Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أديس أبابا ونيودلهي... تقارب مصالح في زمن التحولات الكبرى

زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى إثيوبيا تمثل بداية مسار واعد في ما خص ترجمة التقارب السياسي إلى مشاريع ملموسة وشراكات طويلة الأمد

رئيس الوزراء الهندي ونظيره الإثيوبي خلال مراسم توقيع مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الثنائي في القصر الوطني بأديس أبابا (رويترز)

ملخص

ارتكزت الهند في تواصلها مع الأفارقة على مجموعة من الأسس بعضها تاريخي خاص بدعم حركات التحرر الوطني في أفريقيا، وبعضها الآخر يتعلق بانتماء كلا الجانبين، وفق المنظور الغربي التقليدي، إلى مجموعة الجنوب في مواجهة الشمال. ولا يمكن فصل الانفتاح الإثيوبي على الهند عن سياق داخلي وإقليمي معقد، فإثيوبيا تمر بمرحلة إعادة بناء الدولة، وتحتاج إلى شراكات تنموية حقيقية في مجالات الصناعة، والتكنولوجيا، وبناء القدرات البشرية.

أرست زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى أديس أبابا واقعاً جديداً في العلاقات بين البلدين، بوصفها الزيارة الأولى لرئيس وزراء هندي إلى إثيوبيا، وأتت في زمن متغيرات إقليمية ودولية، ورغبة البلدين في تطوير علاقاتهما الثنائية. فما هي أفق تلك هذه العلاقات مستقبلاً؟ وما انعكاسات التعاون الثنائي بين البلدين على الواقع الإقليمي الأفريقي والدولي؟

في السياق، استقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد نظيره الهندي الثلاثاء الماضي في 16 ديسمبر (كانون الأول) عام 2025، وعقدا اجتماعاً ثنائياً أعقبته جلسة محادثات موسعة ضمت وفدي البلدين. وبحسب بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي، ركزت النقاشات على سبل تعزيز التعاون في مجالات التجارة، الاستثمار، التحول الرقمي، والسياحة، مع التأكيد على الأولويات التنموية المشتركة بين الدولتين.

 

علاقات قديمة

تجمع الهند وإثيوبيا قواسم مشتركة عدة، ولهما تاريخ متشابه من النضال ضد الاستعمار، وهما عضوان في "حركة عدم الانحياز" التي رفضت دولها الانضمام إلى أي من المعسكرين العالميين المتصارعين خلال الحرب الباردة، أي المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة والشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي سابقاً، ووقفت في وجه القوى الاستعمارية، ولا سيما عبر قيادات تاريخية كالإمبراطور هيلا سيلاسي والزعيم الهندي جواهر لال نهرو، إلى جانب زعامات أخرى. وعلى رغم البعد الجغرافي بين البلدين، ارتبطت إثيوبيا (الحبشة سابقاً) والهند عبر شبكات مصالح تجارية بحرية اشتهرت ببيع وتبادل سلع عدة بخاصة التوابل، العاج، الذهب، الأقمشة، والبخور، ولا سيما عبر البحر الأحمر وخليج عدن. وامتدت علاقات البلدين ما بعد استقلال الهند عام (1947) لتشمل المجال التعليمي. واستمر تطور العلاقات بين البلدين ولا سيما في المجال التربوي، إذ قدمت الهند لإثيوبيا العديد من المنح الدراسية لطلاب إثيوبيين في مجالات عدة ولا سيما تكنولوجيا المعلومات، الزراعة، والصناعات الدوائية.

كذلك عمل الهنود في العديد من الاستثمارات التجارية في أديس أبابا، وكسب كثيرون من الهنود حق المواطنة نتيجة بقائهم الطويل في البلاد حيث يشكلون أكبر جالية استقرت فيها. كذلك هناك تشابه بين البلدين في تعدد الإثنيات والقوميات التي تشكل مجتمعاتهما، ولهما تراث إنساني غني يمتد آلاف السنوات.

ويتشارك البلدان في تحديات عدة سياسية واجتماعية وبيئية ومنها:

- هموم التنمية الاقتصادية ومكافحة الفقر وتحسين المستوى المعيشي في ظل النمو السكاني الكبير الذي يشكل ضغطاً على الموارد، والخدمات الصحية، والتعليم، وفرص العمل.

-  تحدي التغير المناخي والجفاف ونقص المياه، وما يترتب على ذلك من تأثيرات على الزراعة والأمن الغذائي.

