Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف خرجت كأس العالم عن سيطرة "فيفا" وتحولت لتجربة باهظة؟

بينما يتباهى رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو بأن تسويق الرياضة على الطريقة الأميركية "يصل إلى مستويات مختلفة" يجد المشجعون أنفسهم مضطرين لتحمل الكلفة الباهظة لهذه النسخة من البطولة وقال أحدهم "إنه درس في كيفية انتزاع المتعة من اللعبة"

جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" (أ ف ب)

ملخص

تحولت كأس العالم المقبلة إلى ساحة صدام بين روح كرة القدم الشعبية ومحاولات التسويق والربح، بعدما فجرت أسعار التذاكر والسفر غضب الجماهير، وسط اتهامات لـ"فيفا" بتحويل البطولة إلى تجربة نخبوية بعيدة من المشجعين الحقيقيين.

مع اقتراب انطلاق كأس العالم يوماً بعد يوم، يمكن الشعور بأن كبار المسؤولين في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تحت قيادة جياني إنفانتينو يشعرون بـ"قلق شديد" حيال أرقام أخرى. فمبيعات التذاكر لا تقترب حتى من التوقعات، على على رغم الحديث الصاخب عن 500 مليون طلب.

أزمة أسعار تذاكر كأس العالم تثير الغضب

وهناك سبب واضح كان يمكن لأي شخص أن يخبر "فيفا" به مسبقاً. فإذا كانوا "قلقين"، فإن المشجعين المخلصين يعيشون حالاً من المعاناة بسبب مبالغ قد تغير حياتهم. وتقدر جهات مثل رابطة مشجعي كرة القدم (أف أس أي) ومسؤولون أميركيون، من بينهم الرئيس التنفيذي السابق لليفربول بيتر مور، أن كلفة متابعة منتخبك حتى النهاية ستراوح ما بين 10 آلاف و35 ألف دولار.

حتى إن المشجعين المحليين، بمن فيهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يرون أن الكلفة مرتفعة للغاية، وهو ما عكسته المبيعات الضعيفة التي كشف عنها موقع "ذا أثلتيك" لمباراة أميركا الافتتاحية في لوس أنجليس. ويقول أحد المصادر المطلعة "فيفا بالغ في تقدير الأمور، وأخطأ في التسعير".

وأضاف ترمب أمس الخميس "أنا أيضاً لن أدفع هذا المبلغ"، مشيراً إلى أنه سيكون "محبطاً" إذا لم يتمكن ناخبوه من الحضور. ولا بد أن ذلك كان محرجاً للغاية بالنسبة إلى إنفانتينو.

وهكذا تتهاوى الفكرة المتداولة عن "الثقافة" الأميركية التي يفترض أنها تتقبل دفع أسعار مرتفعة لأي "حدث ترفيهي" كبير، والتي يبدو أن "فيفا" اعتبر نفسه مضطراً للتماهي معها.

صدام النموذج الأوروبي مع النزعة التجارية الأميركية

وتعكس هذه الحجج انقساماً أعمق يكشف كيف يمكن أن تؤثر هذه النسخة من كأس العالم بصورة جذرية في مستقبل كرة القدم. فهناك توتر فلسفي بين النظر إلى كرة القدم باعتبارها قيمة ثقافية - كما يظهر بوضوح في النموذج الأوروبي للرياضة ومشروع قانون تنظيم كرة القدم في بريطانيا - وبين النزعة الاستهلاكية الأميركية التي تتعامل معها كسلعة أخرى.

أما "فيفا" الذي يفترض رسمياً أنه مؤسسة غير ربحية تحمي اللعبة، فقد انحاز بوضوح إلى أحد الجانبين.

وتزداد فداحة أسعار التذاكر - التي تصدرتها تذاكر نهائية معروضة على منصة إعادة البيع التابعة لـ"فيفا" بأكثر من مليون دولار - بسبب إدراك الجميع أن كل شيء آخر سيكون باهظ الكلفة أيضاً. وحتى المنتخبات المتأهلة لا تزال تخشى تكبد خسائر بسبب النفقات.

ربما لم يكن "فيفا" على دراية كاملة بذلك، لكنه على رغم ذلك واصل رفع الكلف. وفي حين كان يمكن عادة تقبل هذه المصاريف باعتبارها ثمناً طبيعياً لإقامة كأس العالم في دولة مرتفعة الكلف، فإن كثيراً من النفقات الإضافية جاءت نتيجة مباشرة لاتفاقات أبرمها "فيفا".

