ملخص
"تلاشت الفوارق الاجتماعية التي كانت ترتبط بنوع السيارة أو الموديل. اليوم، ترى الصحافي والطبيب والأكاديمي والعامل جميعهم يقودون الدراجات".
على أنقاض ذكرياته التي كانت تسير يوماً على عجلات أربع، وقف ضياء صامتاً أمام خيمته المتهالكة، حيث ركن سيارته التي غطاها غبار كثيف، وبدت في عينيه كأنها عملاق حديدي فقد روحه، ثم تنهد بمرارة وهو ينظر إلى عداد الوقود القابع عند علامة الصفر منذ أشهر تماماً كحال الطرقات من حوله. التفت خلفه حيث كانت رفيقة المحنة تنتظر، دراجة هوائية متهالكة، ذاب طلاؤها الأصلي وحل محله صدأ يحكي قصص المطر والنزوح. مسح مقعدها بيده، وتأكد من ثبات الصندوق الخشبي الذي ربطه خلفها بأسلاك معدنية قوية.
يقارن ضياء الأمس باليوم، ويقول "لم تعد تلك المركبة التي أفتخر بها، بل تحولت إلى خزانة حديدية جامدة أضع فيها بعض الأغطية والملابس، اليوم أعتمد على الدراجة الهوائية في قضاء مشاويري، بعد أزمة الوقود التي تعصف بغزة وبسببها توقفت العربات عن نقل الغزيين". وضع يده على هيكلها البارد، تذكر رائحة "التفويلة" وضجيج المحرك الذي كان يقطع به المسافات يجول القطاع بأكمله من دون أن يحمل هم الوقود وسعره.
رحلة على عجلات
في جيبه، كان ضياء يطبق يده بقوة على علبة دواء صغيرة، هي كل ما استطاع تأمينه لأمه التي تنتظر في الطرف الآخر من المدينة المدمرة، تلك الأم التي ينهش المرض جسدها بصمت وتحتاج لجرعة دواء يخفف عنها.
ركب على دراجته الهوائية منطلقاً، ولكن لم يكن الطريق طريقاً، بل كان عبارة عن جغرافيا من الوجع، شارع الرشيد في غزة الذي كان يوماً ينبض بالحياة، صار الآن مساراً بين جبال من الركام. كان يقود بحذر شديد، عيناه لا تغادران الأرض، فكل حفرة هنا تخبئ شظية حادة، وكل كومة ركام قد تنهار في أي لحظة. الهواء يلفح وجهه المتعب، والعرق يشق طريقه تحت كوفية لفها حول عنقه. فجأة، شعر بارتجاج عنيف في المقود… وسمع صوت "طرطقة" سقط الجنزير وتوقفت العجلات عن الدوران، وكاد أن يفقد توازنه فوق كومة من الزجاج المحطم.
ترجل بقلب يخفق بسرعة، نظر إلى الجنزير الذي غطاه الرمل والشحم الأسود، لم يكن يملك مفكاً أو معدات، لكن غريزة النجاة كانت حاضرة، فجثا على ركبتيه فوق التراب، وبدأ بأصابعه المرتجفة يحاول إعادة الجنزير إلى مكانه بين المسننات الحادة. جرح إصبعه بقطعة حديد ناتئة لكنه لم يبال، فصورة وجه أمه الشاحب وهي تسعل كانت أقوى من أي ألم. بقطعة خشبية صغيرة التقطها من الطريق، وبصبر أيوب، أعاد الجنزير إلى "الترس".
أزمة في الطريق
مسح يديه الملطختين بالسواد في بنطاله، وصعد مجدداً. المسافة بعيدة، والساقان بدأتا بالارتجاف من الإجهاد، لكنه كان يهمس لنفسه مع كل حركة "اقتربت يا أمي… اقتربت". تجاوز سواتر ترابية، وحيا نازحين آخرين يشاركونه الطريق على دراجات مشابهة، لم يكن يرى الدمار من حوله، كان يرى فقط تلك الخيمة الصغيرة التي تنتظره فيها أمه.
يضيف ضياء "لم تكن دراجتي المتهالكة مجرد وسيلة نقل، كانت هي البساط السحري الذي هزم المسافات والحصار، لتثبت أن نبض القلب أقوى بكثير من محركات الحديد الجامدة. لم تعد الدراجة مجرد وسيلة للتنقل أو الرياضة بل أصبحت أداة صمود حقيقة إذ استطاعت البسكليت أن تتجاوز أزمات الوقود".
