً بما تستحق من اهتمام، هو أثر "الهدنة" القائمة حالياً وإن كانت هشة الإيجابي في حياة الشعب الإيراني، بما في ذلك الجانب الديني والاجتماعي.
يأتي الحج على رأس القائمة في هذا السياق، فهو ركن الإسلام الخامس، الذي يحظى باهتمام خاص لدى الشعب الإيراني، لاعتبارات ثقافية واجتماعية معقدة، تزيد عما يربط بقية المسلمين حول العالم بالفريضة ذات الرمزية البالغة، يشار إليها بأنها "رحلة العمر".
فبحسب المعلومات التي حصلت عليها "اندبندنت عربية" فإن الرحلة كلها كانت مهددة بالإلغاء نهائياً هذا العام، قبل أن تتسلل خيوط أمل إلى قوائم المنتظرين، مع إعلان الهدنة، التي توسطت فيها باكستان، وعلقت الحرب منذ الثامن من أبريل (نيسان) الجاري، بعدما استمرت لنحو 40 يوماً.
سفر استثنائي
لكن المخاوف من تفجر الأوضاع مجدداً، أخر القرار بتنظيم الحج من الجانب الإيراني، مما دفع إلى تقليص حصة طهران إلى "الثلث"، فصار مجموع من تم تسجيلهم هذا العام 30672، من أصل نحو 90 ألفاً، شهدوا مناسك الحج العام الماضي 2025.
وقال رئيس لجنة الحج الإيرانية علي رضا رشيدان إن موسم الحج هذا العام يُعد "سفراً خاصاً" تطلّب تنسيقاً مكثفاً لإتمامه، موضحاً وفقاً لوسائل إعلام إيرانية أنه "بعد صدور الإذن لإيفاد الحجاج، عملنا على ترتيبات إرسالهم براً وجواً، وأجرينا مفاوضات مباشرة مع وزارة الحج والعمرة في السعودية، إلى جانب مباحثات قام بها سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع الجانب السعودي لتأمين جميع المتطلبات"، وأضاف أن "الإجراءات اكتملت لإيفاد العدد المقرر ضمن 223 قافلة جوية تنطلق من مختلف مطارات إيران"، إلى جانب تجهيز 16 فندقاً في المدينة المنورة و24 في مكة المكرمة.
بداية التوافد
ولدى سؤال "اندبندنت عربية" السفير علي عنايتي في الرياض عن طبيعة المشاورات التي قادها مع الجانب السعودي، لم يشأ التعليق على تناقص العدد، إلا أنه أضاف "طلائع الحجاج الإيرانيين وصلت جواً إلى المملكة، إلا أن الذين وصلوا في المرحلة الأولى هم من الكوادر الإدارية، على أن تتوالى قوافل الحجاج ابتداءً من الاثنين إلى المدينة المنورة، ثم إلى مكة المكرمة، بشكل منتظم"، وأضاف أن "تسيير الرحلات الجوية جاء بعد وقف إطلاق النار وفتح الأجواء الإيرانية"، معرباً عن أمله في "استمرار هذا الترتيب حتى عودة الحجاج إلى أوطانهم بأعمال مقبولة، وبكل يسر وسهولة".
وأوضح أن الحجاج القادمين وفق الترتيبات الرسمية السنوية قد استكملوا إجراءاتهم مسبقاً، مؤكداً أن الجميع، عند وصولهم "يُعدّون ضيوف الرحمن ويحظون بما يحظى به سائر الحجاج من رعاية واهتمام... كما أن حجاجنا مشهود لهم بالانضباط والالتزام بالأنظمة السعودية".
وكانت "إيرنا" الحكومية أكدت اليوم أن المنظمين السعوديين "استقبلوا 121 شخصاً من وكلاء الحج الإيرانيين والوسطاء بترحيب حار فور وصولهم إلى المدينة المنورة، وقلدوهم الزهور"، وذلك لوضع الترتيبات اللازمة للإقامة والنقل والتغذية والخدمات الطبية والبرامج الثقافية للحجاج.
وصول أول رحلة إيرانية إلى المدينة المنورة بعدد 260 حاجا
— قناة الإخبارية (@alekhbariyatv) April 27, 2026
عبر مراسل الإخبارية محمد شيخ pic.twitter.com/rQf8vpXs39
وفي وقت لاحق من صباح أمس الاثنين، نقلت وسائل إعلام محلية مشاهد للحجاج الإيرانيين وهم يغالبون مشاعرهم بعد الوصول إلى مطار المدينة المنورة. وعلمت "اندبندنت عربية" أن الدفعة الأولى كانت من التركمانيين السنة، في مناطق شمال شرق إيران.
لكن عضو اللجنة الثقافية في البرلمان الإيراني، حسن علي أخلاقي أميري، أكد أن حجاج هذا العام "يجب، وفق توجيهات بعثة المرشد، أن يبيّنوا مظلومية إيران خلال مراسم الحج"، وأضاف أنهم "يجب أن ينقلوا أيضاً للزائرين من مختلف الدول ظلم الاستكبار العالمي وإسرائيل ضد الأمة الإسلامية".
ولفت إلى أن اتخاذ القرار بشأن إيفاد الحجاج إلى مراسم الحج "تم في المستويات العليا للنظام، وهو من شؤون النظام، بخاصة في ظروف الحرب، إذ تقع المسؤولية على عاتق المجلس الأعلى للأمن القومي لدراسة كل القدرات والمجالات والتداعيات المرتبطة بذلك للوصول إلى استنتاج نهائي، ويبدو أنهم توصلوا هذا العام إلى قرار بإيفاد عدد من الزوار".