وتختصر عبارة قالها أحد المطلعين كثيراً "إنه درس في كيفية انتزاع المتعة من الأمر". فمرحباً بكم في عملية النصب الكبرى لكأس العالم.

التسعير الديناميكي وتحويل المشجع إلى مستثمر

التذاكر تختصر كل ما يتعلق بكلف هذه البطولة، لكن كيف وصل "فيفا" فعلياً إلى هذا النموذج... ولماذا؟

إنه تحول هائل مقارنة بكل البطولات السابقة، مع أرقام صادمة على مختلف المستويات.

فبالنسبة إلى المنتخبين اللذين سيبلغان النهائي، سيدفع معظم المشجعين ما لا يقل عن 5200 جنيه استرليني (7082 دولاراً) مقابل التذاكر وحدها. وربما تقود الضجة الأولى حول هذه الأرقام إلى مشهد عبثي يتمثل في جلوس أفراد العائلة الواحدة إلى جانب بعضهم بعضاً مع دفع أحدهم آلاف الجنيهات الإضافية فقط لأنه كان محظوظاً بالحصول على إحدى تذاكر الفئة الرابعة البالغ سعرها 60 دولاراً، والتي جرى تخصيص عدد رمزي منها بعد موجة الغضب.

ويقول توماس كونكانون من رابطة مشجعي كرة القدم "وما زلنا لا نعرف أماكن الفئات النهائية للمقاعد"، وسط انتقادات إضافية بسبب تغيير مواقع بعض التذاكر. وتسخر منظمة "مشجعو كرة القدم في أوروبا" من ذلك بوصفه "تصنيفاً ديناميكياً".

وبعض تلك التذاكر الأرخص لمباراة إنجلترا وكرواتيا ظهرت أيضاً على منصة إعادة البيع الرسمية التابعة لـ"فيفا" بسعر 2300 دولار.

وقد خلقت قضية "السوق الثانوية" هذه - وكيف أن بيع التذاكر بأسعار مضاعفة قانوني في أميركا - تحدياً فريداً لهذه البطولة، لكن بعض الردود ما زالت تثير الدهشة.

فإلى جانب الاستفادة من زيادات الأسعار الضخمة المحتملة، يحصل "فيفا" على "رسوم تسهيل إعادة بيع" بنسبة 15 في المئة، إضافة إلى 15 في المئة أخرى من البائع.

ويواصل "فيفا" التأكيد أن جميع الإيرادات يعاد توزيعها في نهاية المطاف على اللعبة، خصوصاً عبر برنامج "فيفا فورورد".

وحتى لو كان ذلك صحيحاً بالكامل، وحتى لو لم يكن على "فيفا" أيضاً واجب جعل اللعبة متاحة للجميع، فإن أحد المصادر يرد ببساطة "لنر بعض الشفافية"، وأظهروا لنا أين تذهب الأموال فعلياً.

إنفانتينو وتغيير هوية كأس العالم

وما يزيد الإحباط أن "فيفا"، الذي يعتقد أن احتياطاته تتجاوز 2.5 مليار دولار، كان سيجني أموالاً طائلة على أي حال. فقد كانت التذاكر تمثل أقل من 50 في المئة من إجمال الإيرادات المتوقعة، والتي قدرت برقم قياسي يبلغ 11 مليار دولار - بزيادة 4 مليارات دولار مقارنة بمونديال قطر 2022 - وفق الأسعار الأصلية الواردة في ملف الترشح عام 2018.

ويقول مور، الذي أصبح الآن المالك المؤسس لنادي سانتا باربرا سكاي الأميركي في كاليفورنيا "يمكنك بسهولة اقتطاع 5 مليارات دولار ويستفيد الجميع، بما في ذلك ’فيفا‘".

لكن ما يخيم على كل ذلك هو أن نموذج إعادة التوزيع الذي يعتمده "فيفا" كثيراً ما تعرض لانتقادات باعتباره وسيلة لكسب الأصوات. فإنفانتينو يوزع الأموال، ثم تعيد الاتحادات الممتنة له انتخابه. وكان الوعد بمزيد من الأموال جزءاً أساساً من برنامجه الانتخابي عام 2016. وخلال الأسابيع الأخيرة فحسب، صدرت دعوات من اتحاد أميركا الجنوبية لكرة القدم (كونميبول) والاتحاد الأفريقي للعبة (كاف) لإعادة انتخابه، على رغم التساؤلات المتعلقة بالحدود الزمنية للولايات.

ويحيط الغموض ذاته بطريقة تحديد أسعار التذاكر. فحتى بعض كبار مسؤولي "فيفا" لا يملكون أي فكرة. ويؤكدون أنهم تلقوا ببساطة خططاً جاهزة من مكتب الرئيس، وهي الطريقة التي تتخذ بها الآن جميع القرارات الكبرى.

وتقول مصادر مطلعة على طبيعة الدائرة المحيطة بإنفانتينو إنه يعتمد بصورة أساس على مستشارين مقيمين في أميركا يعملون على "تعظيم الإيرادات بالكامل باستخدام كل الأدوات المتاحة". ويبدو أن هناك قدراً ضئيلاً جداً من النقاش حول جدوى هذا التوجه أساساً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذا وحده يمثل تحولاً كبيراً آخر داخل "فيفا"، خصوصاً مقارنة بآخر كأس عالم أقيمت في أميركا. فقبل نسخة عام 1994، كانت لدى مهندس البطولة آلان روثنبرغ أفكار متعددة حول التذاكر، استعرضها في كتابه "ذا بيغ باونس" (العودة القوية).

فقد أراد روثنبرغ "تذكرة مرتفعة السعر جداً" بسبب ما تمنحه من مكانة، واقترح أن يبلغ سعر جميع مقاعد النهائي ألف دولار. وفي تشابه مع الوضع الحالي، برر ذلك بأن "القيمة السوقية ستكون في الأقل بهذا المستوى"، بالتالي لا ينبغي أن يستفيد السماسرة من الفارق. لكن "’فيفا‘ قال لا". لماذا؟

لأنه كان "قلقاً أكثر من اللازم في شأن رد فعل الجماهير العادية".

الفارق بين ذلك الزمن والوقت الحالي صارخ. وهذا كان في عهد جواو هافيلانج، الذي اشتهر بترسيخ نموذج فساد إداري تفاخر "فيفا" الحديث لاحقاً بأنه تخلص منه. ويتساءل مور "السؤال البسيط هو: لمن جرى تخصيص هذه البطولة أساساً؟".

ويضيف كونكانون "هذه فرص قد لا تتكرر مرة أخرى في العمر بالنسبة إلى المشجعين".

لكن "فيفا" بالكاد يبدو أنه اعترف بذلك، باستثناء التفكير في السعر الذي يمكن وضعه على هذه الفرصة.

وربما كانت "السوق الثانوية" الأميركية سترفع الأسعار أكثر على أي حال، لكن بدا وكأن "فيفا" لم يرغب حتى في التفكير بحلول واضحة. فقد كان بإمكانه تخصيص نسبة أكبر من التذاكر للاتحادات المتأهلة لتوزيعها وفق برامج الولاء، كما تجري العادة في ثقافة المشجعين.

لكن بدلاً من النظر إلى التذكرة باعتبارها ذات قيمة ثقافية، أعاد "فيفا" تقديمها باعتبارها أصلاً قابلاً للاستثمار.

ويقول مور "الأمر يشبه رفع أسعار تذاكر الحفلات الكبرى بهدف البيع"، قبل أن يضيف "لكن هذه ليست كرة القدم".

وأحد التبريرات المطروحة هو أن نظام التسعير الديناميكي لبعض الفئات قد يسمح للمشجعين بالحصول على تذاكر رخيصة مع اقتراب المباريات، لكن ذلك لا يفيد مشجعاً قرر عدم السفر من بوغوتا أو برلين.

ومن الأمور اللافتة أيضاً مساهمة نوع آخر من "المتحمسين". فكل تقرير عن الأسعار يقابل على وسائل التواصل الاجتماعي بدفاع متشدد عن "السوق"، حتى إن نجم منتخب أميركا في مونديال 1994 أليكسي لالاس شارك في ذلك.

