ملخص
بدأت قصة الصواريخ العابرة القارات في الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، عندما ابتكر الألمان صاروخ "فاو-2"، وكان أول صاروخ باليستي موجه بعيد المدى في العالم، مشكلاً قفزة تكنولوجية جمعت بين علم الصواريخ والحرب بطريقة غير مسبوقة.
توصف الصواريخ العابرة للقارات عسكرياً بأنها كل صاروخ يستطيع قطع مسافات أبعد من 5500 كيلومتر، وهي من الأسلحة الاستراتيجية القادرة على حمل رؤوس نووية.
وتشكل هذه الصواريخ اليوم عامل ردع وتوازن بين الدول التي تمتلكها، فقدرتها على التحليق لمسافات بعيدة وحملها لرؤوس نووية وضربها للأهداف بدقة عالية يجعل منها سلاحاً مرعباً وفتاكاً، فمتى ظهرت هذه الأسلحة، وكيف تطورت، وما أقواها في العالم؟
قصة البداية
بدأت قصة الصواريخ العابرة القارات في الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، عندما ابتكر الألمان صاروخ "فاو-2"، وكان أول صاروخ باليستي موجه بعيد المدى في العالم، مشكلاً قفزة تكنولوجية جمعت بين علم الصواريخ والحرب بطريقة غير مسبوقة.
ابتكر مصمموه محركاً قوياً يعمل بالوقود السائل، يحرق مزيجاً من الكحول والماء مع الأوكسجين السائل، وصمموا هيكله الذي يبلغ طوله 14 متراً للطيران بسرعة تفوق سرعة الصوت، وطوروا نظام توجيه جيروسكوبي يستخدم جيروسكوبات ومقاييس تسارع داخلية للتحكم في مساره. وفي الـ20 من يونيو (حزيران) 1944، وصلت رحلة تجريبية له إلى ارتفاع 175 كيلومتراً، ليصبح "فاو-2" أول جسم من صنع الإنسان يدخل الفضاء.
على رغم هذا الإنجاز، فشل الصاروخ كسلاح استراتيجي، إذ كان نظام توجيهه بدائياً وفقاً للمعايير الحديثة، ولم يصب أهدافه بدقة. وظهرت الأهمية الحقيقية للصاروخ بعد هزيمة ألمانيا، حين أدرك الحلفاء المنتصرون الإمكانات الثورية لهذه التكنولوجيا. وفي الأيام الأخيرة من الحرب وما تلاها مباشرة، بدأت عملية تنافس محمومة، إذ أطلقت الولايات المتحدة عملية "بيبركليب"، وهي برنامج سري لتجنيد كبار علماء الصواريخ الألمان، بمن فيهم فيرنر فون براون وفريقه، ونقلتهم إلى أميركا.
في المقابل أطلق الاتحاد السوفياتي عملية "أوسوفياخيم"، ونقل آلاف الفنيين والمتخصصين الألمان قسراً لدعم برامجه، واستولى على مرافق إنتاج "ميتلفيرك"، وبدأ في إعادة إنشاء خط تجميع "فاو-2".
وهكذا أصبح السلاح الذي فشل في إنقاذ النظام النازي النواة التكنولوجية لسباق التسلح بين القوى العظمى، ووضع الأساس لبرامج الصواريخ الأميركية والسوفياتية، موفراً تسلسلاً تكنولوجياً مباشراً لأولى الصواريخ الباليستية العابرة للقارات.
مبارزة الحرب الباردة
في العقد الذي تلا الحرب العالمية الثانية، خضعت تقنية صاروخ "فاو-2" للدراسة والهندسة العكسية والتحسين من القوتين العظميين. وبينما ركزت الولايات المتحدة في البداية على الصواريخ التكتيكية الأصغر حجماً وصواريخ البحوث الجوية، سعى الاتحاد السوفياتي، بقيادة كبير المهندسين سيرغي كوروليف، إلى تحقيق هدف أكثر طموحاً يتجسد بصاروخ باليستي عابر للقارات قادر على ضرب الولايات المتحدة برؤوس حربية نووية حرارية ثقيلة للغاية. وكانت نتيجة هذا الجهد المركز ظهور صاروخ "آر-7"، المعروف باسم "سيميوركا".
اختبر الصاروخ في الـ21 من أغسطس (آب) 1957، محلقاً لمسافة تزيد على 6 آلاف كيلومتر قبل أن يتفكك رأسه الحربي الوهمي عند دخوله الغلاف الجوي فوق شبه جزيرة كامتشاتكا، وهذا ما شكل حينها صدمة تكنولوجية واستراتيجية للغرب. واستخدمت مشتقات الصاروخ لإطلاق مركبة "سبوتنيك 2" التي حملت الكلبة "لايكا"، ومسباري "لونا" إلى القمر، والأهم من ذلك كله، مركبة "فوستوك" الفضائية التي حملت رائد الفضاء يوري غاغارين كأول إنسان في المدار في عام 1961.
في المقابل بدأ برنامج "أس أم 65 أطلس" من القوات الجوية الأميركية في وقت مبكر من عام 1946، لكن تطويره كان معقداً ومليئاً بالإخفاقات المبكرة. وبعد سلسلة من الانفجارات على منصة الإطلاق، أجريت أول رحلة ناجحة كاملة المدى للصاروخ في عام 1958، ودخل حيز التشغيل في قاعدة "فاندنبرغ" الجوية في عام 1959.
وكما هي الحال مع صاروخ "آر-7"، وجد صاروخ "أطلس" غايته الحقيقية كمركبة إطلاق لبرنامج الفضاء الأميركي، وكان هيكله القوي هو ما تحتاج إليه وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" تحديداً للمنافسة في سباق الفضاء. وفي عام 1962، أطلق صاروخ "أطلس دي" كبسولة "فريندشيب 7" إلى مدارها، ليصبح جون غلين أول أميركي يدور حول الأرض، محققاً بذلك نصراً وطنياً حاسماً. وواصلت الولايات المتحدة بناء نسخ معدلة من الصاروخ، أبرزها صاروخ "أطلس سنتور"، الذي استخدم الهيدروجين السائل عالي الطاقة كوقود لمرحلته العليا، وأسهم في إطلاق عشرات الأقمار الاصطناعية العلمية المهمة.
ظهور تقنية المركبات النووية متعددة الرؤوس الحربية
بعد ذلك ظهر ابتكار تكنولوجي آخر من شأنه أن يصعد سباق التسلح بصورة كبيرة، ألا وهو المركبات النووية متعددة الرؤوس الحربية، وبذلك وبينما كان الصاروخ الباليستي التقليدي يحمل رأساً حربياً واحداً إلى هدف واحد، بات الصاروخ المزود بهذه التقنية يحمل حمولة تحوي رؤوساً حربية عدة. وكانت الولايات المتحدة أول من أتقن هذه التقنية المعقدة، التي تطلبت تطوير رؤوساً حربية نووية حرارية مصغرة وأنظمة مناورة فضائية عالية الدقة، وقد نشرت رؤوساً حربية متعددة على صواريخ "مينيوتمان 3" العابرة للقارات في عام 1970، وعلى صواريخ "بوسيدون" التي تطلق من الغواصات عام 1971. وحذا الاتحاد السوفياتي، بصواريخه الأكبر حجماً حذوها في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ليتمكن في نهاية المطاف من وضع ما يصل إلى 10 رؤوس حربية على صاروخ "أر 36 أم".
كان الأثر الاستراتيجي للتقنية هائلاً ومزعزعاً للاستقرار، وتمثل في جعل أنظمة الدفاع الصاروخي المضادة للصواريخ الباليستية عتيقة، فأصبح بإمكان المهاجم إضافة ثلاثة أو خمسة أو حتى 10 رؤوس حربية جديدة إلى ترسانته بكلفة بناء صاروخ واحد جديد. أما المدافع، فكان عليه بناء عدد مماثل من صواريخ الاعتراض باهظة الثمن لمواجهتها.
التحدي الفرط صوتي
مع تحديث القوى العظمى لقواتها التقليدية من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، برز في الأعوام الأخيرة نوع جديد من الأسلحة يحمل إمكانات ثورية يعرف باسم الصاروخ الفرط صوتي. وبعدما سافرت الصواريخ الباليستية بسرعات فرط صوتية (أكثر من 5 ماخ، أي خمسة أضعاف سرعة الصوت)، يشير المصطلح الآن إلى فئة جديدة من الأسلحة تجمع بين هذه السرعة، والقدرة على المناورة المستمرة داخل الغلاف الجوي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يوجد نوعان رئيسان من هذه الصواريخ، وهما صواريخ "كروز" الفرط صوتية وتعمل بمحركات متطورة تسمى محركات "سكرامجت"، مما يسمح لها بالتحليق بسرعات فرط صوتية مستدامة. أما النوع الثاني المعروف بالمركبات الانزلاقية الفرط صوتية، فتمثل تحدياً استراتيجياً أكثر إلحاحاً، فهي عبارة عن رأس حربي غير مزود بمحرك، قابل للمناورة، يطلق إلى ارتفاعات عالية بواسطة معزز صاروخ باليستي تقليدي. وبعد انفصاله عن المعزز، ينزلق عائداً للأرض، مستخدماً قوى الديناميكا الهوائية للمناورة بصورة غير متوقعة على طول مسار شبه مستو.
إن هذا المزيج من السرعة الفائقة والقدرة على المناورة هو ما يجعل الأسلحة الفرط صوتية بهذه الخطورة، ذلك أن الصواريخ الباليستية التقليدية تتبع مساراً عالياً مقوساً يمكن التنبؤ به، وقد صممت أنظمة الدفاع الصاروخي لتتبع هذا المسار وحساب نقطة اعتراضه بدقة. في المقابل، يمكن للصاروخ الفرط صوتي تغيير مساره وارتفاعه، مما يجعل مساره غير قابل للتنبؤ. كما أنه يحلق على ارتفاع أقل بكثير من رأس الصاروخ الباليستي، ويبقى من دون مستوى رصد عدد من الرادارات بعيدة المدى طوال معظم مساره.
أقواها في العالم
أما بخصوص أقوى الصواريخ العابرة للقارات الموجودة حالياً في العالم، فيعتبر صاروخ "آر إس-28 سارمات" أقوى صواريخ روسيا الباليستية العابرة للقارات على الإطلاق، ويتميز بوزن إطلاق يتجاوز 200 طن ومدى يصل إلى 18 ألف كيلومتر تقريباً، وهذا ما يمكنه من تدمير أي هدف تقريباً على سطح الأرض. وبفضل حمولته الكبيرة، يحمل الصاروخ رؤوساً حربية متعددة، بما في ذلك رؤوس حربية متعددة مستقلة التوجيه ومركبات انزلاقية فرط صوتية. كما يستطيع الصاروخ اتخاذ مسارات غير تقليدية، بما فيها مسارات فوق القطب الجنوبي، وهذه نقطة تميزه عند مقارنته بالصواريخ المنافسة.
وعلى الضفة المقابلة، تمتلك الصين صاروخ "دونغ فينغ 41" بمدى يراوح بين 12 و15 ألف كيلومتر، ويستطيع هذا الصاروخ الوصول إلى أهداف في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ويحمل ما يقارب من 10 رؤوس نووية قابلة للتوجيه بصورة مستقلة. وبفضل قدرته على الحركة ومجموعة التدابير المضادة، يصعب للغاية شن ضربات استباقية ضده.
وتستخدم الولايات المتحدة وبريطانيا صاروخ "يو جي إم-133 ترايدنت 2" على متن غواصات "أوهايو" الأميركية و"فانغارد" البريطانية، ويصل مداه إلى 12 ألف كيلومتر. ويتميز الصاروخ بدقة عالية جداً ويخضع لتحديثات مستمرة، مما يضمن استمرارية تشغيله حتى أربعينيات القرن الحالي. من جانبها تمتلك كوريا الشمالية صاروخ "هواسونغ-18" الذي يعمل بالوقود الصلب، وتشير الاختبارات إلى أنه قد يصل مداه إلى الولايات المتحدة، إذ يظهر قدرة تقريبية يبلغ مداها 15 ألف كيلومتر.