غير أن هذا الخطاب الموجه إلى الداخل الإيراني عادة ولا سيما في أجواء الحرب، تقود العناصر المسؤولة عن تنظيم البعثة الإيرانية نقيضاً له، إذ شدد رئيسها رشيدان على أهمية "عدم الالتفات إلى الشائعات"، لافتاً إلى أن بلاده تقدر الجهود المبذولة من القيادة السعودية في تنظيم الحج.
التواصل السياسي مستمر
ولم ينقطع التنسيق السعودي والإيراني حتى في ظل أجواء الحرب، واستهداف المدن السعودية ببعض المسيرات، التي نفت طهران مسؤوليتها عن أكثرها، قبل أن تؤكد مصادر سعودية لـ"وول ستريت جورنال" تلك المعلومات، مفيدة بأن نصف التهديدات التي تلقتها المملكة، جاءت من ميليشيات عراقية.
وتدعم السعودية جهود الوساطة الباكستانية لإبرام اتفاق بين أميركا وإيران ينهي الأزمة من الجذور، مجددة ذلك في اتصال هاتفي أمس بين وزيري خارجية البلدين، فيما أعرب السفير الإيراني عن شكره وتقديره السعودية على ما تقدمه من خدمات، قائلاً إن "كرم الضيافة وحفاوة الاستقبال والاعتناء بالحجيج هي أمور عرفناها دائماً من المملكة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأعاد الباحث المتخصص في الشأن الإيراني أحمد الميموني، سبب تقليص حصة إيران هذا العام، على رغم حرص النظام على الحج بنحو خاص، إلى ظروف الحرب، التي ألقت بظلالها على مختلف التفاصيل في إيران، وسط تداعيات "لا تزال أسبابها قائمة، مما انعكس على قدرات إيران اللوجيستية في تفويج الحجاج براً وجواً".
ورأى أن تجربة العام الماضي المكلفة كانت في الذاكرة أيضاً، "حين اندلعت حرب الـ12 يوماً أثناء وجود الحجاج في المملكة، واضطرت السعودية إلى استضافتهم وترحيلهم عبر المنافذ العراقية بعد انتهائها، وهو سيناريو قد لا ترغب طهران في تكراره أو الظهور بمظهر الانكشاف مجدداً".
نقص العدد حل وسط
في المقابل، فإن الإبقاء على عدد محدود من الحجاج بدلاً من الإلغاء الكامل يهدف في اعتقاده إلى "الحفاظ على قناة الحج مفتوحة مع المملكة، في ظل توتر العلاقات بعد الاستهدافات الإيرانية لمقدرات السعودية ودول الخليج، كذلك فإن الأوضاع الاقتصادية الصعبة داخل إيران قد تحدّ من قدرة كثير من المواطنين على تحمل كلف السفر، في ظل أولويات معيشية أكثر إلحاحاً".
وتحرص الدول الإسلامية ذات الكثافة السكانية مثل إيران وتركيا وباكستان فضلاً عن بنغلاديش وإندونيسيا والهند على استيفاء حصتها كاملة، بل طالبت مرات عدة في بعض الظروف برفعها، إلا أن تحديات طارئة مثل الحروب والتوترات الجيوسياسية، أحياناً يصعب تجاوزها.
وفي حالات معينة، تقدر الجهات المنظمة للحج في السعودية مواقع الدول، فتزيد من حصتها موقتاً، بعد فترة الانقطاع، كنوع من التعويض الرمزي والاستجابة الإنسانية لمشاعر الحجاج، الذين ينتظر بعضهم دوره عشرات السنين، حتى يحظى بـ"فرصة العمر" بحج بيت الله الحرام.
وأخذت السعودية على عاتقها الرفع من مستوى رضا الحجاج، وتمكين أعداد أكثر من أداء العمرة والحج وزيارة المسجد النبوي، وجعلت ذلك ضمن مؤشرات رؤيتها 2030، مستهدفة 30 مليون معتمر سنوياً، ورفع عدد الحجاج إلى أرقام قياسية، مقرونة بإثراء التجربة الدينية والثقافية لهم وتيسير استضافتهم وتقديم خدمات عالية الجودة.
إعادة المعتمرين أثناء الحرب
وكان رئيس منظمة الحج والزيارة الإيرانية رشيدان أقر بأنه "لا توجد أي عوائق من الجانب السعودي"، مستشهداً بعودة المعتمرين بسلام خلال شهر رمضان على رغم ظروف الحرب التي مرت بها إيران، وأضاف أن "الحكومة السعودية، تعتز بخدمة الحرمين الشريفين، وتحرص على تقديم أفضل الخدمات للحجاج والمعتمرين، ونحن نقدر ذلك"، لافتاً إلى إشادة المسؤولين السعوديين بانضباط الحجاج الإيرانيين والتزامهم بالأنظمة، معرباً عن أمله في استمرار هذا السلوك، ومؤكداً أن الهيئة بذلت كل الجهود لضمان "أداء المناسك بكرامة وأمان" بحسب قوله.
وسهلت الرياض عبر منافذها البرية عودة آلاف المعتمرين الإيرانيين العالقين في موسم رمضان الماضي، الذي تزامن مع شن الحرب الحالية التي أغلقت أجواء طهران والبلاد كافة أواخر فبراير (شباط) الماضي.