ملخص
بينما كان السياسيون يتفاوضون على الازدهار المستقبلي، كانت الأزمة على الأرض تتفاقم، إذ تعطلت شبكات النقل، وزاد الضغط الهائل على 900 موقع للنزوح، مما خلق حاجات طارئة استنزفت أموالاً كانت مخصصة أصلاً للتنمية.
تحت ضوء باهت ينبعث من هاتف محمول شُحن بشق الأنفس عبر وصلة طاقة شمسية متهالكة، يجلس أنور أمام خيمته، يمسح بيده الخشنة ذرات الغبار عن شاشته، ويبدأ في تصفح أخبار غزة. لم يكن يبحث عن عناوين السياسة الكبرى، بل كانت عيناه تلاحقان كلمة واحدة "الإعمار".
يمني أنور نفسه بخبر يقين يخبره متى سيتوقف عن عد أيام النزوح، ومتى سيعود لغرس أول طوبة في أرض بيته الذي استحال ركاماً في خان يونس، لكنه بدلاً من قراءة خبر انطلاق أعمال إعادة بناء القطاع، اصطدم بمذبحة الأرقام.
تائه في فجوة أرقام
توقف أنور طويلاً عند خبر يتحدث عن مجلس السلام الذي يصر على موازنة مقدارها 25 مليار دولار لإعادة بناء القطاع المدمر، ويصفها بأنها رافعة استثمارية لبناء غزة المستقبل، ثم انتقل لخبر آخر تتبناه الأمم المتحدة والبنك الدولي، يؤكد أن فاتورة الدمار الحقيقية لا تقبل بأقل من 71.4 مليار دولار.
بين هذين الرقمين، وجد أنور نفسه تائهاً في فجوة مقدارها 46 مليار دولار، صدمه هذا الجدل العقيم. فبينما يتصارع المخططون في واشنطن وبروكسل حول ما إذا كانت غزة تحتاج إلى أبراج سياحية أم تعويضات إنسانية، شعر وكأن بيته المهدم أصبح مجرد خانة في جدول بيانات لا يراعي أنين أطفاله من البرد.
أغلق هاتفه بمرارة، ونظر حوله إلى واقعه المأسوي، ركام يمتد للأفق ودراجات هوائية تمر بصمت بدلاً من شاحنات الإعمار، وخيم تضيق بقاطنيها. في تلك اللحظة، أدرك أنور أن أزمة إعمار غزة تختزل بين طموحات ورقية تصاغ في الغرف المكيفة، وواقع ميداني ينزف تحت شمس غزة الحارقة، بانتظار قرار يتجاوز كبرياء الأرقام ليلامس وجع البشر.
25 مليار الموازنة التي طلبها مجلس السلام
بعد وقف إطلاق النار في غزة، أظهرت نتائج المسح الميداني أن إعادة بناء القطاع دخلت مرحلة مفصلية تتجاوز البعد الإنساني، لتصبح واحدة من أعقد القضايا الاقتصادية في المنطقة. فحجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والقطاعات الحيوية يفرض تحديات غير مسبوقة، تتطلب استجابات مالية كبيرة ورؤية اقتصادية قادرة على تحويل الإعمار من مجرد استجابة طارئة إلى فرصة لإعادة بناء اقتصاد أكثر صلابة واستدامة.
عندما حمل مجلس السلام على عاتقه إعادة بناء غزة بعد الحرب، وطرحت الولايات المتحدة مشروعاً دولياً تقوده، يهدف إلى تحويل قطاع غزة إلى منطقة اقتصادية واعدة عبر استثمارات ضخمة، وضعت موازنة محددة بقيمة 25 مليار دولار. لكن تلك الكلفة لم تكن نابعة من تقديرات فنية للأضرار الميدانية، بل هي مستمدة من مخطط اقتصادي يعتمد على تحويل غزة إلى مركز اقتصادي إقليمي بدلاً من مجرد إعمار ما دمر.
وزع مجلس السلام الـ25 مليار دولار على خطة زمنية جغرافية تبدأ من الجنوب وتتجه شمالاً، ولم يذهب هذا الرقم كله للبناء التقليدي، وإنما للبنية التحتية والمرافق وللمناطق الصناعية، ولدعم المشاريع الناشئة والتدريب المهني، والأهم من ذلك هو الوجهة السياحية لتحويل القطاع المدمر إلى ريفييرا البحر المتوسط التي تضم أبراجاً وفنادق وناطحات سحاب.
عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن خطته للسلام والازدهار، قال "إنها تنمية اقتصادية شاملة تهدف لتحويل غزة إلى مركز تجاري حديث ووجهة سياحية، لقد ساعدنا خبراء في إقامة بعض المدن المعجزة الحديثة المزدهرة في الشرق الأوسط".
ومن جانبه يقول رئيس فريق تطوير خطة غزة إيري جيلبارد "المبلغ المرصود 25 مليار دولار هو الموازنة الرأسمالية لإطلاق مشاريع البنية التحتية والمناطق الصناعية والسياحية، نحن لا نتحدث عن معونات إنسانية، بل عن خطة استثمارية مصممة لتحويل غزة إلى محرك اقتصادي إقليمي. خطة السلام والازدهار ليست مجرد حلم، بل هي التزام مالي مدروس يهدف لربط الأمن بالازدهار الاقتصادي المستدام".
71.4 مليار دولار كلفة إعادة إعمار غزة
لكن بعد توقف القتال، عملت الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي على مسح الخسائر التي تعرض لها قطاع غزة. وأصدرت هذه الجهات تقريراً مشتركاً، يفيد بأن المبلغ الإجمالي للتعافي وإعادة الإعمار يقدر بـ71.4 مليار دولار، وهي كلفة إزالة الركام وإعادة البناء الأساسي من دون المشاريع السياحية.
تقسم مليارات "التقييم النهائي السريع للأضرار والحاجات في غزة" إلى 35.2 مليار دولار لتعويض الأضرار المادية المباشرة، 22.7 مليار دولار تعويضاً عن الخسائر الاقتصادية والاجتماعية.
تحتاج الأمم المتحدة إلى موازنة تصل إلى 26.3 مليار دولار من أجل التعافي العاجل، وذلك لاستعادة الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والصرف الصحي. استندت هذه المبالغ الضخمة إلى إحصاءات دقيقة للدمار، إذ دمرت أكثر من 371 ألف وحدة سكنية، وأكثر من 50 في المئة من المستشفيات خرجت عن الخدمة تماماً، ودمرت معظم المدارس.
تقول العضو المنتدب لشؤون العمليات بالبنك الدولي آنا بجريد "تقديراتنا لـ71.4 مليار دولار هي نتيجة فحص دقيق للبنية التحتية والقطاعات الاجتماعية، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي للصدقية بين الوعود والواقع".
أما الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية جوزيب بوريل قال "الاتحاد الأوروبي يتبنى أرقام تقرير الحاجات الشاملة، ونرى أن مبلغ الـ71 مليار دولار هو الرقم الواقعي الذي يجب أن تلتف حوله القوى الدولية، مع التأكيد على أن الإعمار لا يمكن أن يحصل من دون انتقال سياسي وإداري واضح".
من جهته، يقول منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط تور وينسلاند "التقارير الفنية الموحدة للأمم المتحدة والشركاء تحدد كلفة إعادة الإعمار بـ71.4 مليار دولار، أي خطط اقتصادية بموازنات أقل من ذلك يجب أن تراجع لتشمل تعويضات السكن والخدمات الأساسية التي تدمرت بالكامل".
فرق كبير
في الواقع، بين الموازنة التي وضعها مجلس السلام وتلك التي قيمتها الأمم المتحدة وشركاؤها، يتبين أن موازنة "مجلس السلام" تغطي فقط 35 في المئة من الحاجات التي أقرتها هذه الشخصيات والمؤسسات الدولية.
يعقب أستاذ الاقتصاد مازن العجلة "خطة مجلس السلام ذات الـ25 مليار دولار تركز على مشاريع استثمارية وسياحية مختارة، أما خطة الأمم المتحدة والبنك الدولي ذات الـ71.4 مليار دولار تغطي الحاجات الشاملة لإعادة الحياة لمسارها الطبيعي".
ويقول "هناك فجوة مالية بنحو 46 مليار دولار، هذا الفارق الكبير خلق ذعراً لدى الممولين وصعوبة في تغطية هذا الفارق الهائل، مما قد يؤدي إلى تراجع ثقة المانحين. فالـ25 مليار المقترحة لا تكفي حتى لتغطية حاجات مرحلة التعافي العاجل بالكامل، وهذا ما يطرح تساؤلاً مهماً: كيف يمكن لـ25 مليار دولار أن تبني فنادق ومنتجعات بينما يحتاج القطاع إلى أكثر من 71 ملياراً فقط لاستعادة مقومات الحياة الأساسية".
