ملخص
شهدت علاقة المغاربة بمواطنيهم اليهود الذين هاجروا بالأساس نحو إسرائيل خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي مداً وجزراً، ارتباطاً بالتجاوزات المسجلة على المستوى السياسي والعسكري في حق الفلسطينيين، وعلى رغم كون المغرب أبعد بلد عربي جغرافياً من فلسطين، فإنه ارتبط ارتبطاً وثيقاً بقضيتها.
تناقلت وسائل إعلام مغربية وأجنبية خبر إحالة الحكومة المغربية ملتمساً تشريعياً على البرلمان يقضي بمنح أبناء وأحفاد المهاجرين اليهود الجنسية المغربية، مما أثار جدلاً واسعاً حول مشروعية تلك الخطوة، في ظل توالي تحذيرات سياسيين ونشطاء من "غزو إسرائيلي" غير معلن للمغرب.
ونفت الحكومة المغربية المعطيات التي تم تداولها بخصوص ذلك الملتمس، مؤكدة أن ما تم ترويجه يستند إلى معلومات غير دقيقة، باعتبار أن الأمر لا يتعلق بمقترح حكومي أو عريضة، بل بملتمس في مجال التشريع يعود إلى عام 2024، وجرى وضعه عبر البوابة الوطنية للمشاركة المواطنة التي تتيح للمواطنين تقديم العرائض والملتمسات بصورة مستقلة، ولكنه لم يستوف بعد الشروط القانونية المطلوبة (20 ألف توقيع) خلافاً لما تم الترويج له، حيث لم يجمع حتى الآن إلا 20 توقيعاً.
مكون مثير للجدل
يعود الوجود اليهودي في المغرب بحسب دراسات تاريخية إلى العصر الفينيقي، ووصل مداه مع بداية سقوط الأندلس، حيث هاجر آلاف اليهود نحو المملكة هرباً من محاكم التفتيش، لذا فاق عددهم آنذاك 130 ألفاً، مما جعل العنصر اليهودي من المكونات الأساسية للهوية المغربية، لكنه لم يتم التنصيص على ذلك إلا في دستور عام 2011، إذ أقر أن "المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الأفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وشهدت علاقة المغاربة بمواطنيهم اليهود الذين هاجروا بالأساس نحو إسرائيل خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي مداً وجزراً، ارتباطاً بالتجاوزات المسجلة على المستوى السياسي والعسكري في حق الفلسطينيين، وعلى رغم كون المغرب أبعد بلد عربي جغرافياً من فلسطين، فإنه ارتبط ارتبطاً وثيقاً بقضيتها، في حين تشهد المملكة أخيراً تحذيرات من غزو إسرائيلي يتخذ مظاهر عدة، في أعقاب الاتفاق الثلاثي الأميركي - الإسرائيلي - المغربي الموقع عام 2020، إذ يشهد المغرب ارتفاعاً في أعداد السياح الإسرائيليين، إضافة إلى بروز مظاهر تثير جدلاً في الشارع المغربي، مثل قيام مجموعة متدينين يهود بصلاة تلمودية أمام أحد أسوار مدينة مراكش، إضافة إلى مخاوف من موجة استيطان.
محاولة إنهاء الحيف
وبحسب نص الملتمس فإن أبناء وأحفاد المهاجرين اليهود المغاربة عانوا فقدان الحق في الجنسية المغربية المترتبة عن النسب لأجيال كثيرة، وذلك لأسباب عدة، أهمها بعد المسافة بين دول الإقامة والمغرب، وصعوبات أخرى مرتبطة بالوضعية السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية ببلدان الإقامة، مما أثر في رابطتهم القانونية تجاه وطنهم المغرب وحقوقهم وحقوق أسلافهم، لذا فإن الغرض من الملتمس إنهاء معاناة هؤلاء الأبناء والأحفاد في ظل عدم تحرك المشرع المغربي بما يكفي لرفع ذلك الحيف.
كذلك يقترح المشروع إحداث هيئة وطنية خاصة بالشؤون الدينية لليهود المغاربة، إضافة إلى دعوة الدولة لحماية الجالية اليهودية المغربية ومصالحها من أي تمييز أو استهداف أو اعتداء بسبب دينها أو هويتها، والعمل مع باقي الفاعلين على استرجاع الحقوق الاقتصادية والمالية والثقافية وغيرها لتلك الجالية التي تم الإضرار بها عقب هجرتها من المغرب.
