ملخص
تشكل الانقلابات العسكرية ضربة موجعة للأنظمة الديمقراطية في غرب أفريقيا حيث عكست محاولة للاستيلاء على السلطة بالقوة لا عبر صناديق الاقتراع.ش
أثارت تصريحات أدلى بها رئيس بوركينا فاسو الانتقالي النقيب إبراهيم تراوري قال فيها "إنسوا الديمقراطية" الجدل بعدما وجه إلى شعبه وشعوب المنطقة صدمة، ولا سيما أن كلماته شكلت أحدث مؤشر على رفض قادة غرب أفريقيا الذين صعدوا إلى دفة الحكم بعد انقلابات عسكرية للعملية الديمقراطية.
وكان تراوري وعد بإنجاز انتخابات عامة في 2024، لكنه تراجع عن ذلك واشترط تحقيق الأمن والاستقرار من أجل تنظيم هذا الاستحقاق، وضمن تصريحاته التي بثها التلفزيون قال تراوري إن "الديمقراطية تقتل، على الناس أن ينسوا مسألة الديمقراطية فهي ليست لنا".
واتخذت بوركينا فاسو شأنها شأن دول أخرى تحكمها مجالس عسكرية مثل مالي، خطوات على طريق تقييد العمل السياسي على غرار حل الأحزاب والمجالس النيابية وإلغاء الانتخابات.
انتكاسة خطرة
ومنذ حدوثها قبل أعوام، شكلت الانقلابات العسكرية ضربة موجعة للأنظمة الديمقراطية في غرب أفريقيا حيث عكست محاولة للاستيلاء على السلطة بالقوة لا عبر صناديق الاقتراع.
ويعتقد الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية سلطان ألبان بأن تصريحات تراوري لا يمكن اعتبارها إعلان وفاة نهائي للديمقراطية في أفريقيا أو منطقة الساحل، لكن يمكن أن تفهم كمرآة عاكسة لموجة انتكاسة خطرة تعمد لإطالة الحكم العسكري وعرقلة التحول الديمقراطي في الإقليم ككل.
وأوضح ألبان ضمن حديث خاص إلى "اندبندنت عربية" أن "في بوركينا فاسو نفسها يحمل خطاب تراوري دلالات واضحة على مرحلة انتقالية مستمرة وتتحول إلى مشروع حكم طويل الأمد يشرعن إقصاء التعددية الحزبية، خصوصاً بعد حل الأحزاب كما فعلت هي والجارة مالي وتجميد الحياة الحزبية وربط أيى انتخابات بتحقيق الأمن الكامل وهو هدف صعب المنال في بلد يشهد تمرداً متطرفاً مستمراً منذ أكثر من عقد".
وشدد على أن "هذا يعكس توجهاً لإعادة تعريف الشرعية في الحياة السياسية بدلاً من الاعتماد على صناديق الاقتراع من خلال سردية أخرى تتركز على الأمن والسيادة ومحاربة الإرهاب كشعارات مانحة للشرعية لهؤلاء العسكر الحاكمين وهي الصيغة نفسها التي اعتمدتها المجالس العسكرية في دول مجاورة لبوركينا فاسو".
ولفت ألبان إلى أن "على رغم ذلك لا يزال من المبكر الحديث عن نجاح هؤلاء العسكريين في تقويض الديمقراطية، فالمسار الديمقراطي في أفريقيا هش أصلاً ويتعرض لانتكاسات دورية منذ عقود، كما أن الانقلابات الأخيرة التي حدثت في منطقة الساحل وامتدت حتى جزء من شرق القارة تظهر أزمة عميقة في نموذج ديمقراطي نخبوي ولا تعكس رفضاً شعبياً مبدئياً لفكرة الديمقراطية نفسها".
تمهيد لديكتاتورية مقنّعة
وجاءت تصريحات تراوري خلال لحظة حساسة في تاريخ كثير من دول القارة التي تئنّ تحت وطأة أزمات أمنية غير مسبوقة، ولا سيما في مالي التي تتعرض عاصمتها باماكو لحصار تشنه جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" منذ أشهر.
وتشهد بوركينا فاسو والنيجر أيضاً هجمات دموية، وامتدت يد الجماعات المسلحة إلى شمال بنين ونيجيريا.
وعدّ الباحث الأمني والسياسي النيجري محمد أوال أن "تصريحات تراوري تشكل تمهيداً حقيقياً لديكتاتورية مقنعة في أفريقيا حيث تُقتل الديمقراطية بذريعة انعدام الأمن والاستقرار".
وأردف أوال ضمن تصريح خاص أن "في دول مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو تجري شخصنة السلطة بصورة غير مألوفة، وربما تراوري كان الأكثر وضوحاً من بقية القادة العسكريين الحاكمين، فكشف علناً عن مساعيه لإنهاء النموذج الديمقراطي".
وأشار إلى أن "مثل هذه الخطوات لن تنهي أزمات المنطقة، بل على العكس ستفاقمها لأن القمع وإقصاء كثير من الأصوات لن يؤديا إلا إلى تغذية الفوضى الحاصلة الآن".
عسكرة الدول
وانزلقت الأوضاع الأمنية والسياسية في الدول الأفريقية التي يحكمها عسكريون إلى مربعات أشد خطورة، مما يثير مخاوف من أن يقود ذلك إلى إطالة أمد المراحل الانتقالية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى سلطان ألبان أن "كثيراً من الانقلابات جاءت فوق أرضية غضب شعبي من فساد النخب المدنية الحاكمة وتركن إلى فرنسا وقوى أخرى تمدها بالثروات وتبقي هذه الدول في دائرة الفقر، وفشلت هذه النخب في توفير الأمن والخدمات، مما جعل شرعية التغيير بالقوة أكثر قبولاً لدى عامة الناس الذين صدموا بعد ذلك من عسكرة السلطة".
وأوضح أنه "على المستوى السياسي فإن أخطر التداعيات من تكريس مبدأ وشعار السيادة من دون مساءلة هو غياب مؤسسات تضمن تداول السلطة سلمياً وحماية الحقوق وإضعاف الحياة السياسية وتوسيع الفجوة مع العواصم الغربية والمؤسسات الإقليمية التي تعلق عضوية تلك الدول من دون أن تملك أدوات أخرى قادرة على إجبار المجالس العسكرية على التراجع".
وذكر ألبان أنه على الصعيد الأمني والعسكري، يزيد استمرار الحكم العسكري تحت ضغط حركات التمرد في أفريقيا من أخطار عسكرة الدول.
واستنتج ألبان أن "العسكر يميلون إلى مقاربة أمنية تتجاهل جذور التهميش والفقر والفساد وهي كلها عوامل تغذي العنف وتهدد بإطالة أمد النزاعات بدلاً من حلها، كما أن عزلة هذه الأنظمة عن المنظومات الغربية يدفعها إلى حلفاء جدد مثل روسيا بما يعيد تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة ويزيد تنافس القوى الأجنبية على حساب أولوية الإصلاح الداخلي وتكريس مؤسسات شرعية خاضعة للمساءلة".