كذلك يشكل التنوع العرقي والديني في كلا البلدين تحدياً اجتماعياً وسياسياً يتطلب كثيراً من الدراية والاهتمام.

شراكة استراتيجية

في السياق، قال الكاتب والصحافي والاقتصادي محمد محمود عبد الرحيم "ارتكزت الهند في تواصلها مع الأفارقة على مجموعة من الأسس بعضها تاريخي يتعلق بدعمها حركات التحرر الوطني في أفريقيا بمجرد استقلالها عام 1947 عن بريطانيا، وبعضها الآخر بانتماء كلا الجانبين، وفق المنظور الغربي التقليدي، إلى مجموعة الجنوب في مواجهة الشمال من خلال حركة عدم الانحياز، فضلاً عن وجود حال من التقارب في العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك مثل رفض التبعية والاستغلال الغربي لموارد دول العالم الثالث، فضلاً عن وجود حال من التشابه من حيث التنوع الثقافي والإثني". وأضاف "يوجد كثير من أوجه الشبه بين الهند وأفريقيا من حيث التنوع الكبير في التشكيلة السكانية للجانبين، عرقياً ودينياً".

وتابع عبد الرحيم أن ثمة دوافع سياسية واقتصادية تدفع باتجاه تطوير هذه العلاقات، لافتاً إلى زيادة حجم سكان الهند، والحاجة "الملحة" لزيادة عملية التبادل التجاري، وفتح أسواق جديدة. وهنا تبرز مكانة القارة السمراء، وأيضاً مدى اتساع حجم السوق الأفريقية التي من المفترض أن يزداد حجمها، وأيضاً "الرغبة في البحث عن أسوق جديدة لعملية التصدير والاستيراد، فالهند تبحث عن سوق لأبرز صادراتها من المنتجات البترولية والمنسوجات والمجوهرات والكيماويات والمنتجات الجلدية، إلى جانب البحث عن مصادر طاقة متجددة بخاصة البترول".

تحقيق العديد من الأهداف

وحققت زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى إثيوبيا العديد من الأهداف في مقدّمها ترقية العلاقات الثنائية إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية"، كذلك وقع الجانبان عدداً من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم أهمها :

- مذكرة تفاهم في التعاون والمساعدة الإدارية المتبادلة بالمسائل الجمركية لتعزيز التجارة وتسهيلها.

- العمل المشترك في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

- تعزيز التعاون بين وزارتي مالية البلدين.

تفاؤل

وأكد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد "أن حضور مودي في إثيوبيا يجسد العلاقات المتنامية بين البلدين"، معرباً عن تفاؤله بأن تسفر اللقاءات عن نتائج ملموسة تعمق التعاون الثنائي في الملفات ذات الاهتمام المشترك، واصفاً الزيارة بأنها دفعة قوية للروابط التاريخية التي تجمع أديس أبابا ونيودلهي.

صديقان

من ناحيته، قال رئيس الوزراء الهندي "إن الهند وإثيوبيا سترتقيان بعلاقاتهما الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، بما يتيح إطلاق إمكانات البلدين". وفي كلمته أمام الجلسة المشتركة لمجلس نواب الشعب ومجلس الاتحاد، أكد مودي أن إثيوبيا والهند مهدا حضارتين عريقتين تسيران بثقة نحو المستقبل معاً. وأشار إلى أن شعبي البلدين "تبادلا القطن والقهوة والذهب، إلى جانب سلع أخرى، عبر المحيط الهندي، كذلك تبادلا الأفكار والقصص وأنماط العيش، وأن البلدين كانا أيضاً من مراكز التجارة العالمية وجسرين بين الحضارات. وأضاف "أن شعبي البلدين شرعا في كتابة فصل جديد معاً حتى قبل بدء العلاقات الدبلوماسية الرسمية بعد وقت قصير من استقلال الهند، وقبل إنشاء السفارات، كان الشعبان قد شرعا بالفعل في كتابة فصل جديد معاً". وأوضح أن إثيوبيا والهند تعملان حالياً على توسيع علاقاتهما الثنائية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، "واليوم تعدّ الشركات الهندية من بين أكبر المستثمرين الأجانب في إثيوبيا، إذ استثمرت أكثر من خمسة مليارات دولار أميركي في قطاعات متنوعة مثل النسيج، التصنيع، الزراعة، الصحة، وغيرها، وأسهمت في توفير أكثر من 75 ألف فرصة عمل محلية، وأن قادة البلدين اتخذوا خطوة كبيرة إلى الأمام". وتابع مودي "قررنا الارتقاء بالعلاقات الثنائية بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، ما سيسهم في إطلاق إمكانات اقتصادينا من خلال التعاون في التكنولوجيا والابتكار والتعدين والطاقة المستدامة والخضراء، وأن هذه الخطوة ستؤمّن مستقبل شعبي البلدين من خلال التعاون في الأمن الغذائي، والأمن الصحي، وبناء القدرات". وختم "سنعزّز أيضاً تعاوننا في مجالات التجارة والاستثمار، فضلاً عن قضايا الدفاع والأمن"، مشدداً على أن إثيوبيا والهند ستسيران وتبنيان وتنجحان معاً على قدم المساواة كشريكين وصديقين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رؤي متكاملة

