ملخص
قتلت صالحة أكبري داخل منزلها بعد معالجتها جرحى الاحتجاجات، وتشير شهادات إلى تعرض جثتها لانتهاكات جنسية داخل المشرحة. وأفادت تقارير بتعرض ممرضات للاعتقال والتعذيب والاغتصاب بعد تحدي أوامر منع علاج المصابين، بينما اضطر أطباء إلى إخفاء سجلات المصابين وعلاجهم سراً خشية الملاحقة وقتل المصابين.
كانت تلك الممرضات الشابات يقمن بعملهن الإنساني نحو الجرحى الذين اخترقت رصاصات النظام أجسادهم، عندما هم عناصر النظام الإيراني بخطفهن واحتجازهن في الدور الأسفل، إذ تعرضن للتعذيب والاغتصاب الوحشي على يد مجموعات من مجرمى النظام اللذين اعتادوا هكذا ممارسات في حق المعارضين، فيما ذهبت فرق الموت الأخرى لقتل أخرى داخل منزها بعد أن علموا بقيامها بمداواة مصاب آخر سراً.
فبينما كانت الجثث تملئ الطرقات ومئات الجرحى ملقين في أزقة المراكز الطبية والشوارع خلال الاحتجاجات الشعبية التي أغرقت المدن الإيرانية بين ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) الماضي، اقتحمت قوات الأمن الإيرانية المستشفيات ليس لإلقاء القبض على أولئك المعارضين الذين تجرأوا وخرجوا بالآلاف ليغرقوا أنحاء إيران بصرخاتهم في مواجهة القمع الوحشي الذي نشأ فيه أجيال على مدار 47 عاماً، وإنما للتأكد من قتلهم جميعاً إما بإمطارهم بمزيد من الرصاصات أو بمنع الأطباء والممرضات من مداواتهم وإنقاذ من هم في حالة حرجة.
اعتداء جنسي على جثة أكبري
وفي وجه وحشية النظام كان هناك من لم يردع الخوف إنسانياتهم وواجبهم بإنقاذ الأرواح والأجساد، فسراً قامت صالحة أكبري بإنقاذ حياة متظاهر شاب، لكنها سرعان ما دفعت حياتها ثمناً بعدما علمت عناصر النظام بالأمر ليقتلوها بالرصاص داخل منزلها وقاموا بالاعتداء على زوجها أحمد خدايي واحتجازه لمدة 11 يوماً، إذ هدد مراراً وتكراراً بالتزام الصمت حيال ما شاهده.
وكشفت الناشطة والصحافية الإيرانية مسيح علي نجاد عن أن صالحة أكبري تعرضت جثتها لانتهاكات جنسية من قوات الأمن الإيرانية داخل المشرحة، ثم جرى إرسال الصور إلى زوجها لإرهابه. وبعد أشهر من الضغط والتهديدات والاعتداءات على يد عناصر أمن النظام، حاول زوج أكبري، هذا الأسبوع، الانتحار.
كان أحمد خدايي أرسل لنجاد التي تقيم في الولايات المتحدة التي تعرضت لمحاولة اغتيال من النظام الإيراني قبل عامين، أدلة على التعذيب النفسي الذي تعرض له، وتفاصيل مقتل زوجته بالرصاص الحي. وأعربت الصحافية الإيرانية عن صدمتها عندما علمت بمحاولته الانتحار، وقال خدايي إنه بعد قتل زوجته، اعتدى عناصر الأمن على جثتها جنسياً داخل المشرحة، وأرسلوا له صوراً في ما يبدو أنه محاولة متعمدة لتعذيبه نفسياً.
ووفق نجاد، فإن الزوجان كانا يساعدان المتظاهرين المصابين في الحصول على الرعاية الطبية، متجنبين المستشفيات الحكومية خوفاً من الاعتقال والقتل. وبعد أيام، استهدف منزلهما. وبعد إطلاق سراحه، واجه أحمد مضايقات وترهيباً مستمرين، وأخيراً دفعه الضغط النفسي المتواصل إلى محاولة الانتحار.
