ملخص
تشير وثيقة بريطانية صادرة في الـ 22 من مارس 1995 إلى أن فكرة إنشاء تكتل للدول العربية حظيت بتشجيع من بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى تأسيس جامعة الدول العربية في مارس عام 1945. فكيف راقبت لندن أداء الجامعة العربية في التسعينيات؟
يتناول الملف الأرشيفي الصادر عن وزارة الخارجية البريطانية (FCO 93/8474) العلاقات بين جامعة الدول العربية والمملكة المتحدة خلال عام 1995، مستعرضاً طبيعة التفاعلات السياسية والدبلوماسية بين الجانبين في تلك المرحلة، وذلك وفق وثائق محفوظة في الأرشيف الوطني البريطاني بكيو، التي أُتيح الاطلاع عليها رسمياً في الـ 23 من يناير (كانون الثاني) 2026.
تتناول النصوص نشأة جامعة الدول العربية، وتطور دورها السياسي منذ تأسيسها عام 1945، مروراً بهيكلها المؤسسي وآليات عملها، وصولاً إلى أبرز محطات عملها في القضايا العربية الكبرى، مثل الصراع العربي - الإسرائيلي، وأزمات مصر والعراق والكويت، إضافة إلى علاقاتها الإقليمية والدولية. كذلك تكشف النصوص عن التحديات التي واجهت الجامعة في تحقيق التوافق بين الدول الأعضاء، في ظل التباين السياسي والحفاظ على السيادة الوطنية، وما ترتب على ذلك من تأثيرات على فاعليتها ودورها في الساحة العربية والدولية.
بين الإرادة العربية والدور البريطاني
تشير الوثيقة إلى أنه في الوقت الذي كانت فيه جامعة الدول العربية تستعد للاحتفال باليوبيل الذهبي في العاصمة البريطانية لندن، تجدد الجدل حول نشأتها، وظهرت تفسيرات متعددة لطبيعة تأسيسها والدوافع التي قادت إلى قيامها. موضحة أن بعض الباحثين ذهبوا إلى اعتبارها في بداياتها مجرد "صناعة" أو "أداة" بريطانية، غير أن هذا الطرح يتجاهل تصاعد الضغوط والحركات الشعبية العربية منذ أربعينيات القرن العشرين، التي طالبت بتعزيز التعاون بين الدول العربية في إطار من التنسيق والعمل المشترك، وصولاً إلى أشكال من الوحدة العربية.
وتبين من الوثيقة أن هذا المشروع كان في جوهره تعبيراً عن إرادة عربية داخلية وتطلعات إقليمية متنامية، حتى وإن كان للسياسة البريطانية دور محفّز أسهم في تسريع تشكّله من دون أن يكون مصدره الأساسي. مشيرة إلى أنه في خضم الحرب العالمية الثانية، ومع سعي بريطانيا إلى حماية مصالحها الاستراتيجية ومنع تقدم القوات الألمانية بقيادة إرفين رومل نحو مصر وفلسطين، رأت في دعم فكرة التقارب العربي وسيلة لتعزيز موقعها في المنطقة.
وذكرت الوثيقة أن وزير الخارجية البريطاني أنطوني إيدن أعلن في خطاب ألقاه في الـ 29 من مايو (أيار) 1941 تأييد بلاده لفكرة الوحدة العربية، وهو ما فُهم عربياً على أنه دعم لإنشاء كيان عربي واسع، قبل أن يعود في الـ 24 من فبراير (شباط) 1943، ليؤكد هذا الموقف، مع التشديد على أن المبادرة يجب أن تنبع من الدول العربية نفسها.
وتضمّنت الوثيقة أن القادة العرب في كل من شرق الأردن وسوريا والعراق ومصر استجابوا لهذه الدعوة، فاقترحوا عقد مؤتمر عربي، لتبدأ سلسلة من المشاورات التي أفضت إلى توقيع ميثاق جامعة الدول العربية في القاهرة في الـ 22 من مارس (آذار) 1945، بمشاركة سبع دول هي: سوريا، وشرق الأردن، والعراق، والسعودية، ولبنان، ومصر، واليمن. كذلك أوضحت الوثيقة أن الميثاق تضمن ملحقاً خاصاً بفلسطين، نصّ على أن يتولى مجلس الجامعة اختيار ممثل فلسطيني يشارك في أعماله إلى حين حصول فلسطين على استقلالها.
