Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ولى زمن "التربية اللطيفة" وحان الوقت لقول "لا" لطفلك

في ظل تزايد شكاوى الأهالي من صرامة المدارس المفرطة يرى مؤلفون وأكاديميون أن المعضلة لا تكمن في الأنظمة المدرسية بل في غياب القواعد الضابطة في المنزل

فوضى داخل الصفوف: ارتفع عدد حالات الإيقاف الموقت في المدارس الابتدائية البريطانية بشكل حاد خلال العقد الماضي (أنسبلاش)

ملخص

يطرح التقرير جدلاً متصاعداً حول "التربية اللطيفة" في بريطانيا، إذ يرى متخصصون وأكاديميون أن تراجع الحزم الأسري أسهم في تفاقم فوضى الصفوف. وبينما يدعو بعضهم للعودة إلى السلطة والانضباط، يحذر آخرون من تبسيط الأزمة وإغفال مشكلات أعمق داخل النظام التعليمي.

يعبر الأهالي عن انتقادات حادة لطريقة تعامل مدارس المملكة المتحدة مع أطفالهم الملائكة الصغار، وقد تجاوز عدد الشكاوى الرسمية الخمسة ملايين بين عامي 2024 و2025، بحسب بيانات "الرابطة الوطنية للحوكمة".

يرى "سفير الحضور والسلوك" في وزارة التعليم البريطانية، توم بينيت، أن ذلك مرده جزئياً إلى أهل يميلون إلى التساهل و"ضعف الحزم"، مشيراً إلى أن الأطفال لا يسمعون كلمة "لا" بما يكفي في المنزل، مما يخلق "فجوة في التربية" بين البيت من جهة والمدرسة من جهة أخرى، ويدفع أعداداً كبيرة من الآباء والأمهات والأوصياء إلى الشكوى من اتباع المدارس أسلوباً صارماً مع الأطفال.

ويرى بينيت أن أزمة نشأت مع اضطرار المدارس، على نحو متزايد، إلى فرض قواعد كان يُفترض أن يتكفل بها الانضباط المنزلي، لأن "الأهل والمدارس ساروا في اتجاهين متعاكسين".

وقال بينيت لصحيفة "صنداي تايمز"، "يعتقد أهل كثر أن مخاطبة الأطفال بلطف كفيلة بجعلهم يلتزمون السلوك الحسن... ولكن، في حالات كثيرة، يضطر المعلمون إلى تعليم فئة من الأطفال جاؤوا من بيئات تفتقر إلى حدود واضحة [إلى قواعد وضوابط]، فيظنون، مثلاً، أن في مستطاعهم أن يفعلوا ما يشاؤون، وأنهم الأهم في المكان، وأن مشاعرهم دون غيرها تستحق الاعتبار. لذا يتعين على هذه المدارس أن تضع أنظمة سلوكية واضحة، أو منهجاً سلوكياً، من العدم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتحدث بينيت هنا عن أسلوب "التربية اللطيفة" الشائع، وفيه يتبنى المربون نهجاً قائماً على التعاطف مع الأطفال، مركزين على التواصل ووضع الضوابط بدلاً من العقاب. ويعني ذلك الإقرار الدائم بمشاعر الأطفال، وتخصيص أوقات "احتواء" لمعالجة الانفعالات معاً، والامتناع التام عن الصراخ، بل والبقاء مرساة للهدوء في وجه عواصف الانهيار العاطفي الحادة التي قد تصيب الأولاد.

تذكيراً، بدأ هذا التوجه قبل نحو عقد من الزمن رداً على الأسلوب السلطوي الأكثر صرامة، مع سعي الأهالي من جيلي الألفية و"زد" إلى تربية أبنائهم على نحو أفضل من الطريقة التي نشأوا عليها، وذلك عبر التركيز على تنظيم الانفعالات بدلاً من الطاعة والانصياع للقواعد.

