ملخص
تسببت التوترات التي يشهدها الشرق الأوسط في موجة بيع عالمية للأصول عالية الأخطار والاتجاه نحو الملاذات الآمنة
تصدر الدولار الأميركي قائمة المستفيدين من التوترات الجيوسياسية وأعاد هيمنته على الحصة الأكبر في حركة التجارة العالمية، واحتياطات البنوك المركزية.
فقد عزز الصراع الدائر في الشرق الأوسط، من هيمنة الدولار الأميركي على التجارة العالمية، على رغم التقلبات التي تسبب بها في أسواق العملات، إذ دفع نحو موجة بيع عالمية للأصول عالية الأخطار، وأدى إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة الطلب على العملة الأميركية بوصفها ملاذاً آمناً.
وبحسب أحدث بيانات خدمة المراسلات المالية العالمية "سويفت"، فقد ارتفعت حصة الدولار من المعاملات الدولية إلى مستوى قياسي بلغ 51.1 في المئة خلال مارس (آذار) الماضي، مقارنة مع حصة قدرها 49.2 في المئة خلال فبراير (شباط) الماضي.
وفي المرتبة الثانية، جاء اليورو بعد الدولار الأميركي، بحصة تقريبية تبلغ نحو 21 في المئة، ثم الجنيه الاسترليني والين الياباني واليوان الصيني والدولار الكندي. ويتوافق ذلك مع رؤية فريق أبحاث "جيه بي مورغان" بأن ضعف العملة الأميركية المسجل في العام الماضي، بنسبة ثمانية في المئة تقريباً، لم يترجم إلى أي تراجع واضح في دور الدولار بوصفه عملة احتياط أو عملة أساسية للأسواق المالية.
مستويات مرتفعة للدولار الأميركي
في التعاملات الأخيرة، فقد استقر الدولار الأميركي بالقرب من أعلى مستوى له في أسبوع ونصف، مدفوعاً بجمود محادثات السلام بين واشنطن وطهران.
وأدى هذا التعثر لعودة أسعار النفط لتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، مما أثر سلباً في معنويات المستثمرين ودفعهم نحو العملة الأميركية كملاذ آمن في ظل استمرار الاضطرابات الملاحية في مضيق هرمز.
وسجل مؤشر الدولار 98.644 نقطة، متجهاً لتحقيق مكاسب أسبوعية بنسبة 0.4 في المئة بعد خسائر استمرت لأسبوعين.
وفي المقابل، تراجع اليورو إلى مستوى 1.1712 دولار، مسجلاً أدنى مستوى له منذ منتصف أبريل (نيسان) الجاري، بينما استقر الجنيه الاسترليني عند مستوى 1.3497 دولار، وسط مخاوف من انقطاع إمدادات الطاقة لفترة طويلة وتأثيرها في الاقتصادات العالمية.
وتسببت صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والتي اندلعت في نهاية فبراير الماضي، في تآكل ثقة المستهلكين ووصولها لأدنى مستوياتها التاريخية.
وحذر محللون، من أن ضغوط التضخم ستستمر حتى نهاية العام الحالي، مما دفع الأسواق لاستبعاد توقعات خفض أسعار الفائدة قريباً، خصوصاً مع رفض إيران إعادة فتح مضيق هرمز واستمرار الحصار البحري الأميركي.
وأظهر استطلاع لآراء محللي الاقتصاد أن الاحتياط الفيدرالي الأميركي قد ينتظر ستة أشهر على الأقل قبل اتخاذ أي قرار بخفض أسعار الفائدة، فيما تتزايد المخاوف من أن يتحول الارتفاع الموقت في أسعار الوقود إلى عامل تضخم مزمن، مما يعزز قوة الدولار مقابل العملات الرئيسة الأخرى التي تعاني من ضغوط الكلفة المرتفعة للطاقة والسلع الأساسية.