تعيش غزة أزمة وقود من أعقد الأزمات الإنسانية والتقنية في العالم، حيث باتت قطرة الوقود عملة نادرة وصعبة المنال، بخاصة وأن القطاع يعتمد بصورة كلية على المعابر الحدودية لتوريد الوقود. والقيود المشددة على الكميات التي يجري إدخالها، تجعل المعروض دائماً أقل بكثير من الاحتياج الأدنى، مما يخلق عجزاً مزمناً. وبسبب الشح الشديد، يقفز سعر ليتر الوقود إلى أرقام خيالية لا تتناسب مع القدرة الشرائية المنهارة للسكان، وكنتيجة حتمية لذلك توقفت السيارات عن نقل السكان.
العوز النفطي
لقد أحدث العوز النفطي في غزة زلزالاً في المفاهيم الاجتماعية والبروتوكولية، محطماً الصورة الذهنية التي ارتبطت لعقود بوسائل النقل الرسمية. فلم تعد السيارة هي رمز الهيبة، بل أصبحت القدرة على الوصول هي المعيار الوحيد للسيادة والمهنية، وهنا تحولت الدراجة الهوائية من وسيلة بسيطة إلى ضرورة قصوى.
يتابع ضياء "في ظل انقطاع الوقود المستمر، تظل الدراجة هي الوسيلة التي لا تحتاج لشحن أو لوقود مما يضمن استمرارية الحركة في أصعب الظروف. أعتمد عليها للوصول إلى أماكن عملي، فهي تتميز بالمرونة والسرعة ولا تتطلب تكاليف صيانة مرتفعة. لقد أثبتت هذه الوسيلة البسيطة أن الحلول المبتكرة غالباً ما تأتي من رحم الاحتياج، لتتحول من مجرد لعبة أطفال أو هواية إلى ركيزة أساسية تدعم حركة الحياة اليومية".
تحول الدراجات الهوائية إلى شريان حياة يتجاوز مجرد فكرة التنقل، فهي تعكس إعادة تشكيل للهوية اليومية، إذ خلقت ظواهر اجتماعية لم تكن مألوفة من قبل. يقول أستاذ علم الاجتماع وليد شبير "تلاشت الفوارق الاجتماعية التي كانت ترتبط بنوع السيارة أو الموديل. اليوم، ترى الصحافي والطبيب والأكاديمي والعامل جميعهم يقودون الدراجات. هذا المشهد خلق حالة من المساواة الاضطرارية، إذ أصبحت الدراجة رمزاً للكفاح المشترك بدلاً من أن تكون مؤشراً على المستوى المادي".
ويضيف "بعد الحرب نالت الدراجة شرعية اجتماعية كاملة، وأصبح ينظر لقائدها بتقدير كونه شخصاً يسعى لتأدية واجبه وتدبير أمور عائلته على رغم الصعاب. كذلك ظهرت ممارسات اجتماعية جديدة، مثل قيام أصحاب الدراجات بنقل الجيران أو الأصدقاء معهم على الإطار الخلفي، هذا العرف عزز من روابط الجيرة والتعاون الميداني".
أداة مواجهة الصمود
بينما غطى الصدأ محركات السيارات وتحولت المركبات إلى "خردة" معطلة بفعل شح الوقود، ظلت الدراجة الهوائية هي الأداة التي تقاوم السكون، إذ تحول التكرار الرتيب لحركة الدواسات إلى موسيقى صمود يومية في شوارع غزة. يقول هيثم سائق دراجة "في الأزمات الكبرى، تسقط التكنولوجيا المعقدة أولاً، السيارات التي كانت ترمز للرفاهية والسرعة أصبحت عبئاً يحتاج إلى وقود يستحيل تأمينه وصيانة باهظة، بينما أثبتت الدراجة تلك الآلة البسيطة من القرن التاسع عشر، أنها أكثر كفاءة في البقاء. هذا التحول هو هزيمة للحصار الذي حاول شل الحركة".