ويرى أكاديميون أن السبب يعود إلى ترسخ الأيديولوجيا الرأسمالية والاستهلاكية، وهو ما يصفه مايكل ساندل بـ"تسليع" و"تخصيص المقصورات الفاخرة" لكل شيء في الحياة الأميركية.

ويشرح الأكاديمي المتخصص في حوكمة الرياضة بجامعة بيركبيك شون هاميل "حتى الرياضة الاحترافية في أميركا نشأت أولاً كمنتج ترفيهي تجاري".

ويضيف يان زغلينسكي من كلية لندن للاقتصاد أن "الرياضة موجودة أساساً من أجل توليد الأموال".

ويتابع "أما في أوروبا، فينظر إلى الرياضة باعتبارها منفعة عامة تهدف إلى تعزيز التماسك الاجتماعي". أو بمعنى آخر، النموذج الأوروبي للرياضة كما تعترف به قوانين الاتحاد الأوروبي.

وقد نشأ "فيفا" أساساً من هذا الفكر، مما يجعل هذا التحول أكثر إثارة للتساؤلات.

وعلى رغم كل حديث إنفانتينو عن ضرورة التكيف مع الثقافة الأميركية، فإن "فيفا" لم يفعل ذلك في أي من بطولات كأس العالم الأخيرة. وتقول مصادر إن قطر، على رغم كل الانتقادات المبررة الأخرى، قاومت فعلياً محاولات "فيفا" فرض تسعير مشابه عام 2022.

ومن الواضح أنهم لم يفعلوا الأمر نفسه في جنوب أفريقيا أيضاً، وإلا لتمكن عدد أكبر من السكان المحليين من حضور المباريات.

لكن المسألة قانونية أيضاً. فـ"فيفا" مسجل قانونياً كمؤسسة غير ربحية في سويسرا. ويقول هاميل "لا يوجد في لوائحه أي نص يتعلق بتعظيم الأرباح لمصلحة المساهمين. بل إن الهدف هو تطوير كرة القدم".

ويضيف "المشكلة الأساس أنه لا يتصرف كمؤسسة غير ربحية". وأدى ذلك إلى سلسلة أخرى من المشكلات بالنسبة إلى الجماهير.

كلف السفر والنقل تضرب الجماهير

أسعار التذاكر تبدو أكثر فجاجة في ظل ما يوصف بعدم اكتراث "فيفا" بمدى ارتفاع كلف كأس العالم في أميركا. وحتى رسوم الخدمة غالباً ما تكون إلزامية بنسبة 30 في المئة، وهذا مجرد جزء بسيط من النفقات. أما الفنادق فقد ارتفعت أسعارها بطبيعة الحال، وإن كان من المفارقات أن الكلفة الإجمالية الضخمة خفضت الطلب على الحجوزات، مما أدى بالفعل إلى تراجع الأسعار بنسبة 18 في المئة. وكيف لا يحدث ذلك بينما مجرد التنقل يمثل أزمة، وبخاصة مع رفض تنظيم المباريات ضمن مناطق جغرافية متقاربة؟

إنجلترا، على سبيل المثال، ستخوض مباريات دور المجموعات بين دالاس وبوسطن، وهما مدينتان تفصل بينهما مسافات هائلة. وكثير من الرحلات الداخلية تكلف تقريباً مثل الرحلات العابرة للأطلسي. وحتى في الرحلات القليلة التي يمكن قطعها بالقطار، مثل التنقل اليومي بين نيويورك وفيلادلفيا، تتجاوز الكلفة 300 دولار.

ثم تأتي مشكلة النقل المحلي، وهي القضية الأبرز. فالوصول إلى ملعب "جيليت" في فوكسبره من بوسطن سيكلف 80 دولاراً بالقطار أو 95 دولاراً بالحافلة، بينما ارتفع سعر رحلة الذهاب والإياب من محطة بنسلفانيا في نيويورك إلى ملعب "ميتلايف" من 13 دولاراً إلى 105 دولارات، ولم ينخفض إلى هذا الرقم إلا بعد تدخل أموال الرعاية بعدما كان قد وصل إلى 150 دولاراً.

وكان المدير التنفيذي للعمليات في النسخة الحالية من كأس العالم هايمو شيرغي، قال إن هذه الزيادة "ستترك أثراً مثبطاً".