وتبين الوثيقة أن الالتزامات الواردة في الميثاق تجاه العرب في فلسطين شكّلت نقطة توتر بالنسبة إلى الحكومة البريطانية، نظراً إلى تعهداتها المتوازية تجاه كل من العرب واليهود في إطار نظام الانتداب. مرجحة أنه على رغم هذه التعقيدات استمرت بريطانيا بعد نحو عقد من الزمن في النظر إلى الجامعة العربية بوصفها حليفاً محتملاً، حيث دعم أنطوني إيدن، بعد عودته إلى منصب وزير الخارجية، مقترحاً قدمه العراق الملكي يقضي بضم تركيا إلى الجامعة بهدف تعزيز الدفاع عن منطقة الشرق الأوسط الشمالية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكشفت الوثيقة أن إيدن أعرب كذلك عن أمله في انضمام كل من باكستان وإيران إلى هذا التكتل، بما قد يجعله أقرب إلى "حلف شمال أطلسي للشرق الأوسط"، في إشارة إلى حلف شمال الأطلسي.
وخلصت الوثيقة إلى أن نشأة جامعة الدول العربية كانت نتاج تفاعل معقد بين إرادة عربية داخلية وظروف دولية فرضتها الحرب العالمية الثانية، إذ التقت المصالح الإقليمية مع الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى في تلك المرحلة.
التأسيس وآليات العمل
تشير الوثيقة البريطانية الصادرة في الـ 22 من مارس 1995 إلى أن فكرة إنشاء تكتل للدول العربية حظيت بتشجيع من بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى تأسيس جامعة الدول العربية في مارس عام 1945.
وتؤكد الوثيقة أن الجامعة بدأت بعضوية سبع دول فقط، قبل أن تتوسّع تدريجاً لتضم اثنتين وعشرين دولة تمتد من المحيط الأطلسي حتى الحدود الإيرانية. إلى أن الدول الأعضاء تشمل: الجزائر، والمغرب، والبحرين، وعُمان، وجزر القمر، وفلسطين، وجيبوتي، وقطر، ومصر، والسعودية، والعراق، والصومال، والأردن، والسودان، والكويت، وسوريا، ولبنان، وتونس، وليبيا، والإمارات العربية المتحدة، وموريتانيا، واليمن. وذكرت الوثيقة أن فلسطين تُعد دولة مستقلة وفقاً لتصنيف جامعة الدول العربية.
يشكّل ميثاق جامعة الدول العربية، الذي جرى توقيعه في الـ 22 من مارس عام 1945، الأساس الدستوري الذي قامت عليه هذه المنظمة الإقليمية، إذ جاء ليعبّر عن تطلعات الدول العربية في تلك المرحلة التاريخية إلى تعزيز أواصر التعاون والتنسيق في ما بينها، مع الحرص في الوقت ذاته على صون استقلال كل دولة وسيادتها. ولم يكن الهدف من هذا الميثاق إقامة دولة عربية موحدة بقدر ما كان السعي إلى بناء إطار يجمع الدول العربية من دون أن يلغي كيانها السياسي المستقل.
وفي سياق تنظيم العلاقات بين الدول الأعضاء، نصّ الميثاق على آليات محددة لتسوية النزاعات التي قد تنشأ بينها، مؤكداً رفض اللجوء إلى القوة كوسيلة لحل الخلافات، ومقترحاً إنشاء "محكمة عدل عربية" على غرار محكمة العدل الدولية في لاهاي، لتكون جهة قضائية تفصل في النزاعات، إلا أن هذه المحكمة لم ترَ النور فعلياً.
كذلك تضمّن الميثاق ترتيبات لمواجهة حالات العدوان التي قد تتعرض لها أي دولة عضو، سواء من دولة عضو أخرى أو من خارج الجامعة، وقد تعزز هذا التوجه لاحقاً عندما وقّعت الدول الأعضاء عام 1950 معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي، التي التزمت بموجبها بالدفاع عن أي دولة عضو تتعرض لعدوان.
ومن ناحية آلية اتخاذ القرار، أقرّ الميثاق أن القرارات التي تصدر بالإجماع تكون ملزمة لجميع الدول الأعضاء، بينما تظل القرارات التي تُتخذ بالغالبية ملزمة فقط للدول التي وافقت عليها. وقد أدّى هذا الشرط، مع مرور الزمن، إلى إضعاف فاعلية الجامعة، إذ حالت المخاوف المتعلقة بالحفاظ على السيادة وحرية القرار دون إدخال تعديلات تجعل قرارات الغالبية ملزمة للجميع.
هيكل الجامعة العربية
تتكوّن جامعة الدول العربية من مجموعة من الأجهزة والمؤسسات التي تنظّم عملها وتدير شؤونها، وفي مقدمتها مجلس الجامعة الذي يُعدّ السلطة العليا، حيث تتمثل فيه الدول الأعضاء، ويكون لكل دولة صوت واحد بغضّ النظر عن حجمها أو قوتها. ويجتمع هذا المجلس عادة مرتين في السنة على مستوى وزراء الخارجية، كذلك تشارك فلسطين فيه من خلال ممثل عن منظمة التحرير الفلسطينية. وتتولى الأمانة العامة تنفيذ قرارات المجلس ومتابعة تطبيقها، إلى جانب الإشراف على عدد من المنظمات المتخصصة التي تعنى بالتنسيق الدفاعي والقضايا الثقافية والاقتصادية وغيرها.
ومع تطوّر العمل العربي المشترك، برزت مؤتمرات القمة العربية كإطار سياسي مهم يُعقد تحت مظلة الجامعة، على رغم عدم وجود قواعد ثابتة تحدد مواعيدها أو أماكن انعقادها. وقد ارتبط انعقاد هذه القمم في كثير من الأحيان بالقضية الفلسطينية التي شكّلت المحور الأساسي للاجتماعات العربية. وكانت أول قمة عربية قد عُقدت في القاهرة عام 1964، استجابة لدعوة جمال عبد الناصر، الذي حثّ على تجاوز الخلافات العربية من أجل فلسطين، في ظل المخاوف من محاولات إسرائيل تحويل مجرى نهر الأردن.
وعلى رغم أن عديداً من قرارات القمم العربية لم يُنفذ على أرض الواقع، فإن بعضها أسفر عن نتائج ملموسة، أبرزها الاتفاق الذي جرى التوصل إليه عام 1967 بشأن الخطوط العامة للسياسة العربية في الصراع العربي - الإسرائيلي، وإنشاء قوة ردع عربية في لبنان عام 1976، وكذلك القرار الصادر عام 1978 بفرض عقوبات على مصر في حال إبرامها معاهدة سلام مع إسرائيل. كذلك أقرّت القمم في مناسبات متعددة تقديم دعم مالي كبير للتنمية الاقتصادية في الدول العربية، ولمساندة المقاومة الفلسطينية، ولدعم ما عُرف بدول المواجهة، وهي في الأصل مصر والأردن وسوريا.
أزمات الانقسام العربي
وفي أواخر ثمانينيات القرن العشرين، حققت الجامعة نجاحاً نسبياً حين تمكنت عام 1989 من المساهمة في إقرار وقف لإطلاق النار في لبنان، كذلك أنشأت قوة من المراقبين العسكريين العرب لمتابعة تنفيذ الاتفاق. وفي السياق نفسه، طرحت الجامعة مشروع "ميثاق الوفاق الوطني"، الذي أُقرّ في مدينة الطائف بالسعودية في أكتوبر (تشرين الأول) 1989، ليشكّل خطوة مهمة نحو إنهاء الأزمة اللبنانية.
شكّلت نهاية سبعينيات القرن العشرين مرحلة حساسة في تاريخ جامعة الدول العربية، إذ برزت أزمة عميقة تمثّلت في تعليق عضوية مصر. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1978، انعقدت قمة عربية في بغداد اتخذت مجموعة من الإجراءات لعزل مصر على خلفية توجهها نحو توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل، وكان من أبرز هذه الإجراءات نقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس.
غير أن هذا العزل لم يدم طويلاً، إذ تبيّن مع مرور الوقت أنه غير قابل للاستمرار، فبدأت الدول العربية خلال النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين في إعادة دمج مصر تدريجاً ضمن المنظومة العربية، إلى أن جرت إعادتها رسمياً إلى الجامعة عام 1989، تلا ذلك عودة مقر الجامعة إلى القاهرة عام 1990.
لكن، هذا الانفراج لم يلبث أن أعقبه انقسام عربي جديد، هذه المرة بسبب غزو العراق للكويت عام 1990، وهو الحدث المعروف بغزو العراق للكويت. ففي غضون عشرة أيام من الغزو، عُقدت قمة طارئة في القاهرة دانت العملية، وطالبت بانسحاب القوات العراقية، كذلك أيدت لجوء السعودية إلى الاستعانة بالقوات الأميركية. إلا أن هذا الموقف لم يكن محل إجماع، إذ شاركت 12 دولة فقط من أصل 21 دولة عضو في القمة، بينما عارضت دول أخرى وجود قوات أجنبية في المنطقة. وقد عكس هذا الانقسام عمق الخلافات العربية، إلى حد تعذّر معه عقد اجتماع كامل للجامعة إلا بعد تحرير الكويت. وعندما انعقد أول اجتماع بعد التحرير في مارس 1991 بالقاهرة، جاء متواضعاً وعلى مستوى المندوبين، في دلالة على استمرار حالة التباعد.
تحديات الجامعة العربية وإصلاحاتها المتعثرة
وفي سياق آخر، وجدت الجامعة نفسها أمام تحدٍ دولي جديد على خلفية قضية تفجير طائرة لوكربي عام 1988، والمعروفة بتفجير لوكربي. فبعد إصدار مذكرات توقيف عام 1991 بحق مواطنين ليبيين، عارضت الجامعة فرض عقوبات من قبل الأمم المتحدة على ليبيا، على رغم التزام بعض الدول الأعضاء بتطبيق تلك العقوبات، كذلك دعمت مقترحات تسوية وصفت بـ"الحلول الوسط".
أمّا على صعيد عملية السلام في الشرق الأوسط، فقد أعلنت الجامعة في أبريل (نيسان) 1993 دعمها المفاوضات التي انطلقت في مدريد عام 1991، والمعروفة بمؤتمر مدريد للسلام، لكنها لم تتخذ خطوات عملية فعّالة لتعزيز هذا المسار.
وفي ميدان العلاقات الدولية، برز ما عُرف بالحوار الأوروبي العربي، الذي انطلق عام 1973 عقب حرب أكتوبر، بهدف تحسين التواصل بين الدول العربية وأوروبا. وقد اضطلعت الجامعة بدور تمثيل الجانب العربي في هذا الحوار، إلا أن تطوّره تعثر نتيجة تعليق عضوية مصر ثم أزمة غزو الكويت. ومع تعيين أحمد عصمت عبد المجيد أميناً عاماً، سعت الجامعة إلى إحياء هذا الحوار، لكن الجهود اقتصرت إلى حد كبير على مشاورات بين الأمانة العامة والمفوضية الأوروبية.
وفي ما يتعلق بمستقبل الجامعة، فقد عُقد لقاء في الإسكندرية في ديسمبر 1994 جمع بين الملك فهد بن عبد العزيز وحسني مبارك وحافظ الأسد، إذ اتفقوا على ضرورة تعزيز دور الجامعة ومؤسساتها، من دون تقديم آليات واضحة لتحقيق ذلك. ومن بين المقترحات التي طُرحت آنذاك تعديل الميثاق لمنح الأمانة العامة صلاحيات أوسع، أو اعتماد مبدأ إلزامية قرارات الغالبية، إضافة إلى إنشاء محكمة عدل عربية للفصل في النزاعات بين الدول الأعضاء. ومع ذلك، لم تظهر مؤشرات جدية على تنفيذ هذه الإصلاحات في ذلك الوقت، ما أبقى مستقبل تطوير الجامعة مرهوناً بالإرادة السياسية للدول الأعضاء.