عملات الأسواق الناشئة تحاول تعويض خسائرها
وتواجه عملات الأسواق الناشئة ضغوطاً هبوطية حادة أمام الدولار الأميركي نتيجة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار النفط، إضافة إلى قوة الدولار كملاذ آمن، مما أدى لخروج الأموال الساخنة وزيادة الضغوط التضخمية وتكلفة الاقتراض، وانخفضت بعض العملات الآسيوية، وتدخلت بنوك مركزية لدعم عملاتها المحلية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومنذ الإعلان عن الهدنة بين أميركا وإيران، عوضت عملات الأسواق الناشئة كامل خسائرها التي تكبدتها منذ بداية الحرب في الشرق الأوسط، مدفوعة بالتفاؤل في شأن انحسار حدة الصراع بعد إعادة إيران فتح مضيق هرمز.
وارتفع مؤشر "أم أس سي آي" لعملات الأسواق الناشئة بنسبة 0.6 في المئة إلى مستوى 1884.37 نقطة، بعد إعلان إيران أن مضيق هرمز أصبح "مفتوحاً بالكامل" أمام حركة الملاحة التجارية. لكن مع عودة الوضع إلى التأزم، بعد فشل مفاوضات الجولة الأولى بين واشنطن وطهران، فقد عاد الارتباك ليسيطر على جميع الأسواق وبخاصة الناشئة، وهو ما يرفع من حدة الضغوط مع تراجع أسعار عملاتها مقابل الدولار الأميركي.
تسريع ظاهرة "دولرة" الأسواق الناشئة
وقبل أيام، حذّر مسؤولون بارزون في البنوك المركزية، من أن التوسع المتسارع في استخدام العملات المستقرة الأميركية في المدفوعات الدولية قد يُسرّع ظاهرة "دولرة" اقتصادات الأسواق الناشئة، ويقوّض قدرتها على التحكم في التدفقات المالية، ويفتح المجال أمام أنشطة غير مشروعة.
وأوضح بنك التسويات الدولية أن العملات المستقرة، وهي أصول رقمية مرتبطة بعملات تقليدية مثل الدولار، تطرح أخطاراً جدية على نزاهة النظام المالي، وقد تسهّل التحايل على الأطر التنظيمية.
وقال بابلو هيرنانديز دي كوس، المدير العام للبنك، إن تزايد استخدامها قد يسهّل تجاوز ضوابط رأس المال في الدول النامية، ويعزز أخطار الدولرة، فضلاً عن فتح قنوات جديدة للتهرب الضريبي، لافتاً إلى تقديرات تفيد بأن هذه العملات تمثل حالياً الجزء الأكبر من المعاملات غير المشروعة داخل منظومة الأصول الرقمية، بحسب صحيفة "فاينانشال تايمز".
وقد طُرحت هذه المخاوف خلال اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن الأسبوع الماضي، إذ اعتبر عدد من صناع السياسات المالية أن انتشار العملات المستقرة المقومة بالدولار يشكل تهديداً للاستقرار المالي في الأسواق الناشئة.
في تعليقه، قال محافظ بنك إنجلترا ورئيس مجلس الاستقرار المالي أندرو بيلي، إن التركيز ينصب على مدى تحول هذه العملات إلى بديل فعلي للعملات المحلية، مشيراً إلى تباطؤ التقدم في وضع قواعد تنظيمية دولية لها.
وجاء النمو السريع للعملات المستقرة مدفوعاً بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب للأصول الرقمية، وهو ما أسهم في إقرار تشريع يهدف إلى إدماج هذا القطاع ضمن الإطار التنظيمي المالي، علماً أن نحو 98 في المئة من سوق العملات المستقرة العالمية، البالغة قيمتها 315 مليار دولار، مقومة بالدولار.
في المقابل، أشار مسؤولون في صندوق النقد الدولي إلى أن هذه العملات قد تعزز المنافسة وتخفض كلفة المدفوعات، مؤكدين أن بإمكان الدول الحد من أخطار الدولرة عبر تحسين أطرها الاقتصادية الكلية.
وبدأت بعض الدول اتخاذ إجراءات تنظيمية، إذ عدّلت البرازيل قوانينها لإخضاع مزوّدي العملات المستقرة لقواعد مكافحة غسل الأموال، وفرضت سقفاً يبلغ 100 ألف دولار على العديد من التحويلات الخارجية.