ولا بد أن هذا أحد أكثر التصريحات وقاحة في الإدارة الرياضية. ويكفي النظر إلى أي مصدر دخل يسيطر عليه "فيفا".

والأهم أن هذه الأسعار جاءت نتيجة مباشرة لاتفاق مذهل أبرمه مع المدن المستضيفة. فـ"فيفا" يحصل على معظم الإيرادات، وصولاً حتى إلى أموال مواقف السيارات. وفي المقابل، تتحمل المدن تقريباً كل الكلف، من الأمن إلى البنية التحتية الإضافية.

وهذا هو ثمن شرف الاستضافة. وهو عجز جماعي لا يقل عن 250 مليون دولار.

وأُعلمت "اندبندنت" أن "فيفا" أدرك بالفعل أن المدن الأميركية لا تملك الوصول إلى مصادر التمويل نفسها التي تمتعت بها الدول المستضيفة السابقة، لكنه لم يتكيف مع ذلك. وبدلاً من ذلك، ابتكر ما يسمى "برنامج دعم المدن" القائم على اتفاقات رعاية منفصلة لكل مدينة.

لكن المشكلة، بحسب ما ذكرته "اندبندنت" أن أياً من تلك الاتفاقات لم يكن مسموحاً له بالتعارض مع شراكات "فيفا" الخاصة. وهكذا وجدت مدن كبرى نفسها مضطرة للبحث عن شركات محلية.

أما الحجة الأخرى لـ"فيفا" فهي أن كأس العالم سيجذب السياحة، لكن معظم قراراته دفعت الناس إلى العزوف. وتقول مصادر مطلعة إن كل المؤشرات الحالية تظهر أن السفر من الخارج سيكون "ضعيفاً".

أما ارتفاع أسعار القطارات، فيصفه مطلعون بأنه "نتيجة مباشرة بنسبة 100 في المئة لهذا الاتفاق".

ورد "فيفا" بحدة على أي اقتراح بتحمل هذه الكلف، مؤكداً أنه "غير مطلع على أي حدث كبير آخر أقيم في ملعب نيويورك - نيوجيرسي... كان المنظمون فيه مطالبين بدفع كلف نقل الجماهير".

لكن البطولات الكبرى دأبت على ضمان عدم دفع حاملي التذاكر كلف النقل، غالباً عبر اتفاقات مع الحكومات، بما في ذلك كأس العالم 2006 في ألمانيا الذي نظمه "فيفا" نفسه.

وجرى تعديل الاتفاقات الخاصة بهذه البطولة إذ استُبدل شرط النقل المجاني بعبارة "بسعر الكلفة". والآن يدفع المشجعون كلفة أكبر.

وعلى رغم ذلك، لم يظهر "فيفا" أي رغبة في اتباع ما فعله الاتحاد الأوروبي للعبة "يويفا" في بطولة "يورو 2024" بألمانيا، حين أسهم جزئياً في دعم كلف السفر.

ويرى مسؤولون مخضرمون أن ذلك يعود أيضاً إلى سابقة أخرى في كأس العالم، إذ ألغى "فيفا" اللجان المحلية المنظمة ليتولى السيطرة الكاملة.

ويقول أحد المصادر "لم يعد هناك من يخبرهم بالتفاصيل المحلية الدقيقة".

وأثير كثير من الجدل في شأن استبعاد الاتحاد الأميركي لكرة القدم، على رغم أنه كان سيقدم رؤية أكثر ارتباطاً بالإرث الطويل الأمد للبطولة.

وفي الواقع، يبدو أن "فيفا" يحضر ليستولي على كل شيء، حتى مواقف السيارات، ويدفع الجميع إلى الخارج مع ارتفاع الأسعار، ثم يغادر حاملاً الإيرادات.

وبينما تغير "فيفا" بوضوح، تغير إنفانتينو أيضاً. فزملاؤه السابقون في "يويفا" يقولون إنه كان "مؤمناً تقليدياً بالنموذج الأوروبي للرياضة".

وكانت "اندبندنت" كتبت مطولاً عن كيف يغير منصب رئيس "فيفا" شاغليه، لكن تفسير إنفانتينو الشخصي للدور ذهب أبعد من ذلك. فرغبته في جعل "فيفا" اللاعب الرئيس في اللعبة، لا مجرد جهة تنظيمية، غيرت طريقة التفكير بالكامل.