في السياق أيضاً، قال الباحث في مجال الشؤون الأفريقية عبد الصمد حسن إن العلاقات بين الهند وإثيوبيا تنطلق من كونها قديمة ذات جذور تاريخية معروفة ولا تحتاج إلى استشهاد أو دليل، "على المدى الزمني والتاريخ الحديث للهند في المنطقة هناك بصمات ومساهمات واضحة. في مجال التعليم خلال السنوات الـ 60 أو الـ 70 الماضية كان للهند دور وبصمات واضحة جداً، لا تزال حتى الآن، واليوم تتجدد هذه العلاقة برؤية وتفكير استراتيجيين وأسس واضحة." وتابع حسن "إثيوبيا اليوم عندها رؤية ومشروع، وهذا المشروع قائم على تحقيق نهضة صناعية وزراعية وتنموية متكاملة، وعدم التركيز على جانب على حساب جوانب أخرى. من هذا الباب سيكون للهند، كما للصين وماليزيا وفرنسا وروسيا وبريطانيا وإيطاليا وأميركا والبرازيل، ميزات نسبية في جوانب معينة، وبالتالي إثيوبيا تستهدف الدولة في المجال الذي تريد أن تنهض فيه وتتميز به تلك الدولة". وأوضح أيضاً أن "الهند في الذكاء الاصطناعي لها دور، وفي الجانب الهندسي والصناعي والتقني والزراعي لها إمكانات كبيرة جداً، وفي المجال الطبي، الهند لها دور قوي جداً، وفي التعليم، وبالتالي نستطيع أن نأخذ هذه الأمور كمبرر متكامل وأساس في استهداف الهند." ولفت أيضاً إلى أن الهند اليوم ليست كما كانت قبل 20 أو 30 سنة، "الهند اليوم لها مشروع وترى أن إثيوبيا سوق للمشروع الذي تريد أن تنطلق فيه، وبالتالي إثيوبيا تعتبر بوابة في القرن الأفريقي ولأفريقيا وأعتقد أن الهند ستلج من هذا الباب. وأعتقد أنه سيكون هناك تكامل وتعاون ورؤية استراتيجية متكاملة بين الجانبين الإثيوبي والهندي، هذا باختصار ما أريد الإشارة إليه في الزيارة التاريخية لرئيس الوزراء الهندي إلى إثيوبيا".

تنافس

من جهته، قال يوسف ريحان الكاتب في الشؤون الأفريقية "إثيوبيا والهند تجمعهما علاقات قديمة تعود لتواريخ أبعد من أربعينيات القرن الماضي، فبعد استقلال الهند عن بريطانيا عام 1947، جمع البلدين مؤتمر باندونغ في إندونيسيا عام 1955 وحركة عدم الانحياز. وتجمع بينهما حالياً مجموعة البريكس، فضلاً عن الأمم المتحدة التي تشهد تنسيقاً بينهما في القضايا ذات الاهتمام المشترك. معلوم أن أفريقيا تشهد تنافساً حاداً بين الدول الكبرى ذات الاقتصادات الضخمة والتكنولوجيا المتقدمة، والهند من ضمنها، وتحاول كمثيلاتها أن تجد لها موطئ قدم في القارة الأفريقية. ويتميز شرق أفريقيا على وجه التحديد بموقع جغرافي كونها منفتحة على المحيط الهندي والبحر الأحمر الذي تمر عبره أكثر من 70 في المئة من التجارة البحرية العالمية ما جعلها منطقة تنافس حاد بين تلك الدول، وبالتالي فإن زيارة رئيس الوزراء الهندي إثيوبيا تكتسب بعدين، الأول، ما يتعلق بالعلاقات السياسية بين البلدين والتي تشهد تنامياً ملحوظاً، والبعد  الثاني يتعلق بالعلاقات الاقتصادية بينهما إذ تعد الزيارة دفعاً جديداً وتنمية هذا الجانب، بخاصة إذا علمنا أن الهند تعد المستثمرة الثالثة في إثيوبيا باستثمارات متنوعة تحتل فيها الصناعات الدوائية المرتبة الأولى". وأضاف "إثيوبيا كدولة نامية ذات معدلات نمو عالية نسبياً، ودائرة تأثيرها تتعدى حدودها، تربطها مع العديد من دول الجوار طرقاً ممتدة ومنافع متبادلة، من هنا تأتي أهميتها للهند كنقطة انطلاق إلى دول الجوار وعموم شرق أفريقيا، بل لآخر دولة يمكن أن تصلها الهند بالتعاون مع إثيوبيا في هذه القارة".

