ملخص
انعكاسات الوضع في مالي ستشمل ليبيا لاسيما مناطق وجود الطوارق، لأنهم سيسعون لتحقيق وجودهم ونزع اعتراف سياسي واجتماعي من قبل الدولة الليبية.
أكد المتحدث باسم جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، أبو حذيفة البمباري، المعروف بـ"بينا ديارا" مساء الثلاثاء، بدء فرض "حصار شامل على العاصمة المالية باماكو"، وقال في فيديو نشره على وسائل التواصل الاجتماعي، إن الجماعة المرتبطة بفرع "القاعدة" في المغرب نفذت عملية مقتل وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا.
وهدد البمباري باستهداف المدنيين الماليين في حال "الوقوف بين عناصر الجماعة والجيش"، موضحاً أنهم "سيصبحون أهدافاً في حال تجاهل هذا التحذير"، وفق ما جاء على لسانه.
تطورات جاءت مباشرة بعد مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا واختفاء رئيس مالي أسيمي غويتا، وكانت مالي قد شهدت هجوماً انتحارياً شنته "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (القاعدة) على معسكر كاتي بعد تحالفها للمرة الأولى مع حركة "أزواد الطارقية" نسبة لمكون الطوارق، وهي قبائل تمتد في دول عدة من شمال أفريقيا وعلى رأسها ليبيا.
وبعد أحداث مالي خرجت غرفة عمليات تحرير الجنوب (مناهضة لمعسكر المشير خليفة حفتر) في مقطع مرئي، أعلنت فيه عن انطلاق عمليتها العسكرية لتحرير الجنوب الليبي من "الظلم والعبودية"، مؤكدة مشاركة كل قبائل الجنوب الليبي فيها، داعية عناصر حفتر للانسحاب من جميع النقاط الأمنية حتى لا يكونوا هدفاً لهجوم غرفة تحرير الجنوب.
وبرزت تحذيرات من انتقال الصراع في مالي نحو دول الجوار ومنها ليبيا، بخاصة بعد فشل الفيلق الأفريقي- الروسي في حماية ودعم حلفائه على غرار النظام المالي، مؤكدين أن التحالف بين جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" وحركة "أزواد الطارقية" سيطارد الفيلق الروسي في بقية الدول الأفريقية وعلى رأسها ليبيا، التي تعد نقطة انطلاق حقيقية لتوغل روسيا في دول الساحل والصحراء الأفريقية، مستغلين ورقة الأجندات العرقية في الجنوب الليبي الذي يسيطر عليه الجيش الليبي بقيادة المشير خلفية حفتر.
ويحتوي الجنوب الليبي على حقول نفطية رئيسة أبرزها حقلا الشرارة والفيل، اللذان ينتجان نحو 40 في المئة من إجمالي الإنتاج النفطي المقدر بـ 1.43 مليون برميل نفطي يومياً.
منطقة هشة
ووصف المحلل السياسي المتخصص بالشؤون الليبية والدولية، سعد الدينالي، ما يحدث في مالي ودول الساحل والصحراء الأفريقية بـ"الصراع الدولي الخفي"، منوهاً أن التمدد الروسي استطاع أن يتوسع في هذه الدول في فترة من الفترات التي كانت فيها أوروبا منشغلة بملفات أخرى، فترة تمكنت فيها موسكو من التمدد في دول عدة توصف كمنطقة نفوذ أوروبي وتحديداً فرنسي على غرار مالي.
وقال في حديث خاص إن ما يحدث الآن هو نوع من أنواع التزاوج بين الجماعات الإسلامية المتجددة، على غرار جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" وبعض التركيبات القبلية والعرقية في تلك المناطق مثل الطوارق.
وأكد أن هذه التركيبات العرقية لها امتدادات في دول عدة من بينها ليبيا والجزائر وغيرها، وأنه أمر يهدد الوضع في هذه الدول التي توجد فيها هذه التركيبات القبلية. وأوضح أن المسألة ليست تخوين قبيلة الطوارق في ليبيا، ولكن المنطقة تعيش حالة من صراع المشاريع والتحالفات، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تستثني ليبيا من الصراع الحاصل الآن في مالي، بخاصة أن ليبيا تعد المنفذ الأكبر للفيلق الأفريقي- الروسي للدخول إلى أفريقيا. فالفيلق الروسي لا يعتبر ليبيا دولة مستقرة وإنما قاعدة انطلاق نحو العمق الأفريقي.
وقال المتخصص بالشؤون الليبية والدولية، إنه لمحاربة الفيلق الأفريقي- الروسي وأنصاره في دول العمق الأفريقي، يجب التوجه نحو قطع الإمدادات عليه وتقليص وجوده في البلد، مشدداً على أن الجنوب الليبي مهدد بصورة واضحة، قائلاً إن البيانات التي جاءت على لسان غرفة عمليات تحرير الجنوب الليبي مباشرة بعد اندلاع الصراع في باماكو المالية، برعاية جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" وحركة "أزواد الطوارق"، تؤكد أنها على تواصل بهذه التنظيمات الإرهابية والمجموعات العرقية الموجودة في تلك الدول.
مخطط دولي
ولم يستبعد الدينالي وجود دول بعينها خلف هذه الهجمات بهدف تقليص التمدد الروسي في أفريقيا، وبالتالي الخطر شاخص ومهدد للجنوب الليبي بالذات، وفق تصريحاته، إذ من المتوقع أن تهاجم هذه التحالفات المتطرفة والقبلية الفيلق الأفريقي- الروسي في مختلف قواعده.
وقال إن الخطر الحقيقي على الجنوب الليبي يتمثل في أنه منطقة هشة، فالتكتلات البشرية فيه متباعدة، إضافة إلى وجود نوع من الصراع بين التركيبات الاجتماعية والقبلية غير المتجانسة، واصفاً الأمر بالخطير لأنه قد يتسبب في دخول أطراف أخرى إلى حلبة هذا الصراع. فأعداد القوات المسلحة الليبية الموجودة هناك غير كافية بحكم طول الحدود الجنوبية (1790 كلم) المطلة على بلدان تعاني صعوبات اقتصادية وسياسية وأمنية، على غرار التشاد السودان والنيجر، مشيراً إلى أن المنطقة صحراوية، والحروب فيها صعبة وتحتاج إلى إمكانيات كبيرة بخاصة في ظل استمرار فرض حظر التسلح على ليبيا منذ عام 2011.
وحذر من خطر تمدد هذه القوات المتطرفة داخل الحدود الجنوبية الليبية وسيطرتها على منابع النفط والمياه، بخاصة أن هذا الأمر سيشكل تهديداً وجودياً على الليبيين، وسيخلق مشكلة أخرى ستطول معالجتها ما لم يتدارك الليبيون الوضع، لا سيما في إقليم فزان، داعياً لفرض استعدادات أمنية عالية وكافية لمواجهة هذا الخطر.
تهديدات خطيرة
من جهته، أكد المحلل السياسي عبدالله الغرياني، أن هذه التطورات تهدد بصورة مباشرة الأوضاع في ليبيا وتضعها أمام أخطار أمنية وعسكرية، على خلفية ما يحدث في مالي من تصعيد مسلح وسيطرة متواصلة على مدن الشمال والجنوب، بما في ذلك العاصمة باماكو.
وتابع أن تداخل الأجندات هناك له ارتباطات مباشرة بليبيا كون هذه التنظيمات والجماعات المسلحة نشطت في وقت سابق داخل الصحراء الليبية، وكانت قيادات تنظيم "القاعدة" والفصائل العرقية الأخرى، التي تنطوي تحت مظلة "حركة تحرير أزواد"، تتحرك في ليبيا حتى وقت قريب، قبل سيطرة الجيش الليبي على كامل هذه المنطقة، إذ يعتبر مثلت ليبيا حديقة خلفية لهؤلاء المقاتلين.
وقال إنه كان لهذه المجموعات المتطرفة نشاط عابر للصحراء من خلال التمدد داخل حدود دولة النيجر، وصولاً لمثلت السلفادور بالجنوب الغربي لليبيا، والذي مثل لوقت من الزمن شرياناً هاماً لهذه الفصائل خلال مراحل تاريخيّة متعددة، ومنها مرحلة نظام القذافي الذي استخدم المجاميع العرقية داخل هذا الحراك في المعارك المسلحة في عام 2011، والتي خاضها ضد المعارضة المسلحة. حين قام نظام القذافي بتزويدهم بالسلاح الخفيف والثقيل والأموال، الأمر الذي جعل هذه الجماعات تزداد نفوذاً وسيطرة وتغولاً وصل إلى حرب مسلحة، جرى من خلالها اجتياح شمال مالي والسيطرة على أهم مدنها على غرار كيدال في عام 2012، والتي سقطت اليوم من جديد في يد ذات الجماعات المتطرفة المتجددة.
ونبه أنه على رغم اهتمام "حركة أزواد الطارقية" بالإطار المسلح في مالي ومطالبتها باستقلال إقليم أزواد، لكنها تتداخل مع النيجر في ارتباطات عرقية ولوجيستية تتعلق بالسيطرة على خطوط الإمداد وخلق امتداد جغرافي يؤمن الإقليم وبقية الكيان الديموغرافي حتى ليبيا.
ونوه الغرياني أن شعب الطوارق هو المكون الأبرز داخل تحالفات الحركة العرقية "أزواد"، مؤكداً أنه قد تستطيع الجزائر حماية أمنها القومي وحدودها المشتركة مع بؤر التوتر، لكن يظل الرهان كبيراً جداً على جغرافية ليبيا المترابطة بصورة مباشرة مع هذا الإقليم الكبير والمضطرب، إضافة إلى مدى قدرة القوات العسكرية الليبية التابعة للقيادة العامة التي يقودها المشير خليفة حفتر، على التعامل مع هذه التهديدات الكبرى، بخاصة مع تنامي طموحات الحركات المتمردة المسلحة، على غرار ما حدث في معبر التوم في مستهل العام الحالي على يد غرفة تحرير الجنوب الليبي، حين ظهرت مجاميع ذات خلفيات عرقية، مرتبطة هي الأخرى بالمتطرفين وهاجمت وهددت أمن الجنوب الليبي، وهي مرتبطة بتنظيمات في مالي. وقد تكون مدعومة إقليمياً من الدول التي تتعارض سياستها مع الوجود الروسي في الساحل الأفريقي والأنظمة العسكرية المدعومة من قبله، كالتي في مالي والنيجر، وهذا يتضح من خلال الهجمات التي نفذت في الوقت ذاته على مطار العاصمة النيجرية نيامي والهجوم المتزامن على معبر التوم الحدودي بين ليبيا والنيجر.
موجة نزوح
وحذر من أن الوضع الأمني في جنوب الليبي مهدّد بصورة مباشرة، ونهاية الأحداث المسلحة قد تنتج واقعاً لمصلحة هذه الفصائل الانفصالية والأخرى المتطرفة التي تتشارك في الأهداف والتوجه والوجود السابق في ليبيا، إذ يعد نقل الصراع إلى صحرائها من ضمن الأهداف القائمة.
ودعا ليبيا للتحرك والمطالبة بضرورة إيقاف التصعيد والتأكيد على وحدة أراضي مالي والحد من الصراع الإقليمي والدولي في هذه الجغرافيا، وأن تراعي الدول المتداخلة خصوصية وخطورة هذا الصراع على الأمن القومي الليبي، المرتبط بصورة مباشرة بأمن دول المنطقة، ومنها المحورية مثل تشاد والسودان ومصر، ومن بعد ذلك دول الساحل الأفريقي والتي لها علاقة بأمن البحر المتوسط.