يوضح العجلة أن الـ25 مليار دولار هي مرجعية اقتصادية سياسية وضعتها إدارة ترمب وفريقها الاستشاري، وهي تركز على تحويل غزة أكثر مما تركز على تعويض أضرار الحرب بصورتها المباشرة، مشيراً إلى أن الفارق الشاسع يدفع اقتصاديين للقول إن خطة ترمب متعثرة مالياً قبل أن تبدأ بصورة فعلية في القطاع.
تشكيك في الأرقام
تفاجأ مجلس السلام من رقم الـ71.4 مليار دولار الذي طرحته الأمم المتحدة والبنك الدولي، وشكك فيه بعدما رآه مبالغاً فيه ولا يخدم رؤيته الاقتصادية، إذ يقوم على منطق التعويضات والإغاثة التقليدية، بينما تعتمد خطة الـ25 مليار دولار على منطق الاستثمار الرأسمالي.
يقول مدير مشروع غزة في مجلس السلام يائير غاباي "تحويل غزة إلى منطقة تجارة حرة سيجذب استثمارات القطاع الخاص، مما يقلل الحاجة إلى المليارات الحكومية التي تطالب بها الأمم المتحدة، نحن لا نبني مدينة من الخيم والتعويضات، نحن نبني مدينة ذكية جديدة، الـ25 مليار دولار هي وقود المحرك، والباقي سيأتي من الأرباح والقطاع الخاص، وليس من جيوب المانحين فقط".
ويضيف غاباي "تقديرات الأمم المتحدة سياسية تهدف لاستنزاف أموال المانحين، والمبلغ مضخم، لكن مجلس السلام يمتلك تقنيات بناء حديثة قادرة على الإعمار بكلفة أقل بنسبة 40 في المئة من التقديرات الدولية، أيضاً رؤيتنا تختصر الزمن الذي قالت حوله الأمم المتحدة إن غزة تراجعت 77 عاماً".
ويتابع "خطة السلام قادرة على القفز بالقطاع من الدمار إلى الازدهار في 10 أعوام فقط، وهذا لا يتطلب 70 ملياراً بل يتطلب إدارة حازمة وبيئة خالية من السلاح. نحن لا نعتد برقم الأمم المتحدة لأنه مبني على كلف البناء التقليدية والبيروقراطية الدولية. رؤيتنا تعتمد على موازنة مقدارها 25 مليار دولار كقوة دفع استثمارية، لقد وضعنا سقف موازنتنا المالية بناء على دراسات جدوى اقتصادية لشركات عالمية، وليس بناء على تقارير إغاثية".
ويوضح أنه على العالم الكف عن النظر إلى إعمار غزة كبئر لا قاع له من الحاجات المالية، مشيراً إلى أن خطة السلام والازدهار تضع إطاراً مالياً يركز على المشاريع الاستراتيجية التي ستولد دخلاً ذاتياً، أما التقديرات الأممية تشمل أعباء اجتماعية وتاريخية لا يمكن للمستثمرين تحملها".
السبب: غير جذاب استثمارياً
يقول الباحث في الاقتصاد السياسي مؤمن غبن "مجلس السلام لا يعترف برقم الـ71.4 مليار دولار، بل يعتقد أنه شكل عائقاً أمام الحل. هذا التصادم في الأرقام هو ما يفسر تعثر وصول المساعدات، فالمتبرعون يقفون حائرين بين رقم استثماري متفائل 25 ملياراً وبين رقم واقعي كئيب 71 ملياراً".
ويضيف "تشكيك مجلس السلام في بيانات الأمم المتحدة وشركائها، ومطالبة المانحين بـ70 ملياراً هو ما يعطل تدفق الأموال لغزة، لأن المستثمر يهرب عندما يرى فجوة مالية بهذا الحجم".
ويوضح غبن أن مجلس السلام يتبنى استراتيجية تقليل التقديرات لتعزيز الجدوى، لذلك يرفضون رقم الـ71.4 مليار دولار ليس لأنه غير صحيح فنياً، بل لأنه غير جذاب استثمارياً، ويخشون أن يؤدي الاعتراف به إلى هرب المانحين الذين تعهدوا بـ17 ملياراً فقط حتى الآن.
رد الفريق الثاني
لم تقف الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي صامتين أمام انتقادات مجلس السلام، ورأت أن حصر الموازنة في 25 مليار دولار يمثل تغافلاً عن الكارثة الإنسانية، ويهدد بفشل عملية الإعمار قبل بدايتها.
يقول مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أخيم شتاينر "تقدير حاجات غزة بـ25 مليار دولار هو قراءة منقوصة للواقع، أي خطة تتجاهل الـ46 مليار دولار المتبقية ستؤدي إلى نمو اقتصادي وهمي وسط دمار اجتماعي حقيقي. لا يمكنك بناء فنادق ومنتجعات بينما لا يمتلك نصف السكان سقفاً فوق رؤوسهم. الرد الدولي يجب أن يرتكز على رقم الـ71.4 مليار دولار، لأن هذا هو الثمن الحقيقي لاستعادة الكرامة الإنسانية والخدمات الأساسية".
يقول الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل "غزة ليست مشروعاً عقارياً للقطاع الخاص، بل هي قضية إنسانية وسياسية بامتياز. مبلغ الـ25 مليار دولار هو رؤية أحادية الجانب، ونحن في الاتحاد الأوروبي نتمسك بالتقييم الدولي الشامل الذي يحدد الفجوة بـ71 مليار دولار، لن نشارك في تمويل خطة لا تضع الإنسان والعدالة والتعويضات في مقدمة أولوياتها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
انفصال عن الواقع
بينما كان السياسيون يتفاوضون على الازدهار المستقبلي، كانت الأزمة على الأرض تتفاقم، إذ تعطلت شبكات النقل، وزاد الضغط الهائل على 900 موقع للنزوح، مما خلق حاجات طارئة استنزفت أموالاً كانت مخصصة أصلاً للتنمية. وفي ظل المواقف المتباينة بين مجلس السلام والمنظمات الدولية، يبدو أن هناك انفصالاً حاداً بين ما يراه المخططون في واشنطن وبين ما يراه الناس في شوارع خان يونس وأزقة جباليا.
يقول الباحث السياسي أكرم المدلل "التركيز على الأبراج والمشاريع السياحية مثل ريفييرا غزة المقترح لا يتناسب مع الأولويات الميدانية الحالية، إذ يحتاج السكان إلى ترميم 371 ألف وحدة سكنية. تخصص خطة السلام والازدهار جزءاً كبيراً من ملياراتها لمشاريع واجهة بحرية وناطحات سحاب، هذه المشاريع هي التي ستجذب المستثمرين الأجانب، في حين أن العائلات تعيش في خيم فوق الأنقاض، وهذا يدل على وجود خلل في الأولويات وانفصال عن الواقع، لذلك الأولية القصوى يجب أن تكون لإعادة بناء المنازل والمدارس والعيادات".
ويضيف "الـ25 مليار دولار صممت لإعادة اختراع غزة جديدة وليس لمجرد إصلاح ما تدمر، إن خطة المنظمات الدولية تشمل تعويضات المواطنين عن بيوتهم وممتلكاتهم وسياراتهم وترميم البنية التحتية الاجتماعية، بينما مجلس السلام يركز على الميناء والمطار ومحطات طاقة والمشاريع العقارية الكبرى، التي تدر ربحاً، وتترك مسألة ترميم البيوت الفردية للقطاع الخاص أو لمنظمات الإغاثة".
رأي الغزيين
الواقع في غزة يقول إنها أرض مثقلة بالجراح والركام، الخلاف الرقمي ليس مجرد جدل في أروقة الفنادق والمؤتمرات، بل هو نزف حقيقي في معنويات السكان الغاضبين الذين لا يبحثون عن شقق فاخرة في ناطحات سحاب، بل يبحثون عن جدران تؤويهم في أحيائهم الأصلية التي دمرت.
في مخيمات خان يونس، حيث يطهو الناس طعامهم على الحطب، قوبل الحديث عن ريفييرا غزة بنوع من السخرية الممزوجة بالألم. يقول ماجد، وهو أحد المهجرين من شمال غزة، "يحدثوننا عن أبراج وفنادق بـ25 مليار دولار، وأنا لا أجد كيس طحين أو خيمة تقيني المطر. هل سأسكن في ريفييرا ببطاقة نزوح؟ نحن نريد بيوتنا التي هدمت، لا فنادق للسياح".
يرى المواطن أن مبلغ الـ71.4 مليار دولار يمثل الواقع المرير لبيته المهدم، بينما يمثل مبلغ الـ25 مليار دولار شروطاً سياسية، وهذا التباين خلق حالاً من الإحباط عند ماجد، يضيف "هم يتجادلون حول المليارات، ونحن نتجادل حول ثمن ليتر السولار أو سعر إطار الدراجة الهوائية".
ترى هند أن الخلاف الرقمي هو مجرد ذريعة للتأخير، تقول "سواء كانت الموازنة 25 أو 71 ملياراً، المواطن لم يلمس منها شيئاً، الحديث عن التمويل حسب الحاجة هو حقنة تخدير، الحقيقة أن التمويل رهينة للسياسة، بينما بيوت الناس تتحول إلى غبار يوماً بعد آخر".