ملخص
قبل عملية "زئير الأسد"، التي بدأت بهجوم على إيران ثم انضم لبنان، عكست تقارير إسرائيلية وضعاً صعباً يعانيه الجيش جراء حربه في غزة وعن إنهاك عشرات الآلاف من الجنود في مقابل ارتفاع عدد الذين يعانون مشكلات نفسية صعبة وأيضاً إعاقات خطرة.
بات واضحاً أن الغضب الذي سبق وعبر عنه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير من قرار المستوى السياسي باستمرار الحرب في لبنان وإبقاء نزع سلاح "حزب الله" كلياً كهدف مركزي مع توسيع السيطرة على المنطقة العازلة، خرج إلى الملأ بعد تسريب معلومات عن أزمة داخلية تعصف بالاحتلال وتفاقمت مع إدخال خمس فرق كاملة إلى جنوب لبنان لتوسيع الحزام الأمني أو ما سماه الإسرائيليون "الخط الأصفر"، مع تصعيد تهديدات وزراء بتعزيز الجنوب بقوات نظامية واحتياط وتكثيف النشاطات العسكرية.
يقول مسؤول عسكري إسرائيلي في سياق تحذيره من خطر تدهور أكبر داخل الجيش، "نعاني نقصاً خطراً في الاحتياط تحديداً، وهناك قلق من احتمال تحركات داخلية لرفض الخدمة بعد أكثر من عامين ونصف العام على الحرب التي اشتعلت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وأنهك الجنود من دون أفق لحل قريب ينهيها"، مطالباً باستدراك الأمر وإنقاذ الوضع. ويلمح إلى أن الحكومة الإسرائيلية ورئيسها بنيامين نتنياهو يفضلون بقاء الائتلاف على أمن إسرائيل واستقرارها واقتصادها ويماطلون في المصادقة على قانون تجنيد الحريديم.
ما الذي يحدث داخل الجيش؟
قبل عملية "زئير الأسد"، التي بدأت بهجوم على إيران ثم انضم لبنان، عكست تقارير إسرائيلية وضعاً صعباً يعانيه الجيش جراء حربه في غزة وعن إنهاك عشرات الآلاف من الجنود في مقابل ارتفاع عدد الذين يعانون مشكلات نفسية صعبة وأيضاً إعاقات خطرة، ثم جاءت خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول غزة لتخفف من هذا الاحتقان الداخلي، لكن سرعان ما عاد بعد إصرار الجيش على إبقاء وحدات عسكرية وإقامة الخط الأصفر واستمرار العمليات.
وما إن اشتعلت حرب إيران حتى عاد نقاش مسألة تجنيد الحريديم والمطالبة بتقاسم العبء في وقت كانت التظاهرات منتشرة في مختلف أرجاء إسرائيل، منذ حوالى شهر، وتطالب بوقف الحرب.
ووفق المسؤول العسكري فإن انضمام "حزب الله" وانفجار جبهة لبنان، كانا مرحلة الذروة في الغضب الداخلي في الجيش بعدما صادقت حكومة نتنياهو على تجنيد واسع للاحتياط، وهذا كله إلى جانب استمرار سيطرة إسرائيل على منطقة عازلة واسعة في سوريا والمواجهات هناك وإنهاك الجنود الذين يوجدون منذ فترة طويلة.
وبعد حوالى شهرين من حرب إيران وصل الوضع داخل الجيش الإسرائيلي إلى تدهور كبير دفع بزامير إلى رفع 10 أعلام حمراء خلال نقاش في المجلس الوزاري الأمني وأعلن صراحة أن قواته تواجه ضغطاً غير عادي وتنهار من الداخل.
تصريحات زامير أثارت نقاشاً وغضباً على المستوى السياسي، إذ جاءت في أعقاب تعدد المهمات للجيش، والضغط على جنود الاحتياط، وغياب التقدم في تشريع قانون التجنيد، وتمديد خدمة الاحتياط، وفي الخلفية إقامة مستوطنات جديدة وتخصيص وحدات عسكرية هناك.
وكان رئيس الحكومة السابق نفتالي بينت أقر بأن الجيش يعاني نقصاً بنحو 20 ألف جندي، بينما قال رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، أفيغدور ليبرمان، إن الجيش الإسرائيلي يمر بأزمة القوى البشرية الأخطر في تاريخه.
تحذيرات كثيرة تجاهلها المستوى السياسي، ومع إقامة الخط الأصفر في لبنان والتهديدات التي تفاقمت أمس الجمعة، بعد يوم من قرار الرئيس ترمب، تمديد وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أسابيع وتجديد الحرب في لبنان، واصل عسكريون الكشف عن ارتفاع أصوات الاحتياط الداعية إلى وقف الحرب، تحديداً بعدما كشف وزير البناء والإسكان زئيف الكين، في مقابلة تلفزيونية أن الجيش ينوي تمديد عمق الحزام الأمني في لبنان حتى 18 كيلومتراً ثم أعلن الجيش احتمال حاجته إلى أكثر من الفرق الخمس المنتشرة في لبنان لضمان تنفيذ بنك الأهداف التي وضعها خلال فترة قصيرة.