ونوه أن حراك المتطرفين والانفصاليين سيكون مُكلفاً جداً على الأمن الإقليمي إذ تعتمد هذه الجماعات على خطط تمويل لها ارتباط بتهريب المهاجرين ونقل المخدرات وتهريب السلاح. وهذا قد يأتي فعلياً بموجة نزوح لا تتوقف إلا داخل الصحراء والساحل الليبي، والذي سيكون خطره ممتد حتى على تونس والجزائر. لذلك يجب أن تكون هناك حركة دبلوماسية عاجلة تعالج الموقف وتتوجه نحو الأطراف الإقليمية والدولية المغذية لهذا الصراع المسلح، بإيقاف هذه التهديدات وإبعادها وضمان أمن وسلامة دول المنطقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كذلك يمكن تأسيس قنوات تواصل عاجلة مع المكونات العرقية التي لديها علاقات سابقة في إطار الأنشطة المسلحة بالطابع العرقي أو المتطرف، التي شهدتها ليبيا، وتحذيرها من خطورة إنعاش هذا الخطر الذي قد يؤدي لإشعال صراع يهدد المصلحة الوطنية الليبية الداخلية وجوارها العربي والأفريقي، لأن أمن هذه الدول هش منذ زمن طويل، وطوال العقود الماضية لم تتعامل الدولة الليبية بحسم اتجاه هذا الملف، وألتفت عليه في عهد نظام القذافي الذي تورط في دعمه وتمويله من منطلقات وسياسات قائمة حينها، أبرزها التوجه الأفريقي والدعم العرقي للطوارق من داخل وخارج الجغرافيا الليبية، وتدريبهم لفترة على السلاح واستخدامهم بعد ذلك في حروبه داخل وخارج ليبيا مثل حربه ضد تشاد تحت مسمى (الفيلق الإسلامي).
وعن تأثير هذا التحالف بين مجموعة "نصرة الإسلام والمسلمين" و"جبهة تحرير الأزواد" ممثلة في الطوارق، المكون القبلي الممتد في عدد كبير من دول شمال أفريقيا، قال المتخصص بالشؤون الأفريقية بمركز الجزيرة للبحوث محمد تورشين، إن "اضطهاد هذا المكون وحرمانه من حقوقه المدنية والسياسية من قبل رؤوس السلطة في ليبيا، سيفتح المجال أمام سيناريوهات عدة من بينها أن هذه المجموعات كما انتقلت في عام 2011 إلى عدد من الدول الأخرى بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق معمر القذافي، ستعمل بصورة أو بأخرى لتقوية نفسها الآن في مالي، ثم ستنتشر في بلدان أخرى مثل ليبيا مستغلة امتدادها الديموغرافي هناك .
الفيلق الروسي
وأوضح أن "السيناريو الآخر يتمثل في تحالفها مع عدد من المجموعات المسلحة التي ستقدم لها التسهيلات، لتقوم من ثمة بهجمات مسلحة في المعسكرات وضرب الوجود العسكري لحفتر، مستهدفة قواعد الفيلق الأفريقي- الروسي في ليبيا. وذلك بالتحالف مع غرفة عمليات تحرير الجنوب التي ستركز في هجومها على الأطراف الليبية، التي لا ترغب في منح الحقوق المدنية والسياسية للطوارق في ليبيا.
وأشار تورشين إلى أن تحالف غرفة عمليات تحرير الجنوب الليبي وجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" سيكون ضد مشروع حفتر بالمال والعتاد والخبرات العسكرية، لا سيما أن هناك مجموعات كجماعة المرابطين لديها معرفة ودراية بطرق التهريب والإتجار بالبشر في ليبيا، وهي طرق تدر أموالاً كثيرة على خزينة هذه الجماعات المسلحة، وبالتالي يمكن أن تكون هذه الأحداث التي تشهدها ليبيا (إعلان غرفة عمليات تحرير الجنوب عن انطلاق عمليات عسكرية في الجنوب الليبي)، مدخلاً لتقوية الطوارق، وبالتالي عودتهم للجنوب الليبي لفرض واقع جديد في ليبيا، انطلاقاً من الجنوب، حتى لا يجري إبعادهم من المعادلة السياسية. وأكد أن انعكاسات الوضع في مالي ستشمل ليبيا لا سيما مناطق وجود الطوارق، لأنهم سيسعون لتحقيق وجودهم ونزع اعتراف سياسي واجتماعي من قبل الدولة الليبية.