ملخص
خلال الأشهر الماضية رصدت السلطات الأردنية محاولة لاستغلال العاطفة الشعبية تجاه غزة لتمرير أجندات فصائلية، تجاوزت حالة التعاطف لاحقاً إلى محاولة خلق بيئة حاضنة لفكرة الثورية الإسلامية الإيرانية في الأردن، وهو ما ترجم إلى انقسام عميق بين فئتين من الأردنيين.
يرصد مراقبون أردنيون تحولاً نوعياً في الخطاب الرسمي الأردني تجاه إيران، فبعد سنوات من الحديث عن "جهات إقليمية" أو "مهربين"، بدأ المسؤولون الأردنيون يتداولون مصطلحات واضحة تسمي الأشياء بمسمياتها وتشير صراحة إلى طهران وفصائل عراقية مسلحة.
ففي دوائر صنع القرار، كانت التقارير الأردنية دائماً تضع النقاط على الحروف بدبلوماسية هادئة، لكن منصات المؤتمرات الصحافية الرسمية اليوم لم تخل من ذكر إيران صراحة وبشكل يوحي بأن الصبر الاستراتيجي في عمّان حيال الاستهدافات الإيرانية قد نفد، وسط حالة من إعادة تعريف شاملة للأمن القومي الأردني.
خلايا نائمة
في المؤتمر الصحافي الأخير للناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني، تمت الإشارة بوضوح إلى وجود خلايا نائمة تم رصدها من قبل الأجهزة الأمنية الأردنية. فيما بدا وكأنه تمهيد لعمليات أمنية استباقية ضدها.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن الحديث الرسمي عن "الخلايا النائمة" والتهديدات المباشرة يوحي بأن المعلومات الاستخباراتية انتقلت من مرحلة الرصد إلى مرحلة اليقين في ملف يتجاوز تهريب "الكبتاغون" إلى تهريب الفوضى السياسية.
فخلال الأشهر الماضية رصدت السلطات الأردنية محاولة لاستغلال العاطفة الشعبية تجاه غزة لتمرير أجندات فصائلية، تجاوزت حالة التعاطف لاحقاً إلى محاولة خلق بيئة حاضنة لفكرة الثورة الإسلامية الإيرانية في الأردن، وهو ما ترجم إلى انقسام عميق بين فئتين من الأردنيين.
فئة ترى في إيران خطراً لا يقل عن الخطر الإسرائيلي، وفئة أخرى تماهت تماماً مع الرواية الإيرانية للحرب إلى درجة تأييد استهداف إيران الأجواء والسيادة الأردنية بالمسيرات والصواريخ من دون التفات للرواية الرسمية.
في المقابل ثمة خشية مكتومة من استغلال جهات ما لحماسة دينية وشعبية أو نقمة اجتماعية في الشارع الأردني لتنفيذ أجندة هذه الفصائل على الأرض الأردنية. وتشير معلومات حصلت عليها "اندبندنت عربية" إلى أن الأردن قدم قوائم مطالب واضحة لبغداد وطهران للجم هذه الفصائل من دون تلقي وعود وأجوبة حاسمة.
ويمتلك الأردن سجلاً حافلاً في تفكيك الخلايا التي حاولت العبث بأمنه تحت غطاء "إقليمي" و" ديني" بضربات استباقية، ففي مرحلة السبعينيات والثمانينيات، واجهت الأجهزة الأمنية الأردنية خلايا "صبري البنا" (أبو نضال) وغيرها من التنظيمات التي كانت مدعومة من أنظمة إقليمية.
بينما كانت المواجهة مع "الخلايا الأيديولوجية" كـ"داعش" و"القاعدة" أكثر خطورة، إذ تميزت بالانتحاريين والذئاب المنفردة.
من "الهلال الشيعي" إلى الرسائل الصريحة
تاريخياً، كان الأردن قد قرأ من فترة مبكرة "الخطر الجيوسياسي" للتوسع الإيراني عندما أطلق الملك عبدالله الثاني تحذيره الشهير من "الهلال الشيعي" عام 2004، ومع ذلك، بقيت لغة الدولة الرسمية لسنوات طويلة تميل إلى "الاحتواء" وتجنب الصدام المباشر، لكن الخطاب الرسمي اليوم انتقل بشكل واضح من مرحلة التحذير إلى الاشتباك مع أدوات المشروع، إذ إن ذكر "إيران" بالاسم في مؤتمرات الحكومة والقوات المسلحة ينهي حقبة الغموض ليبدأ مرحلة الوضوح.
ويعتقد مراقبون أن تسمية الناطق الرسمي "الفصائل العراقية" و"إيران"، بشكل مباشر يعني أن ثمة رسالة أردنية لبغداد حول رفع الغطاء القانوني عن الفصائل التي استهدفت الأردن صاروخياً وعبر طائرات مسيرة أكثر من مرة خلال الحرب الإيرانية.
أما الرسالة الثانية فكانت موجهة لطهران وأن أي عبث في الساحة الداخلية الأردنية سيقابل برد رسمي يحمّل طهران المسؤولية المباشرة. في حين كانت الرسالة الثالثة للمجتمع الدولي ومفادها بأن الأردن بات يواجه "إرهاباً برعاية دولة" وليس مجرد عصابات تهريب مخدرات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأكد وزير الخارجية أيمن الصفدي، أن الحكومة الأردنية رفضت تمديد إقامة أحد الدبلوماسيين الإيرانيين، كذلك رفضت منح اعتماد لآخر، في رسالة واضحة تعبّر عن موقفها من السياسات الإيرانية.
وأشار إلى تعرض الأردن لضربات من قبل فصائل موجودة في العراق، وأن الحكومة الأردنية تواصلت مع الحكومة العراقية غير مرة لوقف هذه الاعتداءات ومنع تكرارها.
ويشير الصفدي إلى أن الأردن كان منفتحاً على الحوار مع إيران قبل الحرب بهدف بناء علاقات طيبة، شريطة وقف إيران الممارسات التي تهدّد أمن الأردن واستقراره والدول العربية.
جغرافيا التهديد
يعبر الكاتب والمحلل السياسي ماهر أبو طير عن قلقه من إمكانية تحول العراق من "جار شقيق" إلى "مصدر قلق سيادي" بسبب تداخل الأجندات، ويعتقد أن الجغرافيا العراقية قد تصبح عبئاً أمنياً على الأردن، مع دخول العراق في الآونة الأخيرة دائرة الصراع في الحرب الإيرانية عبر "الحشد الشعبي" الذي يعبر عن تآكل الدولة المركزية لمصلحة القوى الموالية لإيران.
يضيف أبو طير "الأردن يدرك أن استدراج العراق للحرب يعني تحويل الأراضي الأردنية إلى ممر إجباري للمقذوفات أو ساحة ارتداد للصراع، بخاصة في ظل التصنيف الإيراني للأردن كطرف معادٍ أو متحالف مع الغرب".
ويعتقد مراقبون أن مراقبة الأردن لحدوده مع العراق بصمت وتوجس في الآونة الأخيرة ليس تجاهلاً، بقدر ما هي "إدارة حذرة" لمنع توتير العلاقة في وقت يواجه الأردن ضغطاً على كافة حدوده (الشمالية والغربية).
درع الأردن
وسط هذه التفاصيل يجد الأردن نفسه يخوض حرباً غير تقليدية، حيث لم تعد الدبلوماسية وحدها تكفي، وأصبحت المكاشفة الرسمية ضرورة أمنية، وهنا يرصد الكاتب والمحلل السياسي فهد الخيطان، كيف تحول الجهد العملياتي الذي يقوده الجيش الأردني، من إجراء روتيني، إلى تموضع قتالي كامل لمواجهة أخطر تهديد عسكري منذ عقود.
للمرة الأولى وفق الخيطان، يخرج "الناطق العسكري" للجيش الأردني ليتحدث بتفاصيل تقنية عن صواريخ (كروز) والباليستية والمسيرات، في وضوح يهدف إلى نزع صفة "العبثية" عن التهديد وتصنيفه كعدوان عسكري مباشر يمس المناطق السكنية.
وهي تفاصيل تضع إيران وفصائلها أمام مسؤوليتهم القانونية، فكل صاروخ يتم اعتراضه هو جسم معتد كان يستهدف العمق الأردني، مما يعطي الأردن الحق الكامل في الرد والدفاع.
ويعبر الخيطان عن قلقه من تطورات حساسة في بنية الدولة العراقية، إذ يرى الأردن أن قرار الحرب والسلام في بغداد لم يعد بيد الحكومة، بل بيد فصائل تملك سطوة عسكرية تفوق المؤسسة الرسمية.
يضيف الخيطان "كل ما يريده الأردن من العراق هو أن لا تشكل تلك الميليشيات مصدر تهديد للأمن الأردني، لا في هذه المرحلة الخطيرة من الحرب، ولا بعدها".
ويربط الخيطان بوضوح بين الهجمات المتتالية من الخارج وبين محاولات تشكيل خلايا سرية في الداخل الأردني، مما يعني قراءة الأردن لمخطط إرهابي متكامل.