ولكن، بدأ يبرز الآن أسلوب تربوي مضاد يُعرف بـ"فافو" Fafo (اختصار لتعبير عامي فظ يعني "اعبث واكتشف العاقبة") الذي يشدد على التعايش مع تبعات الأفعال بدلاً من شرح كل قرار بالتفصيل. من الواضح أن هذا النهج الأكثر حزماً لم يتسلل بعد إلى مدارس المملكة المتحدة، ولكن يبدو أن ثمة خللاً خطراً داخل الصفوف.

مع كثرة التحديات التي تواجه الأطفال والمراهقين اليوم، يتنامى القلق من أن تكون التربية اللطيفة أو المتساهلة أحد أسباب التصاعد الحاد في سلوك التلاميذ الجامح. ولإبراز حجم المشكلة، قارب عدد حالات الإيقاف الموقت في فصل دراسي واحد في المدارس الابتدائية البريطانية عام 2023، إجمال الحالات المسجلة طوال عام دراسي كامل قبل عقد من الزمن.

وتذهب مديرة "مركز دراسات ثقافة التربية" في "جامعة كِنت" البريطانية مؤلفة كتاب "دراسات ثقافة التربية" الصادر عام 2014 Parenting Culture Studies، البروفيسورة إيلي لي، إلى حد القول بضرورة "رفض" التربية اللطيفة بغية كبح "المشكلة الجلية المتمثلة في تدهور السلوك" داخل المدارس.

وفق البروفيسورة لي، "ما نحتاج إليه هو تكاتف الكبار حول هدف مشترك لتنشئة الأطفال، يقوم على سلطة أبوية حازمة"، مضيفة أن الحاجة إلى أن يمارس الوالدان الحزم قد تآكلت إلى حد كبير.

وتضيف البروفيسورة لي: "يخلط الناس بين السلطة والتسلط، لذا حين تفرض المدارس الانضباط على الأطفال، يتهمها بعض الأهالي بأنها تحولت إلى ’معسكرات اعتقال‘ أو توصف بـ’الفاشية‘. غير أن السلطة والانضباط يصبان في صالح الأطفال، لأنهما يغرسان فيهم الحدود والانضباط الذاتي".

وتكمل البروفيسورة قائلة، "بدلاً من أن يفقد الأهالي صوابهم إذا تعرض طفلهم للتوبيخ بسبب افتعاله الشغب في ملعب المدرسة، كان الأجدر بهم أن يقولوا: ’شكراً جزيلاً‘. ولكن لم يعد يُسمح لأحد بتوبيخ الأطفال، إذ يأخذ الأهالي كل شيء على محمل شخصي، ويعيشون مشاعر طفلهم بدلاً من تقبل أن هذه المواقف جزء طبيعي من الحياة ومرحلة الطفولة".

في رأي البروفيسورة لي، تكمن المشكلة في أن التربية الصارمة صارت تُدان بوصفها "غير متمحورة بما يكفي حول الطفل"، وباتت توصف بأنها "سلطوية تثير القلق"، بل ووصل الأمر إلى حد اعتبارها "نوعاً من إساءة معاملة الأطفال".

وتوضح البروفيسورة أن "البالغين والأهل يشعرون بقلق شديد من فكرة إغضاب أطفالهم، بعدما أقنعهم متخصصو التربية بأن ذلك قد يترك ندوباً نفسية لا تُمحى مدى الحياة. غير أن التربية اللطيفة تقوض سلطة الوالدين والمعلمين، لأنها تمنح زمام القيادة للطفل بدلاً من الكبار".

عالم نفس الأطفال الأميركي ليونارد ساكس، مؤلف النسخة المحدثة لعام 2024 من كتاب "انهيار التربية: كيف نؤذي أطفالنا حين نعاملهم كبالغين" The Collapse of Parenting: How We Hurt Our Kids When We Treat Them Like Grown-Ups، يوافق بدوره على أن نجاح المدارس يتطلب "تحالفاً" بينها وبين الوالدين، يقوم على الرغبة في أن ينشأ الأطفال ليصبحوا رجالاً ونساء يتحلون بالقيم والأخلاق، وأن يحققوا كامل إمكاناتهم".