وفي مناشدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي قالت نجاد "هذا ما يفعله نظام وحشي عندما يخشى شعبه، كانت صالحة وأحمد زوجين شابين متحابين، حياتهما مليئة بالأمل، وأيامهما مليئة بالمعنى، كانا ينقذان أرواح الجرحى. ولهذا السبب، أطلقت عليها النار في منزلها، اعتقل وهدد وتعرض لانهيار نفسي"، مضيفة "لا يمكن للعالم أن يتجاهل الأمر".
اغتصاب ممرضات وتعذبيهن
وكشفت بعثة تقصي الحقائق في شأن إيران التابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، عن عنف جنسي وتعذيب وعمليات قتل واعتقالات واحتجازات تعسفية واعترافات قسرية، ارتكبتها قوات الأمن الإيرانية في حق المتظاهرين خلال الاحتجاجات الماضية.
وفي مركز رجائي لأمراض القلب والأوعية الدموية والطب والبحوث في طهران، كان يتدفق سيل من المصابين بالرصاص الحى إلى المستشفى في يناير الماضي، عندما اقتحمت عناصر الأمن الإيرانية المستشفى ليوجهوا أوامر للفريق الطبي والعاملين بعدم تقديم العلاج.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووفق تفاصيل التي أوردها موقع إيران انترناشونال، في مارس (آذار) الماضي، فإن من بين 27 من العاملين والممرضين الموجودين في الجناح تلك الليلة، رفض 14 منهم الأمر وحاولوا علاج الجرحى، وتمكنت سبع ممرضات فقط من مواصلة تقديم الرعاية الطارئة لساعات عدة، ثم اقتحمت قوات الأمن المستشفى وأطلقت النار على بعض الجرحى. وعندما احتج الممرضون وموظفو المستشفى على إطلاق النار، تعرضوا للضرب ونقلوا إلى الطابق السفلي من المستشفى ثم إلى منطقة تخزين.
وأفاد شهود عيان بأن اثنتين من الممرضات السبع قتلتا رمياً بالرصاص أمام أعين البقية، وألقي القبض على خمس ممرضات أخريات ونقلن إلى الحجز، ولم تتلق عائلاتهن أية معلومات عن مصيرهن لأسابيع، ليتكشف لاحقاً أن اثنين من تلك الممرضات تعرضتا للتعذيب والاغتصاب الجماعي المتكرر على أيدي عناصر الأمن أثناء احتجازهما.
إحدى الممرضتين، وهي شابة تبلغ من العمر 33 سنة، تعرضت للاعتداء والاغتصاب المتكرر أثناء احتجازها. ووفق المصادر التي تحدثت للصحيفة، فإن العناصر أخضعوها لأشكال مختلفة من التعذيب الجنسي، إضافة إلى الاعتداء عليها جنسياً، "اغتصبها العناصر في مجموعات من اثنين أو ثلاثة على مدى أيام متتالية". كما تعرضت للاغتصاب بإدخال جسم غريب في شرجها، مما تسبب في نزف حاد، وفقاً للمصادر.
وفي صورة أخرى من أشكال التعذيب، اقتادها عناصر الأمن مع عشرات النساء المحتجزات الأخريات إلى مكان مرتفع، ثم دفعوهن جميعاً إلى حفرة صغيرة، بحسب المصادر. وكانت الإصابات التي لحقت بالممرضة بالغة الخطورة، لدرجة أن الأطباء اضطروا إلى استئصال جزء من أمعائها، وهي الآن تعيش مع كيس خارجي موصول بالقولون. كما عانى رحمها تمزقاً شديداً، وخضعت حتى الآن لجراحتين، وقد يضطر الأطباء في نهاية المطاف إلى استئصال الرحم بالكامل.
وقبل نقلها إلى غرفة العمليات، طلبت الممرضة مراراً من الأطباء ألا يتركوها على قيد الحياة، وقالت إنها إذا خرجت من العملية حية، فستنتحر، وفقاً للمصدر. وقال شاهد عيان، إن حالتها النفسية متدهورة للغاية لدرجة أن يديها مقيدتان حالياً بسرير المستشفى لمنعها من إيذاء نفسها، بينما تبقى تحت إشراف قوات الأمن.
وتعرضت الممرضة الثانية أيضاً للاغتصاب الجماعي أثناء احتجازها، وأفاد شهود عيان أن جزءاً من أمعائها تضرر بشدة، وتم تركيب كيس للقولون أيضاً، ونتيجة للنزف الحاد استأصل الأطباء رحمها بالكامل.
واضطرت عائلة إحدى الممرضات لدفع مبالغ طائلة لأحد ضباط المخابرات لضمان إطلاق سراحها، إذ جرى إعداد وثيقة تفيد بأن المرأة قد دخلت في زواج موقت مع أحد عناصر المخابرات، وهي خطوة وصفت بأنها تهدف إلى تهيئة الظروف لإطلاق سراحها، كما طلب منها التوقيع على تعهد يفيد بأنها ستقر بعد إطلاق سراحها بأنها تعرضت للاعتداء والاغتصاب على يد "مثيري شغب" وليس عناصر الأمن.
أسوأ مجزرة جماعية في التاريخ المعاصر
وفي فبراير (شباط) الماضي، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز"، شهادات مروعة جمعتها من 40 من الأطباء والممرضين الإيرانيين، الذين وصفوا المشهد بالمذبحة، وأعرب جميع الأطباء والممرضين عن صدمتهم من شدة إصابات المتظاهرين.
وقال أحد الذين تحدثوا من مدينة رشت الشمالية، إن مركزه الطبي كان مكتظاً بمئات من المتظاهرين، المصابين بطلقات نارية استهدفت رؤوسهم وأعناقهم وصدورهم وعظام أفخاذهم وبطونهم. وقد سعت السلطات إلى إسكات العاملون في الخطوط الأمامية للقطاع الطبي، الذين بدأ عدد منهم بتوثيق ما شاهدوه سراً أثناء محاولتهم تقديم المساعدة للمتظاهرين.
أفاد عدد من الأطباء الذين تواصلوا مع "نيويورك تايمز" بأنهم ما زالوا يعانون صدمة شديدة جراء ما شاهدوه، وقال كثيرون آنهم يعانون أعراضاً نفسية حادة شملت الكوابيس وذكريات مؤلمة، والحزن والغضب والقلق. وقال بعضهم إنهم فكروا في الانتحار، وخلص كثيرون إلى أنه ليس أمامهم خيار سوى طلب الحماية من العالم الخارجي، إلى جانب مرضاهم وغيرهم من الإيرانيين المطالبين بالحريات الأساسية، وناشدوا المجتمع الدولي تقديم المساعدة لضمان عدم تكرار مثل هذه الفظائع.
ويبذل الأطباء والممرضين جهوداً مضنية لمنع السلطات الإيرانية من تصنيف مرضاهم كمتظاهرين، فخلال يناير الماضي، اضطرت الفرق الطبية في المستشفيات لتزوير السجلات الطبية للمصابين ومحو تسجيلات كاميرات المراقبة أو علاجهم في منازل خاصة لحمياتهم من بطش النظام، مما عرض العاملين في المجال الطبي للخطر، إذ أفاد كثيرون بتعرضهم، أو زملائهم للتهديد، أو الاستجواب أو الاستدعاء للمثول أمام السلطات، وقال عدد منهم إن زملاء لهم قد اعتقلوا.
ووفقاً لشيفا أمليراد، ممثلة شبكة نقابات المعلمين داخل إيران التي تجري تحقيقاً في هذه الوفيات، قتل ما لا يقل عن 209 أطفال في الاحتجاجات. وأوضحت أن هذا العدد تقدير يستند إلى أدلة طبية وتأكيدات من أقارب الضحايا ومعلمين وغيرهم، وأن المجموعة تجري تحقيقات في مزيد من الحالات.
وقالت أمليراد "هناك نمط ثابت في عدد من الحالات الموثقة يشير إلى أن الأطفال أصيبوا برصاص في الرأس"، وأفاد 23 من الفرق الطبية الذين تحدثوا لـ"نيويورك تايمز" برؤيتهم أطفالاً في سن ما قبل المراهقة مصابين بجروح خطرة أو قتلوا، بينما أفاد 36 شخصاً برؤيتهم حالات متعددة لمراهقين مصابين أو قتلوا.
ويعتقد المدعي العام السابق لجرائم الحرب في الأمم المتحدة بيام أخافان أن عدد الذين قتلوا برصاص النظام الإيراني خلال الاحتجاجات قد يصل إلى عشرات الآلاف، استناداً إلى تقارير شبكة من الأطباء في إيران الذين يجمعون سجلات المستشفيات، فضلاً عن حجم عمليات القتل وانتشارها الجغرافي. وقال أخافان، وهو محام في مجال حقوق الإنسان وأحد مؤسسي مركز توثيق حقوق الإنسان في إيران، "هذه ليست فقط أسوأ مجزرة جماعية في التاريخ الإيراني المعاصر، بل هي واحدة من أسوأ المجازر الجماعية في التاريخ العالمي المعاصر".
وكان مسؤولون إيرانيون صرحوا أن 3117 شخصاً لقوا حتفهم في الاحتجاجات، وزعموا أن القتلى كانوا مدنيين وعناصر أمنية و"إرهابيين". ومنذ الثامن من يناير، تفرض السلطات في البلاد انقطاعاً شبه تام للإنترنت والهاتف، مما حجب حجم القمع.
انقطاع الاتصالات واستهداف عيون المتظاهرين
وقالت بعثة تقصي الحقائق في بيان صدر في الـ23 من يناير الماضي، إن الحكومة الإيرانية تجنبت تقديم عرض شفاف للأزمة، بما في ذلك من خلال فرض إغلاق كامل للإنترنت وخدمات الهاتف المحمول منذ الثامن من يناير، وهو ما لا يزال مستمراً حتى الآن. ووفق التقارير فإنه "بدءاً من تلك الليلة وخلال الأيام التالية، أطلقت قوات الأمن قوة مميتة واسعة النطاق وشرسة ضد المتظاهرين، بما في ذلك باستخدام بنادق هجومية ورشاشات ثقيلة، مما أدى إلى عدد هائل من القتلى. وقد اعترفت الحكومة نفسها بآلاف الوفيات، بينما تشير معلومات موثوقة إلى أن العدد أعلى بكثير".
وأفاد أطباء تحدثوا لبعثة تقصى الحقائق بأن المستشفيات باتت مكتظة بحالات إصابات جماعية، و"لا تزال صور أقارب مفجوعين في مشرحة كهريزك الموقتة في مدينة طهران تطاردنا، وهم يبحثون عن جثث أحبائهم بين ما يبدو أنه مئات من أكياس الجثث المكدسة فوق بعضها بعضاً".
وعلى رغم انقطاع الاتصالات، تمكنت البعثة من جمع شهادات شهود وضحايا، وعملت على تقييم مواد رقمية تظهر قوات الأمن، وهي تطلق ذخيرة حية على حشود لم تشكل تهديداً وشيكاً للحياة. وذكرت أن المعلومات الواردة تشير إلى إصابة آلاف الأشخاص، ويشمل ذلك إطلاق كريات معدنية يقال إنها استخدمت عمداً نحو وجوه الضحايا، مما تسبب في إصابات مروعة ويستحضر نمط تعمية المتظاهرين خلال احتجاجات عام 2022. ففي الـ10 من يناير وحده، يبدو أن نحو 500 متظاهر مصابين بإصابات في العين بسبب هذه الكريات قد أدخلوا إلى أحد مستشفيات أصفهان.
ويبدو أن نحو 24 ألف متظاهر قد جرى احتجازهم، بمن فيهم أطفال وصحافيون ومدافعون عن حقوق الإنسان، وقد بث ما يقرب من 100 "اعتراف" على التلفزيون الرسمي، ويبدو أن معظمها انتزع بالإكراه.