من جانبه نفى رئيس الطائفة اليهودية في جهة (محافظة) مراكش آسفي، جاكي كدوش وجود أية صعوبات في عملية حصول أبناء المهاجرين اليهود المغاربة على الجنسية وجواز السفر المغربيين، مؤكداً تمتع الطائفة اليهودية المغربية بالحقوق المكفولة في الدستور كبقية مواطني المملكة، ومشدداً على كون الهدف من ذلك الملتمس إثارة الفوضى عبر ادعاء وجود تمييز بين اليهود المغاربة وبقية المواطنين.
هل يصبح ملاذاً؟
وتتعالى أصوات مناهضة لوجود المكون الإسرائيلي في المغرب، رافضة التطبيع وكل القوانين التي من شأنها تعزيز مكانة ذلك العنصر في المملكة، وتساءل الكاتب العام المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، عزيز هناوي "إذا كان أبناء وأحفاد المهاجرين اليهود مواطنين مغاربة حقيقيين، فما الذي جعل جنسيتهم تسقط أصلاً حتى تتم المطالبة اليوم بإعادة منحها، ما دام الخطاب السياسي الرسمي للدولة يكرر منذ عقود أن يهود المغرب المهاجرين لم يفقدوا جنسيتهم؟"، مذكراً بوضوح المادة 19 من قانون الجنسية المغربي في مقتضى إسقاط الجنسية عن كل مغربي مارس الجندية في صفوف جيش أجنبي، وهي حال المغاربة اليهود المهاجرين إلى إسرائيل وأبنائهم وأحفادهم، إذ يفرض القانون الإسرائيلي الخدمة العسكرية على كل مواطن.
ويربط هناوي بين ذلك المقترح التشريعي والحروب في المنطقة، متسائلاً "هل يصبح المغرب ملاذاً للإسرائيليين (وكلهم جنود) عبر الدخول إلى المملكة بجنسية مغربية وجوازات سفر وبطاقات تعريف وطنية؟".
من جانب آخر، هناك تيار يرى في القانون الفيصل في مسألة منح الجنسية للإسرائيليين من أصل مغربي، باعتبار أن الدستور المغربي ينص على كون العنصر العبري جزءاً من الهوية المغربية، ويوضح المحلل السياسي هشام معتضد، أن النقاش الدائر يعكس حساسية تقاطع الجانب القانوني مع السياسي والرمزي، مشيراً إلى أن قضايا الجنسية تدار وفق قواعد السيادة والقانون الداخلي، بخاصة ما يتعلق بحقوق النسب، والاسترجاع، أو الازدواجية، ولا تحسم على أساس الانتماءات الجماعية أو التأويلات السياسية. مضيفاً أن أية مبادرة تشريعية محتملة ستقاس بمدى اتساقها مع الإطار الدستوري المغربي، والمعايير الدولية التي تنظم اكتساب الجنسية، بما في ذلك مبدأ عدم التمييز وضمانات الإجراءات، لذلك فإن تحويل النقاش إلى حكم جماعي على فئة كاملة يخاطر بإضعاف صرامة المقاربة القانونية.
ويشير المحلل السياسي إلى أن المغرب من الناحية الاستراتيجية يوازن تقليدياً بين الحفاظ على روافده التاريخية، بما فيها مكونات الجالية اليهودية ذات الجذور المغربية، وبين التزاماته السياسية والأخلاقية إزاء القضايا الدولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لذا فإن التدبير السياسي في هذا المجال يحتاج إلى صياغة دقيقة تمنع التسييس المفرط، عبر فتح الأبواب أمام الروابط العائلية والثقافية ضمن شروط قانونية واضحة، مع تحصين المنظومة بآليات شفافة للمساءلة، هذا النهج يجنب تحويل ملف تقني إلى ساحة استقطاب، ويبقيه ضمن حدود الدولة القانونية، على حد تعبيره.
وبخصوص المخاوف المرتبطة بالإفلات من العقاب، يوضح أن القانون الدولي الإنساني يكرس مبدأ عدم التسامح مع الجرائم الجسيمة، كذلك يقر بآليات مثل الاختصاص القضائي العالمي، وعدم سقوط جرائم الحرب بالتقادم، وإمكان التعاون القضائي بين الدول، لذا فإن اكتساب أو استرجاع الجنسية لا يعد، بذاته، درعاً قانونية ضد الملاحقة إذا توفرت أدلة جدية، ولا يلغي التزامات الدولة في التحقيق أو التعاون، وهنا تصبح قوة الدولة مرتبطة بتصميم منظومة تحقق وفحص دقيقة، تفصل بين الحق الفردي في الجنسية وبين أية شبهات جنائية تعالج عبر المسارات القضائية المتخصصة.