ملخص
منذ انتخاب عميد المحامين بوبكر بالثابت قبل 7 أشهر، لم يُستقبل من قبل رئاسة الجمهورية كما جرت العادة. وتعيش مهنة المحاماة حال قطيعة مع وزارة العدل، في ظل تجاهل الأخيرة مطالب الهياكل المهنية للمحامين، إضافة إلى أن الحكم الأخير بسجن عميد المحامين الأسبق شوقي الطبيب 5 أعوام زاد الطين بلة بين المحاماة والسلطة.
اختتمت أعمال الجلسة العامة الاستثنائية للمحامين، الجمعة الماضي، بإقرار جملة من التوصيات، أبرزها تنفيذ إضراب عام ليوم واحد مرفوق بمسيرة وطنية، إلى جانب تنظيم إضرابات جهوية دورية، والدعوة إلى مقاطعة بعض الدوائر القضائية التي لا تحترم شروط المحاكمة العادلة.
ففي ظل تصاعد التحركات الاحتجاجية لقطاع مهم في تونس، وما رافقها من قرارات تصعيدية تشمل الإضراب والمسيرات ومقاطعة بعض الدوائر القضائية، كيف يمكن قراءة هذا التحرك في أبعاده السياسية، وهل يعكس مجرد مطالب مهنية ظرفية، أم يؤشر إلى عودة المحامين كقوة فاعلة في المشهد السياسي بخاصة في سياق ما تعده الهيئة الوطنية للمحامين "تضييقاً" على حق الدفاع، وفي ضوء الدور التاريخي للمحاماة كـ"جناح واقف" للعدالة وخط مواجهة في المحطات المفصلية التي عرفتها البلاد؟
وجاءت قرارات التصعيد على إثر نقاشات موسعة بين المحامين حول تدهور أوضاع المهنة وانعكاس الأمر على حقوق المتقاضين، إذ شدد المتدخلون في الجلسة على أن "جوهر التحركات يتجاوز المطالب المهنية ليشمل الدفاع عن ضمانات العدالة واستقلال القضاء، مع التأكيد على مواصلة النضال بالأشكال المشروعة كافة".
وفي السياق، قال عميد المحامين التونسيين بوبكر بالثابت خلال الجلسة "المعركة من أجل استقلال القضاء ودولة القانون والمؤسسات ليست معركتنا وحدنا"، وعبر عن تضامن المحاماة مع المجتمع المدني، بخاصة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إضافة إلى مساندة المحامين الموقوفين وكل من يواجه تبعات بسبب آرائه أو نشاطه.
تعميق الاحتقان وزيادة عزلة السلطة
وفي هذا الصدد، قال الناطق الرسمي باسم التيار الشعبي محسن النابتي، في تصريح خاص، إن "السلطة لم تترك خياراً للمحامين سوى التصعيد، إذ تقابل كل المطالب بتجاهل غريب"، مضيفاً "السلطة تتصرف وكأنها لا تعترف بوجود هياكل شرعية للمحاماة ولغيرها من القطاعات"، وعد النابتي أن "هذا السلوك يطرح أكثر من تساؤل، وكأنه يدفع نحو التصعيد دفعاً"، متسائلاً "ما معنى أن تتجاهل السلطة مطلب الهيئة الوطنية للمحامين المتعلق بصندوق الحيطة والتقاعد؟ ألا تعلم أن هذا الصندوق يؤمن التغطية الصحية لعشرات الآلاف من عائلات المحامين؟ أليس هؤلاء مواطنين لهم الحق في التأمين الصحي؟"، وتابع "هناك أيضاً آلاف الجرايات (رواتب) تُصرف لفائدة أرامل وأيتام ومحامين متقاعدين، أليس هؤلاء تونسيين ولهم الحق في جرايات التقاعد؟ إن تجاهل مثل هذه المطالب يهدد حياة آلاف المستفيدين من خدمات الصندوق، سواء من حيث الجرايات أو التغطية الصحية، بخاصة أن جزءاً مهماً منها يتعلق بأدوية حيوية. ما تقوم به السلطة في هذا الصدد يظل أمراً مستغرباً للغاية".
وأكد النابتي أن "الهيئة الوطنية للمحامين تدير مرفقاً حيوياً من مرافق العدالة، وفي كل دول العالم تُعامل هياكل المحاماة، إلى جانب بقية الهياكل المهنية كالمهندسين والأطباء والنقابات العمالية، بجدية واحترام"، ولفت إلى أن "الشعب ليس مجرد أفراد متناثرين، بل هو مكون من قطاعات متعددة منهم عمال وفلاحون وموظفون ومثقفون ومحامون وقضاة ومهندسون وأطباء وطلبة ورجال أعمال وغيرهم، ولكل هذه الفئات مصالحها ومطالبها المادية والمعنوية"، وتساءل "كيف يمكن تجاهل هياكل تمثل هذه القطاعات وكأنها غير موجودة؟ إن ذلك يعد تجاهلاً لقطاعات واسعة من الشعب، ومن شأنه تعميق الاحتقان وزيادة عزلة السلطة، بخاصة أن مؤشرات التوتر تتفاقم بشكل لافت". وشدد النابتي على أن "السلطة مطالبة بتدارك الوضع والتمييز بين المواقف السياسية لأي هيكل قطاعي وشرعية وأحقية المطالب المادية والمعنوية لهذه القطاعات"، مشيراً إلى أنه "حتى في ذروة الخلاف بين المحاماة ونظام بن علي (زين العابدين بن علي)، كان هناك تواصل مع الهيئة والعمادة لضمان استمرارية مرفق العدالة، لأن الأمر يتعلق بإدارة دولة وليس بتصفية حسابات أو مزاج"، وعدَّ أنه "من الخطر محاولة فرض فكرة مفادها بأن التاريخ قد تجاوز الأجسام الوسيطة، لأن ذلك لا يتحقق بمجرد الاعتقاد، فالتاريخ الاجتماعي لا يسير بهذه الطريقة، وحتى بعض البنى التي سبقت الدولة لا تزال قائمة، فكيف بالأحزاب والهيئات والنقابات التي تعد من ركائز الدولة الوطنية الحديثة؟".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال أيضاً، "الهيئة الوطنية للمحامين لا تندرج أصلاً ضمن مفهوم الأجسام الوسيطة بالمعنى الكلاسيكي"، محذراً من أن "تصعيد المحامين قد لا يكون الوحيد في قادم الأيام، في ظل حال الانسداد السياسي التي تعيشها البلاد، إذ يغيب الحوار والتواصل، ولا يوجد خطاب واضح موجه إلى الشعب، مقابل الاكتفاء ببلاغات رسمية ذات طابع إخباري تفتقر إلى الرؤية"، وختم النابتي كلامه بالقول "لقد نبهنا مراراً إلى هذه الأخطار، لكن السلطة تواصل تجاهل مختلف الأصوات، ولا تلوح في الأفق أي مؤشرات إلى تغيير هذا النهج".
علاقة غير طبيعية
ومن جانبه، أكد الكاتب الصحافي والمحلل السياسي مراد علالة في تصريح خاص أن "تصعيد المحامين في تونس اليوم ليس مجرد نزاع قطاعي، ولا يمكن اختزاله في مطالب خصوصية مباشرة للمحامين، على كثرتها وأهميتها، بل هو مؤشر إلى وجود توتر أعمق، أو لنقل علاقة غير طبيعية داخل الدولة بين السلطة وأحد أهم أجنحة العدالة"، وأضاف علالة "بعبارة أخرى، إن هذا التصعيد لم يأتِ فجأة أو من فراغ، بل يندرج ضمن مناخ عام وسياق متراكم مهنياً وسياسياً وقانونياً، لم يعد خافياً على أحد. ويعد المحامون أنفسهم اليوم في موقع الدفاع عن مهنتهم، وعن استقلال القضاء، إلى جانب تمسكهم بدورهم التاريخي في الرقابة على الشأن العام، وهو دور يتقاطع أحياناً مع موقع المعارضة، فضلاً عن دورهم الأساس كمدافعين عن الحقوق والحريات، وليس فقط كمهنيين"، وتابع علالة "عند التوقف على طبيعة التحركات الجهوية للمحامين، ومستوى التعبئة خلال الفترة الماضية، ونبرة الخطاب خلال الجلسة العامة، يتبين أننا لسنا أمام احتجاج عابر، بل إن خيار تنفيذ إضراب عام وطني، وربما حتى إضراب مفتوح، يظل وارداً بقوة، بخاصة مع تبني أشكال نضالية متصاعدة، من بينها مقاطعة بعض الدوائر الجزائية وتنظيم إضرابات جهوية"، وأشار إلى أن "ما يعمق الأزمة ويزيد من خطورة السيناريوهات المحتملة هو موقف السلطة، سواء سلطة الإشراف أو السلطة السياسية، إذ يغيب التفاوض والحوار، بل حتى مجرد التواصل. فقد مر أكثر من نصف عام على انتخاب العميد والهيئة من دون عقد أي لقاء، أو حتى تسجيل تفاعل بروتوكولي بين الطرفين"، وختم "تكمن الخشية في أن تتجه الأوضاع نحو حال من الاستنزاف التدريجي، قد تفضي إلى تصعيد أكبر، في حال لم يتم فتح قنوات التواصل والحوار والتفاوض، وهو ما تحتاجه البلاد في هذه المرحلة".
حال قطيعة
يشار إلى أنه منذ انتخاب عميد المحامين بوبكر بالثابت قبل سبعة أشهر، لم يستقبل من قبل رئاسة الجمهورية كما جرت العادة. وتعيش مهنة المحاماة حال قطيعة مع وزارة العدل، في ظل تجاهل الأخيرة مطالب الهياكل المهنية للمحامين، إضافة إلى أن الحكم الأخير بسجن عميد المحامين الأسبق شوقي الطبيب خمسة أعوام زاد الطين بلة بين المحاماة والسلطة.