ويضيف "عندما تتحرك الدراجات في غزة، فإن الوقود المحرك لها هو الإرادة البدنية، كل كيلومتر يقطعه الغزي على دراجته هو رسالة تحد، مفادها بأن منع الوقود لن يمنعنا من الوصول إلى المستشفى، أو جلب الماء للعائلة، أو تأدية الواجب المهني. لقد استبدلت غزة عرباتها بأخرى هوائية تنبض بالحياة، لتثبت أن الحركة ليست رهينة ليتر بنزين، بل هي رهينة قلب يصر على المسير".
في الوضع الطبيعي قبل الحرب كان يحتاج قطاع النقل في غزة إلى 300 ألف ليتر من الوقود يومياً، لكن بسبب القيود الإسرائيلية لا يدخل للمدينة المنكوبة سوى 15 في المئة من الاحتياج الفعلي في أحسن الظروف. هذا العجز هو ما أدى إلى شلل شبه كامل في حركة السيارات الخاصة والعمومية، وجعل من الدراجة الهوائية البديل الوحيد المتاح الذي يعمل بالجهد البدني بدلاً من الوقود المفقود.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أبعاد إنسانية
لجوء سكان غزة إلى الدراجات الهوائية يحمل أبعاداً إنسانية رائعة في مواجهة المستحيل. تقول الباحثة في عام سلوك الإنسان ثريا أبو زهري "خلف كل دراجة هوائية قصة إنسان رفض أن يتوقف مكانه، والبعد الإنساني هنا يتمثل في الإرادة ورفض الاستسلام للظروف التي تحاول تجميد حياتهم. بالنسبة للكثيرين، تحولت الدراجة من وسيلة نقل إلى جسر للتواصل الإنساني. في كل رحلة على الدراجة، هناك كمّ من القلق والشوق والأمل في العودة الآمنة، مما يجعلها قطعة من التاريخ الشخصي لكل فرد".
وتضيف "الجهد البدني المبذول في التبديل لساعات طويلة تحت الشمس أو في طرق وعرة ليس مجرد رياضة، بل هو تضحية جسدية. عندما يبذل الشخص جهده العضلي فإن عرق هذا الجهد يمثل قمة العطاء الإنساني الذي يتجاوز الآلة، لدرجة أنها تحولت من عجلتين وإطار إلى نبض إنسان يرفض أن يتوقف قلبه عن العطاء وقدمه عن السير نحو مبتغاه".
وتوضح أبو زهري أنه في بيئة غزة يشعر المواطن أن الكثير من تفاصيل حياته خارجة عن سيطرته مثل الكهرباء والماء والوقود، ما يمنح الدراجة نوعاً من الوهم الجميل بالسيطرة، مشيرة إلى أن قدرة الشخص على التبديل والوصول إلى وجهته بجهده الشخصي تعزز الصمود النفسي، وتجعل من الدراجة رمزاً لرفض الركود أو الاستسلام للشلل الذي يحاول الحصار فرضه.
قيود على الوقود
تعتمد إسرائيل في سياسة تقييد دخول الوقود إلى قطاع غزة على مجموعة تبريرات، إذ يقول منسق أعمال الحكومة في المناطق يورام هليفي "الكميات المدخلة كافية للمقاصد الإنسانية فقط مثل المستشفيات ومضخات المياه، بينما يمنع وصولها لقطاع النقل العام لضمان عدم تسربها للفصائل. لا نتبع سياسة تجويع أو تعطيل للحياة، بل سياسة منع وصول الموارد الاستراتيجية كالوقود إلى التنظيمات التي تواصل تهديد أمننا".
أسهم لجوء غزة للدراجات الهوائية في إعادة هيكلة كاملة لاقتصاد الصمود، يقول أستاذ الاقتصاد محمد مقداد "الدراجة الهوائية هي العملة الصعبة الحقيقية، لقد أوجدت نوعاً من الاستقلال الاقتصادي الفردي. فالمواطن الذي يمتلك دراجة هو فعلياً يمتلك قراره بالتحرك من دون انتظار موافقات دولية لدخول ليترات البنزين، وبالتالي إنها تمثل الحل الاقتصادي المستقل إذ لا تخضع لتقلبات السوق السوداء أو قيود التوريد. كذلك خلقت سوق عمل وأدت لازدهار قطاع الصيانة، وهذا أسهم بارتفاع القيمة الاقتصادية للدراجة نفسها كسلعة".
تضاعفت أسعار الدراجات الهوائية مرات عدة، الدراجة التي كانت تباع بـ 100 دولار قبل الحرب قد يتجاوز سعرها الآن الـ 500 دولار بحسب حالتها ونوعها، أما إذا كانت كهربائية يصل ثمنها إلى 1000 دولار.
مهن جديدة وأسعار خيالية
في قلب أحد الأسواق المزدحمة بمدينة غزة، حيث تتشابك أصوات أجراس الدراجات مع ضجيج المارة، التقينا بحمزة أحد أقدم تجار الدراجات الذين تحولت محالهم الصغيرة إلى وجهة يومية تشبه بورصة الأوراق المالية. كان، وأمامه دراجة نصف مفككة، يمسح الزيت عن يديه ويبدأ حديثه بنبرة تحمل مزيجاً من التعجب والسخرية المريرة "نحن لا نبيع دراجات، نحن نبيع أوكسجين حركة. قبل أعوام كان الزبون يدخل ليشتري لابنه دراجة كهدية نجاح، اليوم يدخل الرجل ويسألني بلهفة هل لديك شيء يوصلني لعملي؟".
الأسعار في محل حمزة تخضع لبورصة الوقود كلما شح البنزين في المحطات، قفز سعر الدراجة في محلي. الدراجة Mountain Bike التي كانت تعتبر عادية، أصبحت مطلوبة بصورة كبيرة، حتى الهياكل القديمة التي أكلها الصدأ يعيد إحياءها، يضيف "أتذكر زبوناً جاءني قبل أسبوع، وقف أمام دراجة مستعملة من نوع جيد، تحسس إطاراتها وقال لي "امتلاك دراجة بفرامل جيدة هو حلم يضاهي حلمي بامتلاك سيارة".
أحياناً يأتي أشخاص يعرضون على حمزة استبدال أجهزة كهربائية أو حتى هواتف حديثة مقابل دراجة جيدة، يتابع التاجر "لقد أصبحت الدراجة هي العملة الصعبة الحقيقية، سيذكر التاريخ أن غزة التي كانت تحلم بالقطارات والمطارات، صمدت وانتصرت على الحصار بعجلتين وقوة أرجل أبنائها".
تحولت أرصفة غزة إلى ما يشبه المختبرات الميدانية حيث لم تعد عملية الصيانة مجرد إصلاح لخلل، بل أصبحت عملية إحياء لوسيلة النقل الوحيدة المتبقية. هذا المشهد خلق واقعاً مهنياً جديداً يعتمد على الهندسة الشعبية والابتكار من العدم، إذ ظهر ميكانيكي الرصيف الذي يبتكر قطع الغيار البديلة، ومهنة المنافيخ اليدوية.
على ناصية أحد الشوارع المدمرة جزئياً، يتصاعد صوت طرقات معدنية منتظمة، هناك، وسط كومة من الهياكل الحديدية والإطارات الممزقة، يدير سليم ورشته التي لم تعد مجرد مكان للتصليح، بل أصبحت غرفة إنعاش لوسائل النقل في غزة. مسح جبينه بخرقة غطاها الشحم الأسود، واستقبلنا بابتسامة متعبة وهو يحاول تثبيت "جنزير" مهترئ، يقول "الورشة تعمل من الفجر حتى ساعات الليل المتقدمة، أحياناً أجد الناس ينتظرونني أمام باب المحل قبل أن أفتحه. الدراجة في غزة اليوم لا تعاني من أعطال عادية، هي تعاني من إجهاد حرب، فهي تمشي في طرقات لم تصمم للبشر فما بالك بالعجلات؟".
"هل ترى هذا الإطار؟" يسأل سليم وهو يشير إلى إطار دراجة صلب لا يرتج، ويشرح "هذا الإطار لم يعد فيه هواء، قمنا بحشوه بخراطيم بلاستيكية قوية ولففنا حولها قطعاً من القماش المكبوس، النتيجة؟ دراجة مصفحة ضد الزجاج والأسياخ التي تملأ الشوارع، هي قاسية في الركوب، لكنها لا تخذل صاحبها بثقب في منتصف الطريق".
يشعر سليم بمسؤولية كبيرة فهو يعرف أن تعطل هذه الدراجة يعني انقطاع الماء أو الغذاء عن عائلة كاملة، يقول "نحن نصلح شرايين حياة" ختم كلامه وهو يسلم الدراجة لصاحبها.