Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأردنيون يوثقون الماضي بنوستالجيا رقمية

مجموعات افتراضية تعيد بناء الماضي بتفاصيله المنسية ومعالمه المندثرة ووثائقه وفواتيره وعقوده ودعوات الزفاف

وسط الضغوط التي يعيشها الأردنيون تمنح هذه "النوستالجيا" نوعاً من الاستقرار النفسي لبعضهم (مواقع التواصل)

ملخص

كيف تحولت التفاصيل المنسية وصور خزائن البيوت وجدرانها وذكرياتها وشوارع عمان القديمة إلى وثائق تاريخية تنافس الأرشيف الرسمي بجهود عفوية.

لم يعد الحنين إلى الماضي مجرد شعور عابر لدى الأردنيين، بل تحول إلى فعل رقمي منظم يتم توثيقه على منصات التواصل. فبينما تتغير ملامح عمان الجغرافية بسرعة مذهلة، يبرز نشاط بعض السكان القدامى للأحياء العمانية العريقة عبر "نوستالجيا" فريدة كأداة لاستعادة ذاكرة المكان.

وبينما تتراجع مساحات الأحياء والمنازل القديمة في عمان لمصلحة مشاريع "المودرن" والمقاهي الزجاجية، ثمة من يقلب في دفاتر الماضي في حراك يقوده هواة ومغتربون لاستعادة روح المدينة على رغم زحام الحداثة.

فكيف تحولت التفاصيل المنسية وصور خزائن البيوت وجدرانها وذكرياتها وشوارع عمان القديمة إلى وثائق تاريخية تنافس الأرشيف الرسمي بجهود عفوية؟

كتائب الذاكرة

على منصات التواصل الاجتماعي تنشط مجموعات كثيرة مثل "سكان عمان القدامى" أو "ذاكرة السلط"، كتعبير حقيقي عن الخشية من المحو الثقافي لمناطق سكانهم التي شكلت باكورة عمان القديمة.

ووفق أرقام غير رسمية وخلال عامي 2024 و2025، رصد باحثون ارتفاعاً بنسبة 215 في المئة في نشر الوثائق اليومية كالفواتير القديمة، عقود الإيجار، ودعوات الزفاف من الخمسينيات، مقارنة بصور المناظر العامة.

وفق الأرقام ذاتها فإن أكثر الأحياء بحثاً وتوثيقاً جبل اللويبدة وجبل عمان، والمهاجرين، في مشهد وصفه مهتمون بأنه انتقال من تذوق للجمال العمراني إلى التوثيق التاريخي لمجتمع كان قائماً وشاهداً على حقبة مهمة، لكنه نشاط تزامن مع هدم مبانٍ قديمة في مناطق شعبية وتاريخية بالعاصمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتجاوز الأمر تصوير واجهات البيوت التاريخية القديمة التي شهد بعضها مناسبات مهمة وأحداثاً مفصلية في الدولة الأردنية، إلى الغوص في تفاصيل منسية.

ففي مجموعة "أبناء عمان" على سبيل المثال يوثق الأعضاء أماكن المخابز القديمة والمندثرة، ومواقع مناهل المياه القديمة، بينما حصد أحد المنشورات آلاف التفاعلات وهو يصف بصورة دقيقة صوت بائع الحليب في جبل اللويبدة عام 1968.

على جانب آخر لجأ آخرون، من بينهم مغتربون يعبرون عن شوقهم وحنينهم إلى الماضي، إلى استخدام تقنية "الدمج البصري"، كما فعل أحدهم عبر تركيب صورة والده وهو يقف أمام محله في "سوق السكر" وسط البلدة القديمة في عمان عام 1970 على صورة للمحل نفسه الذي تحول اليوم إلى بقالة.

ويكشف رئيس الهيئة الإدارية لجمعية أبناء عمان (العمانيون) محمد القطان عن تأليف وإصدار كتاب شامل عن عمان خلال الفترة من 1900 - 1946 بحيث يشمل كل ما يمكن جمعه من المعلومات عن مدينة عمان وأهلها الذين سكنوها وأسهموا في بنائها خلال تلك الفترة وحتى إعلان تأسيس المملكة الأردنية الهاشمية.

أرشيف المواطن

يؤدي المواطنون المنضوون تحت لواء هذه المجموعات دوراً مهماً كحراس للذاكرة، ويقول بعضهم إنه يتلقى مراسلات من باحثين أكاديميين وطلاب دكتوراه يطلبون فيها صوراً لم يتمكنون من العثور عليها في الأرشيف الوطني.

تحولت هذه المجموعات إلى "بنك معلومات حي" يتم اللجوء إليه عندما يختلف المؤرخون على تاريخ بناء "درج الكلحة" الشهير وسط العاصمة، أو "سينما ريفولي" إحدى أقدم دور السينما، فبينما تبرز الرواية الرسمية الواحدة للمدينة، يؤدي التوثيق الشخصي دوراً مهماً مما يجعلها عصية على النسيان.

وأحيت هذه المجموعات أشجان الأردنيين في بلاد الاغتراب، إذ يسأل أحدهم عن شجرة ياسمين كانت تتدلى من شرفة بيت جيرانهم في السبعينيات، فيقوم شاب يسكن الحي بتصوير المكان وإرساله له، في تفاعل فريد من نوعه يبني مجتمعاً افتراضياً عابراً للحدود بين المغترب والمقيم، والنتيجة هي "خريطة وجدانية" للأردن أعادت لم شمل عائلات تفرقت بين عمان والشتات.

