ملخص
الهتافات التي صدرت عن أنصار الحزب بعد الإعلان عن الاسم الجديد لاقت انتقادات ومخاوف بسبب استحضار الإرث "الإخواني" بصورة واضحة، وهو ما اعتبر بمثابة رسالة للسلطات الأردنية ومناكفة واضحة.
بين ليلة وضحاها، غاب اسم "جبهة العمل الإسلامي" عن واجهة المشهد الحزبي الأردني، ليحل محله حزب الأمة في خطوة بدت في ظاهرها "استجابة قانونية" لقيود الهيئة المستقلة للانتخابات، لكنها فتحت في المقابل الباب أمام تساؤلات سياسية عدة حول جوهر التحول مع مؤشرات إلى التمسك بالإرث الإخواني والارتباط بالجماعة المحظورة.
ويظهر المسار التاريخي للحزب تحولاً من حزب عقائدي يسعى إلى المغالبة في التسعينيات إلى حزب براغماتي يسعى إلى البقاء في 2026.
انحناءة للعاصفة أم هرب من "المقصلة"؟
ويرى مراقبون أن امتثال الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في الأردن لتغيير اسم الحزب وشطب كلمة "إسلامي" لم يكن خياراً أيديولوجياً بقدر ما كان "هرباً من المقصلة" القانونية والسياسية.
ويصف هؤلاء القرار بأنه محاولة لتجنب الصدام المباشر مع السلطات، وتفادي ملاحقات دولية محتملة تستهدف الحركات التي تصنف كـ"حواضن" للفكر الأيديولوجي للجماعة المحظورة.
لكن الهتافات التي صدرت عن أنصار الحزب بعد الإعلان عن الاسم الجديد لاقت انتقادات، ومخاوف بسبب استحضار الإرث "الإخواني" بصورة واضحة، وهو ما اعتبر بمثابة رسالة للسلطات الأردنية ومناكفة واضحة.
واعتبر مراقبون وخصوم للتيار الإسلامي أن اسم الحزب الجديد لن يكون نهاية المعركة، بل قد ينجم عنه معركة قانونية جديدة كما أكد الفقيه الدستوري والوزير السابق نوفان العجارمة، الذي أشار إلى أن التسمية الجديدة المقترحة لحزب جبهة العمل الإسلامي، والمتمثلة في حزب الأمة، تعد مخالفة صريحة لأحكام الفقرة (أ) من المادة (7) من قانون الأحزاب السياسية رقم (7) لسنة 2022.
وأضاف العجارمة أن تسمية حزب الأمة جاءت بلفظ عام ومطلق يخلو من أي عنصر تمييزي يضفي عليها خصوصية قانونية، مما يفقدها شرط التفرد الواجب توافره في أسماء الأحزاب السياسية، ويجعلها عرضة للالتباس وعدم التمييز، وقال إن تسمية حزب الأمة مستخدمة من قبل عدد من الأحزاب السياسية في دول عربية وغير عربية، مما يشكل حال تطابق مع أسماء أحزاب غير أردنية، في مخالفة مباشرة لنص القانون وأحكامه الآمرة، بينما يرى مؤيدوه أن استمرار التشكيك في نيات الحزب على رغم تغيير الاسم هو نوع من "الاستهداف الممنهج" الذي يزيد من شعبيته.
التجربة التركية
تشير التوقعات إلى استمرار الحزب في محاولة التماهي الشكلي مع الداخل الأردني لامتصاص غضب الدولة، مع الحفاظ على "المركزية التنظيمية" المرتبطة بالجماعة المحظورة، في حين تبدو الهيئة المستقلة للانتخابات في حال "ترقب حذر"، ومراجعة قانونية للاسم الجديد ومنح "صك الغفران" السياسي.
وتعتقد مصادر قريبة من الحكومة أن الحزب حاول بالاسم الجديد استنساخ النماذج الإقليمية، ولتوجه نحو "العباءة الشمولية" على غرار التجربة التركية لفتح آفاق أوسع أمام التحالفات دون التخلي عن المرجعية.
من بين خصوم الحزب يبرز الوزير السابق محمد داودية الذي يرى أن الاسم الجديد "فخ لغوي"، ويحمل شحنة دينية لا تقل عن سابقه، مما يجعله في مواجهة مع النص القانوني الذي يمنع الرمزية الدينية في العمل الحزبي.
تغير الاسم دون الثوابت
بدوره يؤكد النائب وسام ربيحات في البرلمان الأردني عن حزب الأمة أن تغيير اسم "جبهة العمل الإسلامي" إلى حزب الأمة لا يمس النهج أو الثوابت، موضحاً أن ما جرى هو تغيير في الاسم فقط. وأوضح أن الحزب، ومن منطلق الحرص على الاستقرار الداخلي وتجنب أي حال من الجدال أو الفتنة، استجاب لطلب الهيئة المستقلة للانتخاب باعتبارها المرجعية القانونية، وقرر تغيير اسمه إلى حزب الأمة، مؤكداً أن هذا الاسم جاء منسجماً مع مبادئ الحزب وثوابته، ولا يعكس أي انسلاخ عن هويته الفكرية.
الموقف ذاته أكده النائب عن الحزب ينال فريحات الذي قال إن انطلاق الحزب بالاسم الجديد بالتراث والمرجعية ذاتهما يعزز فكرة أن الحزب غير ثوبه ولم يغير توجهه "الإخواني".
الموقف الرسمي ومسطرة القانون
وفي مواجهة الجدال الدائر، تبرز الرؤية الرسمية التي تعكسها الهيئة المستقلة للانتخاب، إذ يشدد رئيس مجلس مفوضيها موسى المعايطة على أن المسألة برمتها تدار تحت "سيادة القانون" التي تطبق بعدالة ومساواة على الجميع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى المعايطة أن تغيير اسم الحزب ليس استهدافاً سياسياً، بل هو استحقاق قانوني يفرض على كافة الأحزاب إسقاط أي دلالات اسمية مرتبطة بالدين أو الطائفة أو العرق، وذلك لضمان "عدالة تنافسية" تمنع احتكار الصفات الدينية لحزب بعينه.
وبحسب مسؤول هيئة الانتخابات، فإن سجل الأحزاب تعامل مع جملة من المخالفات في النظام الأساس لـ "جبهة العمل الإسلامي"، ومنها ضرورة تطابق الاسم مع أحكام القانون النافذ، وعلى رغم الضجيج المثار، كشف المعايطة عن أن الهيئة لم تتسلم حتى الآن أي "كتاب رسمي" يثبت تغيير الاسم، بانتظار رد الحزب الرسمي على الملاحظات القانونية المطلوبة لتصويب أوضاعها.
ويرفض المعايطة بشدة ما يصفه بمحاولات "تضليل الرأي العام" عبر استخدام العاطفة وحرف مسار النقاش القانوني، مؤكداً أن المؤسسات الدستورية لا تحتكم للمشاعر، بل للقوانين التي كفلت للجميع حق الطعن والتقاضي أمام المحاكم الأردنية كضمانة للنزاهة والشفافية.
من "الجمعية" إلى "الجبهة"
بعد عودة الحياة الديمقراطية إلى الأردن عام 1989 واكتساح الإسلاميين لمقاعد البرلمان تحت اسم جماعة الإخوان المسلمين، جاء صدور قانون الأحزاب عام 1992 ليفرض واقعاً جديداً.
ففي عام 1992 تم تأسيس حزب جبهة العمل الإسلامي ليكون الذراع السياسية للجماعة، وتميزت هذه المرحلة بكون الحزب "مظلة" ضمت شخصيات إسلامية ومستقلة، لكن بمرجعية تنظيمية إخوانية واضحة.
وفي عام 1993 خاض الحزب الانتخابات وسط تعديلات قانونية تمثلت بـ(قانون الصوت الواحد)، مما قلص حصته البرلمانية، أما في عام 1997 فاتخذ الحزب قراراً تاريخياً بمقاطعة الانتخابات احتجاجاً على قانون الصوت الواحد ومعاهدة "وادي عربة"، وهي مرحلة أسست لشرخ في العلاقة مع المؤسسة الرسمية.
وخلال احتجاجات الربيع العربي، كان الحزب المحرك الأساس للشارع الأردني، مطالباً بإصلاحات دستورية واسعة، وفي هذه الفترة، بلغت طموحات الحزب ذروتها على وقع نشوة صعود "الإخوان" للحكم في مصر، لكنها اصطدمت لاحقاً بتراجع موجة الربيع العربي وبدء مرحلة التضييق الإقليمي على تيار الإسلام السياسي.
وشهد عام 2015 انشقاق مجموعة كبيرة من قيادات وأفراد "الإخوان المسلمين"، مما وضع الحزب والجماعة "الأم" في مأزق قانوني حول المرجعية والأملاك.
وفي عام 2020 صدر قرار قضائي بحل جماعة الإخوان المسلمين لعدم تصويب أوضاعها القانونية، مما جعل الحزب (المرخص) يعمل في بيئة قانونية مهددة بتبعات حظر الجماعة.
يشار إلى أن حزب جبهة العمل الإسلامي، حصد في الانتخابات الأخيرة 31 مقعداً من أصل 138 في مجلس النواب، ويشكل حالياً أكبر كتلة برلمانية.