ملخص
يسود قلق اليوم في إسرائيل من تجدد القتال مع إيران، إذ تشي التوقعات بأن تواجه تل أبيب تحديات صعبة في مجال ضمان حماية الجبهة الداخلية، فيما لم تتمكن بعد من إنجاز منظومة دفاع بديلة، بينما لا يكفي ما تملكه حالياً من صواريخ وبخاصة إذا ما كان القتال بالوتيرة ذاتها أو حتى أقل.
يكفي أن تمر بمركبتك في مدينتي عراد وديمونا جنوب إسرائيل، وفي الأحياء التي تعرضت لسقوط مباشر لصواريخ عنقودية أُطلقت من إيران، لتكشف حقيقة الدمار الذي تتركه هذه الصواريخ.
"عفواً هذه ليست خان يونس ولا رفح"، مثل هذه التعليقات نُقشت كعناوين لصور نُشرت لموقعي سقوط الصواريخ الإيرانية، إذ إن إسرائيل لم يسبق وأن مرت بحالات مماثلة سابقاً، واليوم وفي حين يلوح في الأفق احتمال استئناف الحرب مع إيران، يستعد سلاح الجو لهجوم مفاجئ قد يقرره الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وذلك بعدما تكشفت حقائق إخفاقات منظومات الدفاع في الجولة الأخيرة التي تعرضت خلالها إسرائيل لصواريخ إيرانية أدت إلى دمار في مناطق عدة، ترفض الرقابة العسكرية نشر صور عن بعضها، بينما تعكس صور أخرى نُشرت دماراً كبيراً، مثل ديمونا وعراد وبني براك.
نقص وتقديرات خاطئة
وبرزت ملامح هذه الإخفاقات عندما كُشف عن اختيار منظومة "مقلاع داوود" في مواجهة صواريخ عنقودية بدلاً من صواريخ "حيتس" لأسباب عدة، من بينها الكلفة الباهظة لكل صاروخ يُطلق من منظومة "حيتس"، إذ تشير معطيات وزارة الأمن إلى أن كلفة الصاروخ الواحد تفوق بثلاثة أضعاف كلفة نظيره من "مقلاع داوود"، وكذلك فإن النقص الكبير في المنظومة جعل الطاقم المتحكم في اختيار إطلاق الصاروخ الدفاعي يتردد في إطلاقه أصلاً، إذ كانت التقديرات تشير إلى أنه يتجه نحو منطقة مفتوحة، وفي كثير من الحالات كانت التقديرات خاطئة وسقط الصاروخ الإيراني في منطقة سكنية.
أما السبب الثالث في عدم استخدام صواريخ "حيتس" فهو عدم نجاعتها، وهذا السبب تحديداً دفع إلى وضع خطة لتجديد منظومات بديلة عن منظومة "حيتس" بعدما تبين أن منظومة الليزر ليست بديلاً مفضلاً، ويسود قلق اليوم من تجدد القتال مع إيران، إذ تشي التوقعات بأن تواجه إسرائيل تحديات صعبة في مجال ضمان حماية الجبهة الداخلية، فيما لم تتمكن بعد من إنجاز منظومة دفاع بديلة، بينما لا يكفي ما تملكه حالياً من صورايخ، بخاصة إذا ما كان القتال بالوتيرة ذاتها أو حتى أقل.
وتتوقع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن تمتلك إيران كمية كبيرة من الصواريخ العنقودية ستستخدمها مستغلة نقطة ضعف إسرائيل، بعدما كشف تقرير لسلاح الجو أن معظم الصواريخ التي أطلقتها طهران في الحرب الأخيرة كانت عنقودية.
وهناك جانب آخر يثير نقاشاً وخلافات عميقة، وهو عدم حسم وزارة الأمن الإسرائيلية إنتاج كميات كبيرة من منظومات "حيتس" في وقت سابق، إذ وقّعت إسرائيل على صفقة كبيرة مع ألمانيا لتنتج لها صواريخ "حيتس-3"، بدلاً من ضمان مخزون منظومة الدفاع، وظهرت خلافات أيضاً داخل المؤسسة السياسية، إذ حذر المدير العام لوزارة الأمن، أمير برعام، من عدم حسم مسألة إنتاج منظومات "حيتس"، معتبراً أن النقص الكبير خطر إستراتيجي على إسرائيل وأمنها، فيما نقل تقرير إسرائيلي قول الرئيس السابق لمنظومة الدفاع الجوي العميد احتياط إيلان بيتون إن "هناك من كانوا يرون أن الدفاع أمر مكلف، لأنك تستثمر في صاروخ باهظ الثمن لاعتراض ذخيرة بسيطة، وهذا غير اقتصادي"، وبحسب قوله "يمكن الاستغناء عن الدفاع والاعتماد على الهجوم والردع والحسم".