قبل سنوات أطلق الباحث المتخصص في الأنثروبولوجيا أحمد أبو خليل موقعاً باسم" زمانكم"، جمع فيه تاريخاً من الصور المنسية التي ترصد كل شيء تقريباً في الأردن، كأصحاب الوظائف القديمة ووثائق الحكومات المتعاقبة، والصور النادرة للجماعات والمدارس والمتاجر والأحياء والمرافق العامة.

من بين هذه الصور على سبيل المثال واحدة توضح أسماء الناجحين بالثانوية العامة (التوجيهي) لعامي 1947 و1948، حيث كان مجموع الخريجين في حينه 65 طالباً.

صورة أخرى تعرض تقارير طبية بخط يد أول طبيب أردني، وهو الدكتور حنا القسوس، وتعود لعام 1931. يقول أبو خليل إنه أجرى مئات المقابلات في مختلف الأوساط، وبخاصة الشعبية، واستمع خلال الـ20 عاماً الماضية إلى مئات السير لأشخاص من مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية ومن شتى الانتماءات، وأمضى مئات الساعات مع مواد أرشيفية متنوعة سياسية واقتصادية واجتماعية.

أزمة حضارية

يرى متخصصون في الاجتماع أن هذه المجموعات تعبر عن رد فعل طبيعي للتحول الطبقي والاجتماعي، حيث كانت عمان القديمة مدينة مشاة يتداخل فيها الجميع من كل الطبقات، وتعبر أيضاً عن أزمة هوية حضارية، فمع طغيان الطراز المعماري الحديث، يرتد الناس إلى البيوت القديمة كجزء من الحنين إلى الماضي.

وسط الضغوط الاقتصادية والسياسية الإقليمية التي يعيشها الأردنيون تمنح هذه "النوستالجيا" نوعاً من الاستقرار النفسي لبعضهم. على سبيل المثال يتداول بعض أعضاء المجموعات وثائق نادرة أخيراً، كتذاكر سينما تعود لعام 1940، وقوائم أسعار لمطعم "هاشم" الشعبي الشهير في وسط البلد بأسعار لا تتجاوز القروش، وتذكرة حضور مباراة كرة قدم في الخمسينيات من القرن الماضي جمعت بين النادي الفيصلي الأردني ونادي غزة على ملعب بلدية غزة في حينه.

اليوم، ثمة نحو 100 مجموعة نشطة على منصات التواصل الاجتماعي، مخصصة حصراً لتوثيق تاريخ الأحياء الأردنية القديمة. وتضم أكبر ثلاث مجموعات منها، وهي "ذاكرة الأردن" و"أيام زمان" و"سكان جبل اللويبدة القدامى"، ما يزيد على مليون عضو يقومون بنشر مئات الصور والوثائق معظمها لم يسبق نشره في الكتب التاريخية أو الأرشيف الرسمي.

تنشط مجموعة "صور قديمة تحكي الأردن" على "فيسبوك"، والتي يتابعها أكثر من 500 ألف شخص، بنشر مئات الصور لعمان القديمة تحت عنوان "التاريخ الأردني والزمن الجميل". ويعد مديرها أحمد الأخرس أحد أبرز الناشطين في هذا المجال، إذ ينشر على صفحته إعلانات قديمة من الصحف الأردنية يعود تاريخ بعضها إلى 40 عاماً، وتزخر صفحته بصور لمنتجات عفا عليها الزمن ولم تعد موجودة، فضلاً عن صور شوارع قديمة مع مقارنات تظهر كيف أصبح حالها اليوم.

قلق الحاضر

يرى الباحث الأردني محمد أبو رمان أن موجة "النوستالجيا" التي اجتاحت المجتمع لا تعكس فقط تقديراً للماضي، بل تكشف عن "قلق من الحاضر وعدم يقين تجاه المستقبل، وهو ما يفسر الإقبال المتزايد على استعادة تفاصيل الحياة اليومية القديمة رقمياً".

في السياق ذاته يشير الأكاديمي بركات العبادي إلى أن المكان يشكل "ذاكرة متجسدة، وتغيره السريع يخلق فجوة نفسية تدفع الأفراد للبحث عن بدائل تحفظ علاقتهم به. وفي الخطاب الأردني المحافظ تبدو الهوية كنزاً لا يقدر بثمن ويخشى عليه من الضياع، ويشتبك هذا الفهم مع سردية الذاكرة الوطنية التي تستحضر كل شيء بحيث تتحول أحياناً إلى درع ضد التغيير".

ويضيف العبادي "في الأردن المكان ذاكرة تتجسد، فهي ليست مجرد جغرافيا، والأردنيون الذين عاشوا تحول القرى إلى مدن، والبادية إلى مجتمعات عمرانية متشابكة، يعرفون جيداً ما يعنيه أن يتغير المكان بسرعة أكبر من الذاكرة".

وبين صورة ملونة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وشوق مغترب، لم يعد "فيسبوك" بالنسبة إلى الأردنيين مجرد منصة للتواصل، بل تحول إلى ترياق ضد وجع الاغتراب ومحاولة للم شمل العائلات.

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي