ملخص
في بدايات الحرب كان الدفاع المدني في غزة يضع الجثامين غير المنتشلة ضمن قوائم المفقودين ومجهولي المصير، غير أن المتحدث باسمه محمود بصل يوضح أن التدقيق في تكرار حوادث اختفاء الجثامين أثبت بالدليل ظاهرة تبخر الجثامين، مبيناً أنه "في واحدة من آلاف الغارات التي استهدفت منازل سكنية ومباني مأهولة، عثر على فروة رأس من دون جمجمة".
وضعت الحرب أوزارها وسكن هدير الطائرات الإسرائيلية من سماء غزة، لكن الهدنة التي منحت الأحياء فرصة للتنفس منحت عائلات أخرى صدمة لم تكن في حجم الردم الذي يغطي قطاع غزة بل في الفراغ الذي اكتشفوه تحت الركام، فعندما هرع الغزيون إلى المواقع التي استهدفتها القنابل الارتجاجية في المواصي والشجاعية، كانت الجرافات ترفع أطنان الأسمنت والجميع يحبس أنفاسه بانتظار خروج جثمان، لكن وللمرة الأولى في تاريخ الحروب كانت هناك بيوت كاملة ترفع أنقاضها فلا يجد المسعفون تحتها أحداً.
تربة غريبة الملمس بدل الجثة
ولم تكن هناك جثث بل كانت هناك فجوات في المكان، وعندما جلس المسعف شادي يحفر مع عائلة قتيل بيديه، لم يجد عظاماً يواريها الأهل الثرى بل وجد تربة غريبة الملمس، ورماداً ناعماً يميل للون الرمادي القاتم يتطاير مع نسمات الهواء الباردة، وكان ذلك الرماد الدليل الوحيد الباقي على أن أجساد الغزيين تعرضت لصواريخ صهرت الكالسيوم في عظامهم، وحولت جثثهم إلى ذرات مجهرية.
يقول المسعف شادي "عندما وصلت المكان وجدت آثار انفجار استثنائي، فقد كان زلزالاً صامتاً في لحظته الأولى ثم جحيماً ابتلع كل شيء، فحول ذلك الصاروخ سقف المنزل المنهار إلى فراغ مجرد قطع أسمنتية صغيرة وكتل خرسانية مفتتة، وعلى الفور أدركت أن المفاجأة لم تأت بعد وثمة شيء غامض حدث".
وعندما حفر المسعف وأفراد العائلة بأيديهم لم يجدوا عظاماً يوارونها الثرى، بل وجدوا تربة غريبة الملمس ورماداً ناعماً يتطاير مع نسمات الهواء الباردة، ويوضح شادي أن ذلك الرماد كان الدليل الوحيد الباقي على أن أحباءهم تعرضوا لقصف صاروخي نتج منه حرارة عالية أدت إلى تحلل أجسادهم على الفور".
وبعد بحث طويل جمع شادي ما يملأ كيساً صغيراً من القماش الأبيض لا يزن أكثر من كيلوغرامين، وعندما فتحته الأم بارتجاف لم تجد ملامح ولا كفاً لتقبله، وإنما رذاذاً متفحماً وقطعاً صغيرة جداً من قماش القميص الذي اشترته له، ويشير المسعف إلى أن "هذا الرماد ليس تراباً بل ما بقي من عظام كانت يوماً تحمل طفلاً يركض، لكنه تعرض لقصف بركاني امتصت الحرارة الناتجة منه كل سوائل الجسد في لمحة بصر وحولت الخلايا إلى غازات".
لا تابوت
ويقول المسعف "لقد استخدمت إسرائيل في حربها على غزة متفجرات حرارية تحللت أجساد الضحايا بسببها وبخّرت اللحم والدم، وتركت القماش شاهداً وحيداً على أن من كان يرتديه مرّ من هنا قبل أن يتلاشى".
وعندما أقيمت الجنازة لم يكن هناك تابوت ثقيل بل كيس صغير يضم حفنة من تراب الموقع، وقد دفنت تلك الحفنة في القبر وكتب عليها الاسم ليكون القبر مجرد إشارة إلى مكان الروح بعد أن عجز الجسد عن البقاء كشاهد مادي، ويوضح شادي "بسبب تبخر أجساد الضحايا دفن الأهالي كيساً يضم بقايا في قبر يحمل اسماً كبيراً، والتبخر هو أن يتحول الإنسان من كائن حي إلى مجرد إشاعة في سجلات المفقودين ورذاذ من الكربون يختلط بتراب غزة".
وتعد قضية تبخر الجثامين أو اختفاء الأجساد في قطاع غزة من الظواهر الصادمة والجديدة التي جرى توثيقها خلال الحرب، حيث سجل الدفاع المدني ووزارة الصحة حالات عدة لم يُعثر فيها على أثر لجثامين الضحايا بعد القصف، أو عُثر على أجزاء ضئيلة جداً في مناطق تعرضت لصواريخ قوية.
حوادث تبخرت فيها الجثث
في سبتمبر (أيلول) 2024 عندما استهدف الجيش الإسرائيلي منطقة خيم النازحين في مواصي خان يونس بغارات عنيفة أحدثت حفراً عميقة تصل إلى 10 أمتار، أكد الدفاع المدني اختفاء عائلات بأكملها من السجلات لعدم العثور على أي أثر بيولوجي لهم، مرجعاً السبب في ذلك لاستخدام قنابل زلزالية ثقيلة في منطقة رملية مما أدى إلى طمر الجثث في أعماق سحيقة وتحللها الآني بفعل الحرارة الهائلة، ويربط المراقبون العسكريون والصحيون هذه الظاهرة باستخدام أنواع معينة من الأسلحة ذات القدرة التدميرية والحرارية الهائلة، أدت إلى تحول فيزيائي وكيماوي كامل للجثامين نتيجة تعرضها لظروف حرارية وضغط يفوق قدرة الأنسجة البشرية على التماسك، وقد جرى توثيق اختفاء الجثامين وتبخرها في محطات قاسية عدة خلال الحرب، أبرزها القصف الذي طال المواصي في خان يونس، والغارة التي استهدفت "مدرسة التابعين" في أغسطس (آب) 2024، وبسببها اندلع حريق هائل وتناثرت الأجساد وجرى تسجيل عدد كبير من المفقودين الذين لم يعثر لهم على أثر.
وأيضاً رصد الدفاع المدني ذوبان أجساد الغزيين الذين سقطوا ضحايا قصف "مخيم الصمود" في مايو (أيار) 2024، وكان أول إعلان من الدفاع المدني عن توقف عمليات البحث لأن الأجساد صهرت عندما استهداف الجيش الإسرائيلي مركز إيواء بجباليا في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
تبخر 2800 جثة
ويبيّن متحدث الدفاع المدني محمود بصل أنه "عندما استهدفت غارة جوية إسرائيلية بصاروخين مباشرين مقر جهاز الدفاع المدني سقط ثمانية من زملائي، فانتشلنا جثامين ستة ولم نعثر على جثمانيْن، وهذا يرجع إلى أن أحد الصاروخين سقط عليهما بصورة مباشرة مما تسبب في تبخر جسديهما تماماً"، موضحاً أن قضية تبخر الجثامين في قطاع غزة برزت خلال الحرب نتيجة استخدام القوة المفرطة من الأسلحة والصواريخ، متابعاً "لا نعلم على وجه اليقين أين اختفت هذه الجثامين وإن تبخرت بفعل الحرارة الهائلة الناجمة عن الصواريخ والقذائف"، لكنه يجزم أن "أرقاماً فلكية من جثامين الضحايا قد تبخرت بالفعل"، مضيفاً أن طواقم الدفاع المدني كانت تتلقى إشارات باستهداف مبنى أو مكان محدد، وعند معاينة الموقع المستهدف ومعرفة أعداد الضحايا ومباشرة العمل تكون المفاجأة بأن الجثامين التي يجري انتشالها لا تتطابق مع أعداد الضحايا المستهدفين.
في بدايات الحرب كان الدفاع المدني يضع الجثامين غير المنتشلة ضمن قوائم المفقودين ومجهولي المصير، غير أن بصل يؤكد أن التدقيق في تكرار حوادث اختفاء الجثامين أثبت بالدليل ظاهرة تبخر الجثامين، وأنه "في واحدة من آلاف الغارات التي استهدفت منازل سكنية ومباني مأهولة عُثر على فروة رأس من دون جمجمة"، ولا تمتلك وزارة الصحة والدفاع المدني أرقاماً دقيقة لأعداد الجثامين المتبخرة، غير أن بصل يقدرها بـ 2800 جثمان اختفت تماماً ولم يعثر لها على أثر.
شهادات طبية
لم يقتصر الأمر على شهادات الدفاع المدني بل رصد أطباء وزارة الصحة حالات تخبر الجثامين، ويقول مدير قسم الجراحة في مجمع الشفاء مروان أبو سعدة "تسلمنا صناديق عبارة عن أكياس تضم أشلاء وأعضاء بشرية متفرقة، مثل جمجمة أو عظمة حوض وأطراف بلا أسماء، وثبت أن إسرائيل تستخدم أسلحة تؤدي إلى تفحم كامل للأجسام"، مضيفاً "استقبلنا جثامين كانت تبدو من بعيد كاملة، لكن بمجرد محاولة الأطباء أو المسعفين رفعها لوضعها في الأكفان كانت تنهار بين أيديهم وتتحول إلى رماد وأجزاء متفحمة تماماً، لأن الحرارة التي تعرضت لها هذه الأجساد اخترقت العظام وصهرتها من الداخل".
ويوضح أبو سعدة "هناك جثامين وصلت إلينا لأشخاص بالغين لكن حجم الجثة كان يوازي حجم طفل صغير، والسبب هو التبخر الكامل للسوائل والأنسجة الرخوة تحت تأثير حرارة انفجار هائلة، مما أدى إلى انكماش الهيكل العظمي وتفحمه"، متابعاً أن "التفسير البيولوجي هو تحول الجسد إلى رماد نتيجة الحرارة تتجاوز 3 آلاف درجة مئوية، إذ إن جسم الإنسان يتكون من 80 في المئة من الماء، وعندما يتعرض الجسم لطاقة تتجاوز 3 آلاف درجة مع ضغط هائل وأكسدة فإن سوائل الجسم تغلي فوراً وتتبخر الأنسجة وتتحول إلى رماد، وهذا أمر حتمي كيماوياً عند استخدام هذا النوع من المتفجرات".
نوعية الأسلحة السبب
وبحسب حديث الدفاع المدني ووزارة الصحة فإن السر في ذلك هو نوعية المتفجرات التي تستخدمها إسرائيل عند قصف الأهداف، ويقول الخبير العسكري العميد رفيق الصفطاوي إن "بعض الصواريخ مصممة لتوليد حرارة تصل إلى آلاف الدرجات المئوية عند الانفجار، وهي حرارة تتجاوز بمراحل ما هو مطلوب لتبخير الأنسجة البشرية وتحويل العظام إلى رماد خلال ثوان معدودة"، مضيفاً أن "استخدام قنابل (MK-84) المعززة في مناطق مكتظة يؤدي إلى ضغط انفجاري وحراري هائل يفتت المادة الحيوية تماماً، فهذه القنابل تزن 2000 رطل وهي مصممة أصلاً لتدمير التحصينات الخرسانية، وعند استخدامها ضد خيم أو بيوت بسيطة تتبخر المادة العضوية فوراً لأنها تحوي كمية ضخمة من مادة 'تريتونال' والتي عند انفجارها تولد كرة لهب مركزة وحرارة تتجاوز 2800 درجة مئوية، وهذه الحرارة كفيلة بتحويل العظام والأنسجة إلى رماد في أجزاء من الثانية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن بين مسببات تبخر الجثامين الأسلحة الحرارية والقنابل الفراغية وقنابل الوقود الجوي، حيث تنتشر سحابة من الرذاذ المتفجر في الهواء ثم تشتعل، ويوضح الصفطاوي أن هذا الانفجار يستهلك كل الأوكسجين المحيط ويولد موجة ضغط وحرارة تستمر لفترة أطول من المتفجرات التقليدية، مؤدية إلى تبخر السوائل داخل الجسم فوراً، مما يسبب تمزقاً كاملاً للأعضاء الداخلية وتفحماً كلياً يحول الجثة إلى كتلة صغيرة متفحمة جداً أو يفتتها تماماً، مبيناً أن أسلحة المتفجرات المعدنية الخاملة الكثيفة وقنابل الهجوم المباشر المشترك (JDAM) والفسفور الأبيض كلها أسلحة تؤدي إلى تبخر الأجساد البشرية أو تحولها إلى أجسام موجودة شكلياً، وبمجرد محاولة رفعها تتحول إلى رماد أو تؤدي إلى انكماش الجثة، إذ تحول جثة شخص بالغ إلى حجم طفل صغير بسبب التبخر الكامل للسوائل والأنسجة الرخوة.
كيف تتبخر الجثامين؟
ويشرح الطبيب رامز العيش ما يحدث للجسم عند تعرضه للانفجارات ذات القدرة التدميرية العالية، موضحاً أنه "عندما تصل درجة الحرارة في مركز الانفجار إلى ما يقارب 3 آلاف درجة مئوية يتبخر الجسم، إذ يحتاج حرق الجثة في المحارق الطبية لتحويلها إلى رماد درجة حرارة ما بين 800 و 1000 درجة مئوية مدة تصل إلى ساعتين، وعندما يتعرض الجسم لثلاثة أضعاف هذه الحرارة بصورة مفاجئة ومركزة تتبخر السوائل في الخلايا فوراً، وتتحول الأنسجة والعظام إلى رماد دقيق جداً يختلط بتراب الأرض وركام الأسمنت، فلا يعود من الممكن تمييزه بالعين المجردة".
ويضيف العيش أن "الانفجار يولد ما يعرف بـ 'موجة الصدمة' وهي ضغط جوي هائل ينتقل بسرعة تفوق الصوت مما يؤدي إلى تذرية الأجسام القريبة من المركز وتحويلها إلى جزيئات وأشلاء مجهرية تتطاير في مساحات واسعة، وفي هذه الحال لا تتبخر الجثة كلياً لكنها تتوزع على شكل رذاذ بيولوجي أو قطع صغيرة جداً تندمج مع الأنقاض، مما يجعل العثور عليها أو جمعها أمراً مستحيلاً لفرق الإنقاذ".
وعن تحول الجثث لهياكل تنهار بمجرد لمسها، يبين العيش أن ظاهرة الرماد الهيكلي تحدث عند التعرض لحرارة مستمرة تتجاوز 1500 درجة مئوية، وهو ما توافره القنابل الحرارية والارتجاجية مثل (MK-84)، وحينها يتحول العظم إلى رماد ينهار بمجرد اللمس.
إسرائيل: نلتزم بالقانون الدولي
تؤكد المنظمات الحقوقية أن تبخر الجثامين ليس مجرد واقعة طبية بل دليل جنائي على استخدام أسلحة غير متناسبة مع البيئة المدنية، ويقول مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة إن "هذا النمط من القتل الجماعي يشكل انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها مبدأ التمييز ومبدأ التناسب، وحظر استخدام القوة المفرطة، وهو دليل إضافي على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بحق المدنيين المحميين، مما يستدعي مراجعة شاملة للآليات القانونية الدولية وتعزيز إجراءات المساءلة والردع".
وتتبنى إسرائيل إستراتيجية دفاعية تعتمد على نفي استخدام أسلحة غير تقليدية أو محرمة دولياً، وترجع أسباب الدمار الهائل واختفاء الجثامين لطبيعة الميدان العسكري في غزة، إذ يقول متحدث الجيش الإسرائيلي نداف شوشاني "نحن نستخدم ذخائر دقيقة بناء على معلومات استخباراتية، لكن 'حماس' تضع مراكز قيادتها ومخازن أسلحتها تحت المنازل والمدارس، والانفجارات التي تلي غاراتنا هي نتيجة تفجير مخازن الصواريخ والوسائل القتالية الموجودة في تلك المواقع"، مضيفاً أن "جميع الأسلحة المستخدمة تتماشى مع القانون الدولي والجيش الإسرائيلي ملتزم بالقانون الدولي، والذخائر التي نستخدمها قياسية تستخدمها الجيوش الحديثة، أما الحديث عن استخدام أسلحة تذيب الأجساد فهذا جزء من البروباغندا التي تروجها الفصائل في غزة لتشويه صورة عملياتنا".