"العنقودي" نجم حرب "زئير الأسد"
خبير علوم الطيران تال عنبار أوضح أن الصواريخ العنقودية التي أطلقتها إيران خلال الحرب كانت النجم الساطع لـ "زئير الأسد"، خصوصاً بعدما تداولت شبكات التواصل الاجتماعي يومياً عشرات المشاهد في مركز إسرائيل وجنوبها، وأظهرت أن هذه الصواريخ تملأ سماء هذه المناطق من دون قدرة على اعتراضها، واعترف عنبال في تحقيق أجرته مجلة الموقع الاخباري للقناة 12 الإسرائيلية بأن "تل أبيب فوجئت بهذه الصواريخ والكمية التي تعرضت لها"، وقال "صحيح أننا رأينا لمحة منها عام 2025 لكننا أدركنا الآن أن معظم الصواريخ التي أطلقوها علينا كانت من هذا النوع، وهذا بالتأكيد تغيير في طريقة تشغيل قوتهم، ونحن نعرف الصواريخ الانشطارية منذ عشرات الأعوام وهناك أنواع مختلفة منها".
أما الرئيس السابق لشعبة الدفاع الجوي في شركة "رفائيل" العميد احتياط بيني يونغمان، فحاول تبرير خطأ اختيار الوحدة الخاصة لتفعيل المنظومات أو عدم تفعيلها أو استخدام منظومة "مقلاع داوود" بالقول إن "الصواريخ تبدو متشابهة عند إطلاقها أو أثناء طيرانها، ولا يمكن التمييز إن كان هذا صاروخاً برأس حربي عنقودي أو رأس حربي موحّد، وفقط بعد أن ينفصل يمكن تحديد نوع الصاروخ، وأحياناً ربما بناء على معلومات استخبارية مسبقة يمكن معرفة ذلك قبل ذلك".
ويوضح يونغمان أنه "إذا كان الحديث عن رأس حربي عنقودي فهو ينقسم إلى عشرات القنابل الصغيرة، وبالتالي لا يمكن فعل شيء لأن الوقت يكون قد فات لاعتراض مثل هذه القنابل، وكل واحدة منها بحجم قنبلة يدوية على الأكثر"، مشيراً إلى أن "الحاجة إلى اعتراض هذه القنابل الصغيرة ليست فقط غير عملية بل أيضاً غير صحيحة من الناحية الاقتصادية"، ومضيفاً أن "هناك أيضاً رؤوساً حربية يكون عدد القنابل فيها أقل، ولنقل في حدود 10 إلى 15، وكل قنبلة قد يصل وزنها إلى خمسة كيلوغرامات، وهذا قد يسبب ضرراً كبيراً بالفعل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال يونغمان إنه "حتى في هذه الحال عندما ينقسم الرأس الحربي فلا يكون هناك دائماً وقت كاف ضمن الإطار الزمني المتاح لفهم ما حدث واعتراض هذه القنابل"، لافتاً إلى أن "سرعة هذه القنابل عالية جداً وقد تصل إلى 5 آلاف متر في الثانية، وإذا انقسم الرأس على ارتفاع 80 كيلومتراً فكم ثانية يحتاج للوصول إلى الأرض؟"، مشيراً إلى أن إسرائيل بدأت بخطوات تطوير لمنظومة مكمّلة وقادرة على التعامل مع تلك الصواريخ العنقودية التي أصبحت التهديد الأكبر في هذه الجولة، وقال "من جهة المبدأ فهذا ممكن والقبة الحديدية قادرة على اعتراض أهداف من هذا النوع وعلى ارتفاع منخفض، وأعتقد أنه سيجري تطوير أكثر من منظومة واحدة بعد هذه المواجهة، وأستطيع أن أقول إن لدي حلاً بالفعل، لكن لا يمكن الكشف عن التفاصيل".
خيارات سريعة
وإزاء تصعيد الحديث عن إمكان استئناف الحرب على إيران، تبحث إسرائيل في إمكان التزود الفوري بمنظومة داعمة إلى جانب "حيتس"، وهي أميركية متقدمة من نوع "أس أم-3" (SM-3)، وكشف يونغمان عن استخدامها في الحرب الأخيرة، إذ تُطرح هذه المنظومة كخيار، وبحسبه فإن "هذه الصواريخ تُطلق إلى ارتفاعات عالية جداً ونتائجها مذهلة بصورة غير عادية، وتكاد تكون كل ضربة إصابة مباشرة"، مضيفاً أن "هذه الصواريخ باهظة الثمن جداً ولا أستطيع مشاركتكم مدى حجم استخدامها، لكن يمكنني القول إن مشاركتها كانت فعالة جداً، وأن الأميركيين لم يترددوا على رغم الكلفة العالية".
ويمكن لهذه الصواريخ الدفاعية أن تصل إلى ارتفاعات تبلغ مئات الكيلومترات، وشرح يونغمان أهميتها بالقول إن "الصاروخ الذي يُطلق من إيران يصل إلى مسافة تتراوح ما بين 1500 و2000 كيلومتر، وهذا ارتفاع كبير جداً وبعيد من الغلاف الجوي الكثيف الذي يصل لنحو 70 كيلومتراً، وهنا نتحدث عن اعتراضات على ارتفاع مئات الكيلومترات حتى 400 و500 كيلومتر، و'حيتس-2' لا يصل إلى هذه الارتفاعات، فهو يعترض عند حافة الغلاف الجوي، أما 'حيتس-3' فيعترض على ارتفاعات بمئات الكيلومترات أيضاً، وخارج الغلاف الجوي، لكنه لا يصل إلى صاروخ' أس أم -3' في الارتفاعات".