هذه الضغوط على الجبهة اللبنانية تتزامن مع نقل الجيش وحدات جديدة إلى غزة لتعزيز القوات المنتشرة هناك، خصوصاً في الخط الأصفر في القطاع وفي سوريا، وفي أعقاب تقارير إسرائيلية تخشى انضمام دمشق إلى الحرب مع لبنان، علاوة على تعزيز قواته وحتى عند الحدود الشرقية مع الأردن، إذ نُقلت قوات احتياط جديدة لتعزيز الحدود لمواجهة الخروقات في الجدار الحدودي، وإلى جانب هذا كله الضفة الغربية باتت منهكة للجنود، وفق وصف جندي نظامي، مشيراً إلى نشاطات المستوطنين المتزايدة.
وبحسب معطيات الجيش الإسرائيلي تنتشر في عمق قطاع غزة فرقتان عسكريتان، وفي الضفة الغربية تعمل 21 كتيبة ممتدة حتى أقصى الحدود في مهمات لم تكن موجودة سابقاً (بما في ذلك السيطرة على مخيمات اللاجئين في شمال الضفة ومهمات في أكثر من 100 مستوطنة جديدة) أما جنوب لبنان فتعمل خمس فرق، وفي سوريا، حيث تحتفظ إسرائيل بالمنطقة العازلة، توجد ثلاث فرق، تعد المنطقة للأعوام المقبلة.
من جانبه قال مسؤول أمني، "هذا النقص بات واضحاً إذ لا يعقل وضع خطط يجري بموجبها تعديل انتشار الجيش في خمس جبهات، في آن واحد، أي إرسال مزيد ومزيد من الجنود لمهمات السيطرة على المناطق الحدودية، مثل لبنان وسوريا وغزة، وبما أن الجيش النظامي مشغول بالكامل، فإن من يملأ الفراغ هم مقاتلو الاحتياط".
وأضاف محذراً "إذا استمر هذا الوضع حتى عام 2027، سيكون هناك جنود يمكنهم تسجيل حوالى ألف يوم احتياط وهذا أمر لا يصدق".
تغيير مفهوم الجيش
وفي تقرير لصحيفة "يديعوت أحرونوت" تطرق إلى قلق المستوى العسكري من أن يؤدي عدم إغلاق ساحات القتال إلى خلق حال موقتة تتحول إلى دائمة، إذ يقول مسؤول أمني "هناك سلسلة مهمات تهدف للحفاظ على المكاسب الميدانية، لكن من دون أفق انتهاء واضح.
على المستوى السياسي، كان يُخطط للوصول إلى نقطة انطلاق أفضل في المفاوضات، لكن استمرار فتح الجبهات يعقد توزيع القوات".
وأوضح المسؤول الأمني أنه "منذ السابع من أكتوبر 2023 تغير مفهوم الجيش الإسرائيلي من العمل من أجل ضمان الأمن إلى الدفاع المبادر. الفكرة وراء ذلك، خلق واقع من المعارك المباشرة ضد أي تهديد يواجه السكان على الخط الحدودي. وهذا يفسر أيضاً ظهور الخطوط الصفراء في قطاع غزة ولبنان".
وبحسبه يطبق الجيش، حالياً، طريقة للتحكم في مزيد من الأراضي بقوات أقل، من خلال إنشاء عدد قليل من المواقع الدائمة وتنفيذ غارات طويلة، وفقاً لمعلومات دقيقة، في لبنان وغزة، والهدف منع العدو من إعادة التمركز، لكن الضغط على القوات يزداد.
في هذه الأثناء ينتظر الإسرائيليون إذا ما كان سيجري تنفيذ الوعد بمناقشة قانون التجنيد الأسبوع المقبل، فحتى الآن لم يجر تحديد موعد ويخشى كبار الأحزاب الحريدية من ألا تفي المؤسسات الدينية بأهداف التجنيد الدنيا في الأعوام الأولى، ويضعون علامات استفهام حول رغبتهم في القانون بالصورة الحالية.
من جانب آخر حتى وإن أراد الحريديم دفع القانون، ووافق نتنياهو، فإن الدعم البرلماني غير مضمون قبل الانتخابات، وهناك نواب في الائتلاف أعلنوا معارضتهم للنص الحالي للقانون.
"خدمة إيران"... الأزمة الأخطر
في مقابل تفاقم الأزمة الداخلية للجيش، تواجه الأجهزة الأمنية ظاهرة تشكل قلقاً مضاعفاً وهي نجاح إيران في تجنيد جنود وضباط من مختلف الوحدات وأخطرها تجنيد جنديين في سلاح الجو الإسرائيلي لمصلحة الاستخبارات الإيرانية وقيام أحدهما بتصوير طائرة إسرائيلية وأبراج مراقبة وإرسال معلومات عن أنظمة وغيرها من المطالب التي تلقيانها من إيراني.
ووفق ما كشف في لائحة الاتهام فقد كتب الإيراني لأحد الجنديين، "مرحباً بك في المستقبل". ووفق المعلومات التي وافقت المحكمة على كشفها فقد تلقى جندي 500 دولار من الإيراني مقابل إرسال وثائق تثبت خدمته العسكرية وفي اليوم نفسه، وأثناء تلقيه تدريباً على الطائرات في القاعدة العسكرية صور الجندي مقدمة طائرة (رفضت المحكمة نشر نوعها) بما في ذلك أبواب الطيارين المفتوحة، وأرسل الصور لمشغله الإيراني. عندما لم يصل المبلغ المتفق عليه بدأ الجندي بالضغط عندها فطالب الإيراني بالمقابل بمهمات أكثر تعقيداً، مثل تصوير طائرة وهي تقلع.
ووفق ما ضبطت الاستخبارات الإسرائيلية في مراسلات الجندي والإيراني، كما جاء في لائحة الاتهام، فقد قال الإيراني للجندي، "قدم نفسك باختصار، أخبرنا عن مهاراتك وما الراتب الشهري الذي تريد أن نوفره لك"، فأجاب الجندي: 1300 دولار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبالفعل وافق الإيراني ثم سأله فيما إذا كان مستعداً للعمل معه فأجاب الجندي "بالطبع، فقط حولوا الدولارات أولاً إلى الحساب". في هذه المرحلة، حسب لائحة الاتهام، قال له الإيراني إنه سيرسل له "هدية لتهدئته" لفهم إذا كان قادراً على "تسليم البضاعة". وللتأكد من أن حساب الجندي فعّال أرسل له 47 دولاراً. في تلك اللحظة، تواصل هذا الجندي مع زميل له في سلاح الجو وجنده للعمل معه بهدف "الحصول على مال سهل"، فوافق.
الجنديان عملا كفنيين بقاعدة في سلاح الجو في مركز إسرائيل، في إطار خدمتهما، كانا مطلعين على معلومات حساسة عن الطائرات والرادارات. حتى اعتقالهما عملا على مدار عام خلال حرب "زئير الأسد" لمصلحة تقديم معلومات لإيران عبر "تيليغرام"، وبحسب لائحة الاتهام "علم الجنديان أن الطرف الآخر عملاء إيرانيون أو يعملون لمصلحة دولة أجنبية أو منظمة إرهابية لجمع معلومات عن دولة إسرائيل أو لأفعال أخرى قد تضر بأمن الدول".
ومما جاء في لائحة الاتهام في أحد الأيام، طلب الإيراني من المتهمين تصوير فيديو لأسعار في سوبرماركت وكفة يدهم ظاهرة مقابل 500 شيكل (168 دولاراً). ذهب الاثنان إلى متجر القاعدة وصورا أحد المنتجات. بعد ذلك طلب الإيراني من أحدهما شراء هاتف جديد. بعد مراسلات طويلة بينهما ركزت أساساً على محاولات الجندي المزاح مع الإيراني وكسب المال، تعمق الاتصال بينهما وباشرا الحديث في "دردشة سرية" على "تيليغرام"، حيث تُحذف الرسائل تلقائياً.
المهمات بدأت، حسب لائحة الاتهام، بتصوير شارع في كيبوتس يقيم فيه الجندي ثم تصوير شاطئ البحر في أشدود. بعد ذلك، طلب الإيراني من أحدهما تصوير فيديو يحرق فيه صورة رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، وطلب كتابة عبارة على ورقة وإلقائها في سلة المهملات. رد المتهم للإيراني بطلب "شيء أقل تطرفاً"، مثل العودة وتصوير الشوارع فقط. فطلب منه الإيراني تصوير نوع معين من الأسلحة، الذي حُجب في لائحة الاتهام عن التفاصيل، ففعل ذلك وأرسلها عبر الإنترنت ففهم الإيراني أنها غير حقيقية، لكن لاحقاً صور الجندي السلاح المطلوب أثناء وجوده في القاعدة، وعرض الإيراني على الجندي حرق سيارة مقابل 3 آلاف شيكل (1004 دولارات)، فرفض.
وشارك الجنديان الإيراني بمعلومات عن نظام طائرة تدريب مزدوجة المقعد واستخدمها أحد الجنديين أثناء اختبار عملي للتحقق من الأنظمة. تصنيف هذه الأنظمة كان سرياً لكن الجندي قام بذلك لإظهار جديته للإيراني والحصول على مبالغ غير أن الإيراني، وفق لائحة الاتهام طالب بمهمات أكثر أهمية وحصل عليها.