ولهذا قد تكون كأس العالم للأندية الخاصة به شديدة التأثير. فمنذ عام 2018، ومع المفاوضات الأولى لتوسيع البطولة بالشراكة مع "سوفت بنك"، دخل إنفانتينو في حوارات مستمرة مع طبقة المليارديرات المالكة للأندية.

ولدى هؤلاء أفكارهم الخاصة في شأن أسعار التذاكر، وكثير منهم يريد فعلياً تحويل كرة القدم إلى تجربة مقصورات فاخرة للنخبة.

وهؤلاء هم الأشخاص الذين يصغي إليهم إنفانتينو. وهذا يجعل تصريحاته في مؤتمر "فيفا" الأخير أكثر دلالة، حين تحدث بحماسة عن أن تسويق الرياضة في أميركا "يصل إلى مستويات مختلفة".

وقال "يمكننا الوصول إلى ناتج محلي إجمال عالمي لكرة القدم بقيمة 500 مليار، أي نصف تريليون".

وتضيف مصادر عدة أن الطريقة التي استخدم بها كرة القدم لدخول طبقة النفوذ الجيوسياسي، متنقلاً على متن طائرات قطرية خاصة، جعلته "منفصلاً تماماً عن الواقع".

فقليلون هم الرؤساء التنفيذيون للمؤسسات غير الربحية الذين يحصلون على راتبه. وكما يحدث دائماً في مثل هذه التوترات، قد تنتهي الأمور بالإضرار بـ"المنتج" نفسه.

فإلى جانب المؤشرات التي تفيد بأن عدداً أقل من الجماهير سيسافر، يشير كونكانون إلى أن أرخص تذاكر الفئة الرابعة ليست قريبة من أرض الملعب، في سابقة أخرى.

ويقول "هذا يعني أن المشجعين الأكثر حماسة سيكونون في المدرجات العليا، بالتالي لن تحصل على المشهد المعتاد".

هذا إن حضروا أصلاً. فقد كانت الأرجنتين القصة الجماهيرية الأبرز في آخر ثلاث نسخ من كأس العالم، وهناك بالفعل روايات كثيرة تؤكد أن جماهيرها لن تسافر بالأعداد نفسها هذه المرة. ولن تمتلئ الملاعب بالعدد نفسه من الأشخاص الذين يهتمون حقاً بمنتخباتهم.

هل تفقد كأس العالم روحها الجماهيرية؟

ويقول أحد التنفيذيين "الأجواء الحقيقية لكأس العالم ستموت لأن الناس ببساطة لن يستطيعوا تحمل الكلفة".

ويتحسر مور على الفارق المحتمل مقارنة بأجواء ألمانيا 2006 الاحتفالية، قائلاً "إنه نموذج عمل مختلف تماماً ومجموعة أهداف مختلفة تماماً".

وقد يكون لذلك تأثير عميق في كرة القدم. فـ"فيفا"، الذي يفترض أنه الحارس الأعلى للعبة، بات يقود بنفسه التوجهات التجارية التي سعت أكثر التأثيرات تآكلاً في اللعبة إلى فرضها منذ أعوام. لقد فتح إنفانتينو الباب.

ويصف مور ذلك بأنه "المرحلة المبكرة لشيء عميق للغاية". ويضيف "إنها عملية تحول كأس العالم من بطولة جماهيرية مفتوحة للجميع إلى حدث ضخم عالي القيمة ومحدود الوصول".

ويرى المتخصص في دراسة الطابع المالي للرياضة، أندرو سميث من "سبورتا" أن "فيفا" لم يفكر جيداً في الآثار الطويلة المدى.

ويقول "رأينا ذلك في رياضات أخرى. عندما تقصي الأشخاص الأكثر شغفاً بسبب الأسعار، فإنهم يفقدون اهتمامهم بتلك القمة، ويحدث انقسام. الأشخاص الذين يصنعون القيمة في المقام الأول ينصرفون، وتتراجع القيمة تدريجاً".

"كأس العالم تصبح بطبقتين، وهذا خطر جداً على كرة القدم. فهي لا تملك الضوابط الكافية لمثل هذا التحول".

ومن المفترض أن يكون "فيفا" نفسه هو تلك الضوابط، لكن كل شيء يبدو وكأنه يسير في اتجاه واحد.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة