ملخص
في ظل الجمود القائم في عملية المفاوضات بين أميركا وإيران، لم تتأثر إمدادات الطاقة وحسب، بل إن الأسواق العالمية، لا سيما تلك التي تقع في الجزء الشرقي، تواجه نقصاً وصعوبة بالغة في استيراد السلع الأخرى أيضاً، وتعرب وكالات الأمم المتحدة عن قلقها من أن هذه الصعوبات قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في كثير من المناطق، والتي بدورها ستمثل صدمةً للاقتصاد العالمي.
مضى أكثر من شهرين على الهجمات الأميركية الإسرائيلية المباغتة على طهران التي تسببت ببداية صراع عسكري، شملت دولاً عدة وأزمة اقتصادية طاول أثرها القريب والبعيد دون أي مؤشرات على إنهاء الحرب قريباً.
وقررت طهران في الأيام المتعاقبة من الحرب تسليح مضيق هرمز الذي يعتبر أحد أهم الممرات الاقتصادية في العالم وتعتمد عليه سلاسل التوريد العابر للقارات، ويشمل ذلك النفط وموارد الطاقة الأخرى التي يتم تصديرها من الدول الخليجية إلى الدول الشرقية.
وفي ظل الجمود القائم في عملية المفاوضات، لم تتأثر إمدادات الطاقة وحسب، بل إن الأسواق العالمية، لا سيما تلك التي تقع في الجزء الشرقي، تواجه نقصاً وصعوبة بالغة في استيراد السلع الأخرى أيضاً.
وتعرب وكالات الأمم المتحدة عن قلقها من أن هذه الصعوبات قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في كثير من المناطق، والتي بدورها ستمثل صدمةً للاقتصاد العالمي.
وبحسب المؤسسات العالمية فإن التوترات في منطقة الشرق الأوسط تتسبب بزيادة ارتفاع أسعار السلع الزراعية في كثير من البلدان النامية بما في ذلك باكستان وبنغلاديش ونيبال والفيليبين.
وما يزيد من خطورة التعطل في توصيل السلع هو وجود أكثر من 45 مليون شخص يعيشون على المساعدات الإنسانية في آسيا.
اضطراب الإمدادات
إضافةً إلى ذلك، يُخشى أن إغلاق مضيق هرمز سيتسبب باضطراب كبير في إمدادات الأمونيا والنيتروجين، إذ لا يقتصر دور مضيق هرمز على توفير أكثر من 20 في المئة من نفط العالم وحسب بل يمر عبر هذا الممر المهم ثلث شحنات المواد الخام للأسمدة أيضاً.
وقد بدأنا نرى بوادر هذه الاضطرابات في بنغلاديش حيث تأثر الإنتاج في مصانع الأسمدة الحكومية تزامناً مع ذروة موسم زراعة الرز هناك.
وينذر هذا الوضع بأزمة غذائية كبيرة في دول جنوب آسيا، وتقدر الأمم المتحدة أن أكثر من 9 ملايين شخص سيتأثرون بصورة مباشر إذا استمر الوضع الحالي.
ويغطي الشرق الأوسط 27 في المئة من حاجات الأمونيا في العالم، و22 في المئة من الفوسفات، و45 في المئة من الكبريت. وتتمثل أهمية هذه المواد في كونها عناصر أساسية لإنتاج الأسمدة، فيما يمر ثلث الأسمدة النيتروجينية في العالم عبر مضيق هرمز، مما يعني أن أي تعطل هناك قد يؤثر في سلاسل التوريد العالمية.
وهناك مخاوف من ارتفاع أسعار الفوسفات أيضاً إذ تُعد السعودية واحدة من أكبر أربع دول مصدرة للفوسفور، وتعتمد بطبيعة الحال على مضيق هرمز في صادراتها.
وإلى جانب انخفاض الإنتاج الزراعي ومخاوف انعدام الأمن الغذائي، قد يتأثر الإنتاج الصناعي أيضاً بشدة بسبب إغلاق مضيق هرمز، فإنتاج الأجهزة الكهربائية في تايوان على سبيل المثال قد يتأثر بنسبة تصل إلى 25 في المئة.
ويزود الشرق الأوسط العالم بنحو نصف إنتاج الإيثيلين غليكول، ويزوده بثلث إنتاج الـ"بولي إيثيلين"، وأي تأخير في إمدادات هذه المواد قد يؤثر سلباً في القطاع الصناعي في الصين وفيتنام، ونقص الألومنيوم قد يعرقل إنتاج السيارات في شمال أفريقيا.
من جانب آخر، تأثرت حركة النقل الجوي بين أوروبا وآسيا بشدة جراء التوترات في الشرق الأوسط، وأجبر هذا الوضع كثيراً من شركات الطيران على اتخاذ مسارات أطول مما زاد من كلفها، وتأثرت صناعات رقائق الكمبيوتر وكابلات الألياف الضوئية وأنظمة التصوير الطبي بهذه التوترات.
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تتجاهل النخب الحاكمة في الغرب والدول الأخرى ذات الصلة هذه المشكلات التي تعانيها شعوب العالم أجمع؟
"مصائب قوم..."
لكن من جهة أخرى وكما تقول العبارة الشهيرة "مصائب قوم عند قوم فوائد"، فبينما يعاني ملايين الأشخاص هذه الحرب، تستفيد شركات الأسلحة والقطاعات المتعلقة بالصناعات العسكرية بصورة كبيرة منها، ويستغل بعض أفراد الطبقات الحاكمة في الولايات المتحدة هذه الفرصة لعقد صفقات تجارية تتعلق بالطائرات من دون طيار والأسلحة مع دول مختلفة في الشرق الأوسط.
ولا يُرجح أن هذا التباين سيتقلص في قادم الأيام، أو أن يحسب أصحاب القرار حسابات المواطنين المأزومين من الحرب في ظل غياب الأنظمة الرقابية والمؤسسات العالمية من المشهد وسيادة المصالح ومنطق القوة، لا سيما في ظل وجود شريحة قريبة من النخب الحاكمة تستفيد من هذه الأزمات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الرهان اليوم في وقف الحرب يقع على الشعب الأميركي، إذ رأينا في الماضي أنه عندما ضربت الطبقات الحاكمة في أميركا القوانين والتشريعات الدولية عرض الحائط وفرضت جنونها الحربي على فيتنام ولاوس وكمبوديا ودول أخرى، كان الشعب الأميركي هو الذي خرج إلى الشوارع لهدم هذا التفكير المتعجرف لحكامه ووقف بصرامة ووضوح أمام سياستهم الحربية التي كادت أن تودي بحياة الملايين.
ومع انحسار قوى إقليمية، مثل ليبيا وسوريا والعراق ولبنان، أصبحت إسرائيل الدولة الوحيدة ذات القوة العسكرية في المنطقة التي تحظى بدعم مطلق من القوة العظمى في العالم، الولايات المتحدة.
في مثل هذه الحال، لا يبقى سوى الخيار السلمي على المستوى الشعبي لمنع اندلاع مزيد من الحروب من خلال التظاهرات والاحتجاجات الواسعة النطاق في الدول التي افتعلت هذه الأزمة من أجل إجبار الحكام على عدم تأجيج نيران الحرب وتبني الدبلوماسية ليس لإنقاذ دولة أو منطقة معينة بل العالم كله من التداعيات الكارثية للحرب.
لذا من الضروري أن تتوحد العناصر المناهضة للحرب في الولايات المتحدة حول هدف واحد يتمثل في ترسيخ وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط وإيجاد حل دبلوماسي فوري للمشكلة.
وينبغي تنظيم تظاهرات مناهضة للحرب في أوروبا وكندا واليابان وكوريا الجنوبية ومناطق أخرى من العالم، وعلى المنظمات المناهضة للحرب تكثيف جهودها في هذا الصدد مع الإشارة إلى الصعوبات التي باتت تثقل كاهل شعوب الدول الفقيرة جراء هذه الحرب.
نقلاً عن "اندبندنت أوردو"