تفاؤل حذر

الأستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الدولية علي حسين يمر، قال من ناحيته، "تأتي زيارة مودي لتفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، ليس فقط لأنها أول زيارة من هذا المستوى الرفيع إلى أديس أبابا، بل لأنها تأتي في لحظة دولية وإقليمية تتسم بإعادة ترتيب موازين القوى، وصعود قوى جديدة تبحث عن أدوار أوسع خارج نطاقها الجغرافي التقليدي. فالهند، التي تكرّس حضورها كقوة دولية صاعدة، لم تعد تنظر إلى أفريقيا باعتبارها ساحة هامشية، بل كفضاء استراتيجي بالغ الأهمية اقتصادياً وسياسياً وأمنياً. في السياق، تحتل إثيوبيا موقعاً خاصاً في الحسابات الهندية، بحكم ثقلها السكاني، ودورها الإقليمي، وكونها مقر الاتحاد الأفريقي، إضافة إلى موقعها غير المباشر في معادلات أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي." وتابع أيضاً "في المقابل، لا يمكن فصل الانفتاح الإثيوبي على الهند عن سياق داخلي وإقليمي معقد، فإثيوبيا تمر بمرحلة إعادة بناء الدولة، وتحتاج إلى شراكات تنموية حقيقية في مجالات الصناعة، والتكنولوجيا، وبناء القدرات البشرية. كذلك تسعى إلى تنويع علاقاتها الدولية، وتقليل الاعتماد على شركاء تقليديين، بما يعزز هامش استقلالها الاستراتيجي في بيئة دولية شديدة التنافس، والسؤال الجوهري هنا: هل تمثل هذه الزيارة انتقالاً نحو شراكة استراتيجية حقيقية؟".

الإجابة تميل إلى التفاؤل الحذر، أكد الأستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الدولية، مشيراً إلى الإرادة السياسية متوافرة لدى الطرفين، والمصالح متكاملة إلى حد كبير، "الهند تبحث عن أسواق ومواقع نفوذ متوازنة في أفريقيا، وإثيوبيا تبحث عن استثمار وخبرة وشراكات طويلة الأمد، غير أن التحول إلى علاقة استراتيجية مكتملة يتطلب بناء أطر مؤسسية واضحة، وبرامج تعاون مستدامة تتجاوز الزيارات والبيانات السياسية. إقليمياً، قد يسهم التقارب الإثيوبي- الهندي في تخفيف حدة الاستقطاب بين القوى الكبرى في القرن الأفريقي، عبر إدخال فاعل دولي يعتمد خطاب الشراكة التنموية أكثر من منطق النفوذ الصلب، أما أفريقياً، فهي تعزز من موقع إثيوبيا كبوابة دبلوماسية واقتصادية، وتفتح أمام الهند مساراً أوسع للتفاعل مع القارة بعيداً من النماذج التقليدية، وعلى المستوى الدولي، يعكس هذا التقارب ملامح عالم يتجه بثبات نحو التعددية القطبية." وختم "خلاصة القول، إن زيارة مودي إلى أديس أبابا تمثل بداية مسار واعد، لا نهايته، فإذا ما نجح الطرفان في ترجمة التقارب السياسي إلى مشاريع ملموسة، وشراكات طويلة الأمد، فإن العلاقات الإثيوبية- الهندية مرشحة للانتقال من التعاون الظرفي إلى شراكة استراتيجية ذات تأثير إقليمي ودولي حقيقي".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير