Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الموسيقى متهمة بتلف الدماغ... ولكن كيف؟

حدد علماء الأعصاب أسباباً تجعلها ترسخ في أذهاننا، ومنها دور القشرة السمعية التي تصبح نشطة للغاية عند الاستماع إلى الألحان المتكررة والمنظمة

الأغاني المفعمة بالحيوية والطاقة تميل إلى إفراز الدوبامين بصورة أكبر (بيكسباي)

ملخص

أفاد تطبيق "تيك توك" بوجود أكثر من مليار مستخدم نشط شهرياً في الربع الثاني من عام 2024، حيث كانت الموسيقى عنصراً أساساً في 90 في المئة من مقاطع الفيديو الأكثر مشاهدة.

أثناء تصفحنا لتطبيقات مثل "تيك توك" و"إنستغرام"، وحتى "فيسبوك"، لا يسعنا إلا أن نلاحظ كيف تتغلغل الموسيقى في تجاربنا على مواقع التواصل الاجتماعي. فمقطع موسيقي جذاب غالباً ما يصبح الموسيقى التصويرية للاتجاهات الرائجة وتحديات الرقص، وحتى اللحظات الشخصية التي يشاركها المستخدمون حول العالم.

في عالم التواصل الاجتماعي الديناميكي، حيث تُختزل القصص إلى مقاطع فيديو قصيرة، يتجاوز استخدام الموسيقى مجرد السمع، ليصبح أداةً فعّالة لصنّاع المحتوى. فمن بناء روابط عاطفية إلى تعزيز هوية العلامة التجارية، تلعب الموسيقى دوراً محورياً في تشكيل تجربة المشاهد. ومع استمرار تطور وسائل التواصل الاجتماعي، سيظل دمج الموسيقى استراتيجياً حجر الزاوية لمن يسعى إلى جذب انتباه جمهوره وإشراكه، وترك انطباع دائم لديه. إذ تُعدّ الموسيقى أداةً فعّالةً تستخدمها منصات التواصل الاجتماعي لإبقائنا منخرطين. وعلى رغم أنها تُحسن تجاربنا على الإنترنت، فمن الضروري أن نُدرك كيف يُمكن أن تُسهم في سلوكياتٍ تُؤثر سلباً في صحتنا النفسية.

النمط العصبي

تُحفز منصات الفيديو القصيرة، مثل "تيك توك" و"ريلز إنستغرام" و"يوتيوب شورتس"، استهلاكاً عفوياً للمحتوى السمعي البصري، مما قد يؤدي إلى أنماط استخدام إدمانية، ومن هنا جاء تصميمها ونجاحها. حيث يُنتج هيكل هذه المنصات ديناميكية من الإشارات وعمليات الاستجابة للمؤثرات، ويُولد عملية تكييف على الجهاز العصبي. فمن الناحية العصبية البيولوجية، تُشبه عملية الإشباع الفوري هذه التحفيز الناتج من المقامرة، مما يؤدي إلى الاستخدام القهري. وهنا يكمن القلق الرئيس، فنظراً إلى طبيعة الدماغ التكيفية، قد يُؤدي هذا النشاط المتكرر إلى تغييرات مزمنة في المعالجة العصبية من خلال اللدونة العصبية، لا سيما في الجهاز العصبي النامي، وكذلك عند البالغين.

وبينما بُنيت المنصات الرقمية على تحليل أنماط تفاعل المستخدمين لزيادة الانتباه والتفاعل والاحتفاظ بالمحتوى من خلال التصميم الاستراتيجي للتمرير السريع عبر اللمس، والتغذية الراجعة الفورية، والخوارزميات المُخصصة التي تُكيّف المحتوى مع المستخدم، وما إلى ذلك. فإنها تدفع المستخدمين على إنتاج محتوى سمعي بصري يُشجع على التفاعل، فتكافِئ عبر الخوارزميات ظهور المحتوى بناءً على الانتقالات السريعة والرسائل العاطفية والمؤثرات البصرية التي تُشجع على الاستهلاك الاندفاعي، في وقتٍ تُعاقب إنتاج أنواع أخرى من المحتوى. ويُطلق على هذا النمط العصبي النفسي للإشباع الاصطناعي، الذي يتميز بالاندفاع، وتفضيل كل ما هو جديد، وقلة القدرة على تحمل الإشباع المؤجل، وصعوبة الحفاظ على الانتباه، والذي يُشبه أنماطاً أخرى من السلوك الإدماني، اسمه "دماغ تيك توك".

تعزيز التفاعل

ومن الطرق التي يمكن من خلالها للموسيقى الحيوية المناسبة أن تعزز تفاعل المستخدمين، أن تكون الموسيقى جاذبة للانتباه، فلا يُضاهي تأثير الموسيقى الحماسية شيء في جذب الانتباه، حيث ينشدّ المشاهدون فوراً إلى الإيقاعات النابضة بالحياة، مما يخلق اتصالاً مباشراً بمحتوى الفيديو، إذ تحدد الثواني الأولى من الفيديو ما إذا كان المشاهد سيستمر في المشاهدة أم سينتقل إلى فيديو آخر. ولا يتوقف الأمر هنا، بل يمتد تأثير الموسيقى الحماسية ليشمل زيادة حدة التوتر في السرد وتهدئة الأحداث، فهي تعزز أسلوب سرد القصص وإيصال الرسالة، فيمكن للموسيقى، وبخاصة المقطوعات الحماسية، أن تُبرز لحظات الذروة والانخفاض في القصة، مما يُضخّم الصدى العاطفي والتأثير العام. هذه العملية كلها تُحوّل السرد إلى ملحمة آسرة يستطيع المشاهدون التفاعل معها على مستوى عميق. كذلك يلعب إيقاع الموسيقى دوراً حاسماً في تشكيل إدراك المشاهد للوقت، فالموسيقى السريعة والحيوية قد تجعل الفيديو يبدو أقصر مما هو عليه، وذلك لأنها تخلق إيقاعاً يجذب انتباه المشاهد ويغمره في المحتوى. والنتيجة، يفقد المشاهدون الإحساس بالوقت، وحتى الفيديوهات الطويلة لا تبدو مملة. وتعتبر هذه الميزة أداة فعّالة في صناعة محتوى الفيديو، إذ تُسهم هذه الاستراتيجية في خفض معدلات التخلي عن مشاهدة الفيديوهات بصورة ملحوظة، ورفع مستوى رضا المشاهدين.

عنصر أساس

وضمن هذه المنظومة، فقد أحدث الانتشار الهائل لمحتوى الفيديو القصير على منصات وسائل التواصل الاجتماعي ثورة في طريقة استهلاك الموسيقى وتسويقها. فوفقاً لدراسة حديثة أجرتها "ميوزيك ووتش" تبين أن 68 في المئة من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يكتشفون موسيقى جديدة من خلال محتوى الفيديو القصير.

إذ أفاد تطبيق "تيك توك" بوجود أكثر من مليار مستخدم نشط شهرياً في الربع الثاني من عام 2024، حيث كانت الموسيقى عنصراً أساساً في 90 في المئة من مقاطع الفيديو الأكثر مشاهدة. وشهدت ميزة "إنستغرام ريلز" زيادة بنسبة 35 في المئة في التفاعل مع المحتوى المتعلق بالموسيقى مقارنة بالعام الذي يسبقه. كذلك تجاوزت مشاهدات مقاطع الفيديو القصيرة على "يوتيوب" ملياري مشاهدة يومية، حيث شكلت مقاطع الفيديو الموسيقية نحو 40 في المئة من المحتوى الأكثر رواجاً.

لذا لا يُمكن إنكار تأثير وسائل التواصل في صناعة الموسيقى، حيث تُترجم الأغاني التي تنتشر بسرعة على المنصات وبخاصة "تيك توك" و"إنستغرام" إلى نجاح كبير في قوائم الاستماع. وعليه تشهد هذه المنصات اليوم تزايداً في عدد الفنانين الذين يُنتجون أغاني خصيصاً للانتشار السريع عبر مقاطع قصيرة، والتي غالباً ما تكون عبارة عن 15 ثانية من الموسيقى الجذابة مصحوبة بحركات رقص قصيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المعالجة الدماغية

ولكن لا بد من معرفة كيف تعالج أدمغتنا الموسيقى لنستكشف تأثيرها فيه، ويبدو أن للدماغ طرقاً عدة، بحسب الباحثين والمتخصصين، إذ يشمل مناطق مختلفة مسؤولة عن الصوت والذاكرة والمتعة. وقد حدد علماء الأعصاب أسباباً تجعل الموسيقى الجذابة ترسخ في أذهاننا، ومنها دور القشرة السمعية وهي الجزء من الدماغ المسؤول عن معالجة الصوت، إذ تصبح نشطة للغاية عند الاستماع إلى الألحان المتكررة والمنظمة. فغالباً ما تتبع الموسيقى الجذابة أنماطاً متوقعة، مما يسمح للدماغ بتوقع ما سيأتي لاحقاً، وتعمل القشرة السمعية على الاحتفاظ بهذه الأنماط، مما يجعل تذكر اللحن أسهل لا إرادياً، فحتى لو سمعت جزءاً صغيراً فقط من الأغنية لاحقاً، يمكن لدماغك تذكر اللحن بالكامل.

والسبب الثاني المهم كالعادة هو الدوبامين ونظام المكافأة في الدماغ، فيحفز الاستماع إلى الموسيقى إفراز الدوبامين، وهو ناقل عصبي مرتبط بالمتعة والمكافأة والتحفيز. وكلما كانت النغمة أكثر جاذبية، زادت استجابة الدوبامين، مما يعزز رغبة الدماغ في سماعها مرة أخرى. وهذا يفسر سبب استمتاع الناس بتكرار أغانيهم المفضلة، فكلما حفزت الأغنية نظام المكافأة في الدماغ، زادت احتمالية أن تعلق في الأذهان، إضافة إلى أن الأغاني المفعمة بالحيوية والطاقة تميل إلى إفراز الدوبامين بصورة أكبر، مما يجعلها أكثر إدماناً.

تهمة الموسيقى

وعليه، فإن التعرض المستمر للموسيقى والصوت على وسائل التواصل الاجتماعي، وبخاصة من خلال منصات المحتوى القصير، قد تكون له آثار ضارة على وظائف الدماغ، مما يؤدي إلى ظاهرة تُعرف باسم "تلف الدماغ" أو الإرهاق الرقمي. والنقطة المهمة هنا أن الخطر لا يكمن في الموسيقى نفسها، بل في طبيعة المحتوى المحفزة باستمرار وبسرعة عالية، مما يُدرب الدماغ على التوق إلى المكافآت الفورية ويُضعف القدرة على التركيز.

لذا فمن أبرز عوامل الإسهام في "تدهور العقل" هو التدفق المستمر للمحتوى الذي توفره منصات التواصل، وللموسيقى هنا حتماً دورٌ حاسم. فعندما نسمع أغنية جذابة، نجد أنفسنا نبحث عن فيديوهات أخرى تستخدم اللحن نفسه، وهذا يقودنا إلى دوامة من اكتشاف المحتوى يصعب الخروج منها. وهذا سياق الخوارزمية التي تؤدي أدواراً مهمة في هذا التدفق، فهي تتعرف إلى تفضيلاتنا الموسيقية وتقدم لنا مزيداً مما نحب، مما يُبقينا في حلقة متواصلة من المحتوى المألوف والجذاب. لذلك فالتدفق المستمر والسلس للفيديوهات المصحوبة بالموسيقى التي نستمتع بها يُبقينا منغمسين، ويجعل من الصعب علينا ترك هواتفنا. وبالنتيجة الكلية فالموسيقى تعزز سلوكيات تلف الدماغ أو تدهور العقل على وسائل التواصل الاجتماعي في كثير من النواحي، فالألحان الجذابة والتلاعب العاطفي والتكرار اللانهائي للمحتوى الموسيقي، كلها عوامل تُسهم في إدمان وسائل التواصل الاجتماعي.

اقرأ المزيد

المزيد من صحة