ويقول ساكس: "يُفترض بالأهل والمعلمين أن يكونوا حلفاء مع بعضهم بعضاً، غير أن كثيراً من الأهالي تبنوا مبادئ التربية اللطيفة: لا تقل ’لا‘. فالتربية الجيدة تعني ترك الأطفال يقررون بأنفسهم". ولكنه يحذر من أن تطبيق هذه المفاهيم داخل الصفوف من شأنه أن يؤدي إلى كارثة.

ويوضح ساكس، "حين يدرك المعلمون أن الأهالي لن يدعموهم، بل وقد يُظهرون عداء صريحاً تجاههم، سيترددون في فرض سلطتهم، بل قد يجدون أنفسهم عاجزين تماماً عن ممارستها. وغالباً ما تكون النتيجة فوضى عارمة".

أما مؤلفة كتاب "بشر صغار، مشاعر كبيرة: كيف نتعامل مع نوبات الغضب والانهيارات والعناد لتنشئة أطفال أذكياء عاطفياً" Tiny Humans, Big Emotions: How to Navigate Tantrums, Meltdowns, and Defiance to Raise Emotionally Intelligent Children الصادر عام 2023، أليسا بلاسك كامبل، فأخبرتني أن التربية اللطيفة بدأت كتحول طال انتظاره بعيداً من تجاهل مشاعر الأطفال، والبدء بالاعتراف بها، غير أن الكفة قد مالت في كثير من الأحيان أكثر مما ينبغي".

وتوضح قائلة "عندما نبالغ في مراعاة مشاعر الأطفال أو نتجنب وضع حدود واضحة، فإننا في الواقع نخل بتنظيمهم العاطفي، لأنهم لا يعرفون ما الذي ينتظرهم".

وتضيف أليسا أن الأطفال لا يحتاجون إلى ذلك الهدوء المثالي أو المرونة اللامتناهية التي تقدمها التربية اللطيفة، "بل إلى توجيه واثق ومحترم من بالغين قادرين على الموازنة بين التعاطف ووضع الحدود في آن. ومن دون هذا التوجيه، يتجلى ذلك في الفصول الدراسية، فنرى أطفالاً غير متأكدين من المتوقع منهم، ويجدون صعوبة في تحمل الإحباط، ويختبرون الحدود باستمرار بحثاً عن مكانها الحقيقي".

ومن جانبها، ترى مؤلفة كتابَي "تبادل الأدوار بين العمل والتربية" (2020)The Work/Parent Switch، و"كيف تُخرج ابنك المراهق من غرفته" (2024)How To  Get Your Teenager Out Of Their Bedroom، المتخصصة أنيتا كلير، أن "التربية اللطيفة كتوجه تربوي قد قوّضت بشدة تمكين الوالدين".

وتتحدث إلي كلير قائلة، "بدأت التربية اللطيفة كتحول مفيد في التركيز بعيداً من السيطرة نحو النمو العاطفي للأطفال. غير أن وضع مشاعر الأطفال في المركز بصورة كاملة جعل كثيراً من الأهل يواجهون صعوبة في وضع الحدود التي يحتاج إليها أبناؤهم فعلياً".

وترى كلير أن المشكلة الحقيقية تكمن في الطريقة التي ترسخ بها مفهوم التربية اللطيفة في الثقافة الشعبية، لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ "يُقال للأهل إن فرض أي نتيجة على سلوك الطفل يمثل فعلاً قاسياً أو مؤذياً بطبيعته، حتى وإن كانت تلك النتيجة منطقية وموجزة ومتسقة، وذلك على رغم زهاء نصف قرن من البحوث التي تؤكد أن هذا النهج قد يكون وسيلة فاعلة لوضع الحدود لدى غالبية الأطفال".

وتؤيد كلير ما يُعرف بـ"التربية الإيجابية"، التي ترى أن نضج الأطفال يتشكل عبر الخبرة والتجربة. وكما الحال في التربية اللطيفة، يظل التركيز منصباً على [بناء] العلاقة و[فهم] المشاعر، غير أن هذا النهج يضع مسألة الحدود كعنصر أساس في النمو الاجتماعي والعاطفي للطفل. وتقول كلير: "إن هذا الأسلوب يهدف إلى تزويد الأهل باستراتيجيات عملية تمكنهم من رسم الحدود بهدوء، ولكن بحزم وسلطة".

غير أن مؤلفة "دليل التربية اللطيفة: كيف نربي أطفالاً أكثر هدوءاً وسعادة من الولادة وحتى السابعة" The Gentle Parenting Book: How to Raise Calmer, Happier Children from Birth to Seven الصادر عام 2016، سارة أوكويل-سميث، ترى أنه يبرز حالياً توجه مؤسف يتمثل في "إساءة فهم التربية اللطيفة عن عمد" و"تحميلها مسؤولية كل التبعات".

وتقول لي: "إن الأهل الذين يتبعون أسلوب التربية اللطيفة يقولون ’لا‘ لأطفالهم بكل تأكيد، ولا يخشون إغضابهم عند الحاجة، ولكنهم يساندون الطفل عند انزعاجه ويركزون على إعادة جسور التواصل. كذلك يعتمدون على العواقب الطبيعية والمنطقية، بدلاً من العقوبات غير المنطقية مثل المنع الموقت، أو كرسي المشاغبين، أو الإقصاء والعزلة".

وتصف سارة التربية اللطيفة بأنها نهج يجمع بين "توقعات عالية وانضباط، إلى جانب مستويات مرتفعة من الدعم والرعاية". وتضيف "إنه النقيض تماماً للأسلوب السلطوي الذي يدعو إليه توم بينيت ["سفير الحضور والسلوك" في وزارة التعليم البريطانية]، وهو الأسلوب الذي تخبرنا أعوام من البحث العلمي بأنه ليس غير مجدٍ فحسب، بل ومؤذٍ أيضاً".

وتخبرني سارة أن ثمة خلطاً شائعاً بين التربية اللطيفة والتربية المتساهلة التي تفتقر إلى الضوابط والانضباط، على رغم أنهما على طرفي نقيض. وتقول "من المقلق حقاً أن يلتبس على المنخرطين بعمق في تعليم أطفالنا اليوم هذا الفارق بين النهجين".

وترى أوكويل-سميث أن العلة الحقيقية تكمن في أن المدارس تعاني نقصاً حاداً في التمويل واكتظاظاً في أعداد التلاميذ، فضلاً عن مناهجها المتغيرة باستمرار، ومعلميها المثقلين بالأعباء الذين يتقاضون أجوراً زهيدة، مما يدفعهم إلى ترك المهنة بأعداد كبيرة.

وتوضح بالقول "يترك ذلك كله تأثيراً كبيراً في سلوك التلاميذ"، مشيرة إلى وجود أزمة في ملف ذوي "الاحتياجات التعليمية الخاصة والإعاقات" داخل المدارس، وتصفها بأنها معضلة كبرى، مضيفةً "إن معظم التلاميذ الذين يوصفون بسوء السلوك يعانون في الغالب احتياجات خاصة لم تُشخص بعد أو لم تحظَ بالدعم الكافي".

كذلك تنحاز أوكويل-سميث إلى صف الأهالي المشتكين [من صرامة المدارس تجاه الأطفال]، معتبرة أن آباء وأمهات اليوم يفعلون ما لم يسبق لأي جيل أن فعله. وتقول: "إنهم يعملون بدوام كامل لتأمين لقمة العيش في ظل أزمة غلاء معيشة طاحنة، ويحاولون إصلاح الأضرار التي خلفتها فوضى التعليم المنزلي خلال جائحة كوفيد، ويواجهون تصاعد مشكلات الصحة النفسية لدى المراهقين في ظل منظومة خدمات الصحة النفسية للأطفال والمراهقين المتعثرة، ثم يتحملون عبء الملامة عن الصعوبات التي تحدث في المدرسة".

أما المسؤول الحقيقي؟ فتقول أوكويل-سميث "إنه الجانب السياسي، إذ تضع النيوليبرالية الأهل والمعلمين في مواجهة بعضهم بعضاً، بينما يدفع الأطفال الثمن. وبدلاً من البحث في جذور الأزمة، يُستسهل تحميل التربية اللطيفة اللوم، من دون أدنى اعتبار للمشكلات الحقيقية".

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات