ملخص
بالنسبة إلى توماس هاردي، تبدو الشخصيات كلها، سواء كانت طيبة أو شريرة، إنما هي محكومة بالمجتمع الذي يفبركها، ناهيك بأنه من المحكوم عليها في نهاية الأمر أن تدفع ثمن ما تفعل حتى وإن فعلته عن غير قصد، إذ حتى إليك الذي يتسبب في مأساة تيس بفعل إغوائه لها، هو في واقع الأمر، ضحية مثلها في نهاية المطاف وسوف يدفع الثمن غالياً.
كان ذلك أوائل تسعينيات القرن الـ19، وفي الحقبة الأخيرة من عهد الملكة فكتوريا في بريطانيا، حينها كان الكاتب توماس هاردي (1840 - 1028) بالكاد تجاوز الـ50 من عمره، وكان وراءه مجد أدبي كبير يقوم على إصداره عدداً من روايات مشاكسة لعبت دوراً كبيراً في الحياة الأدبية الإنجليزية، لكنها لعبت كذلك دوراً صاخباً في التصدي للجمودية الأخلاقية التي كانت تهيمن على ذلك العهد.
من هنا نراه، وقد تراكم عليه غضب النظام والقوى المحافظة، يسعى لأن يطلق على مدى خمسة أعوام، آخر "قذيفتين" في جعبته محاولاً بهما أن يصيب من المجتمع الفيكتوري مقتلاً، وقد قال لنفسه: إن نجحت سأكون قد أديت قسطي للعلى، أما إذا أخفقت فسوف أتوقف عن كتابة هذا النوع من الأدب إذا تبين لي ألا جدوى منه.
وهكذا أصدر عام 1891 أولى الروايتين، "تيس دوربرفيل"، وفي عام 1896 ثانيتهما، "جود الغامض" ثم، وكما كان قد قرر سلفاً، توقف نهائياً عن كتابة الرواية الاجتماعية مع أنه عاش بعد ذلك نحو ثلث قرن كان خلاله يبتسم بحزن كلما طرح عليه السؤال الحتمي: لماذا لم نعد نقرأ لك روايات؟
ونعرف أن الروايتين تمثلان قمة النزعة الواقعية الاحتجاجية في زمنهما، وأقصى ما وصل إليه كاتب في التمرد الإبداعي على المجتمع الفيكتوري. كما نعرف، وربما، بخاصة من خلال الفيلم الذي حققه رومان بولانسكي عن الرواية، أنها تتناول مأساة تلك الفلاحة البسيطة التي عرفت كيف تحافظ على براءتها على رغم كل ما تعرضت له، وكما سنرى بعد سطور.
ابن الشعب البائس ونعرف، هذه المرة من خلال الفيلم الذي حققه مايكل ونتربوتوم عن الرواية الثانية، أنها تتناول ابن الشعب البائس الذي يصده المجتمع الطبقي الإنجليزي المتعنت في محاولته الدخول طالباً في جامعة "أوكسفورد"، ثم في الإفلات من براثن زواج بورجوازي يساق إليه، وهو ما يجعل الروايتين معاً نوعاً من تصوير شديد الأمانة، ونقد بادي العنف للمجتمع الفيكتوري إبان زمن انهار.
لنذكر هنا أن ضراوة ردود الفعل التي جابهت توماس هاردي بصدد هاتين الروايتين، كانت هي، على صفحات الصحف وفي المنتديات الاجتماعية، والحلقات العائلية، مما دفع الكاتب إلى الابتعاد عن أي مشروع روائي مقبل كما أشرنا، ولسوف يقول هاردي دائماً إنه لم يخطر له لحظة في البال "أن المجتمع قد يكون أشد دناءة من قادة الرأي والمتحكمين الكبار به".
وهذا ما يصل بنا إلى رواية "تيس دوربرفيل" على أن نعود إلى الرواية الثانية في مناسبة مقبلة. فرواية " تيس دوربرفيل" تعتبر بالتأكيد واحدة من أبرز الأعمال الروائية التي صدرت في أواخر العصر الفيكتوري، وهي تمثل ذروة المشروع الروائي لدى كاتبها حيث تتقاطع فيها رؤيته التشاؤمية للعالم مع نقده الحاد للبنية الأخلاقية المتحكمة في إنجلترا الريفية خلال العهد الفيكتوري. وهي تدور بالطبع، حول شخصية تيس، الصبية الريفية البسيطة المنتمية إلى عائلة فقيرة وتكتشف فجأة أنها تتحدر في الأصل من سلالة نبيلة عريقة هي سلالة آل دوربرفيل.
غير أن هذا الاكتشاف، بدلاً من أن يكون باباً للخلاص الاجتماعي، يتحول إلى مدخل لسلسلة من المآسي، إذ ترسل تيس إلى عائلة ثرية تحمل الاسم نفسه على أمل تحسين وضع أسرتها، لكنها تقع ضحية استغلال على يد قريبها المدعو إليك دوربرفيل في حادثة غامضة ومؤلمة تظل محوراً أساساً في مسار الرواية.
النقاء الداخلي أن ما يميز تيس كشخصية هو نقاؤها الداخلي، الذي يظل ماثلاً على رغم كل ما تتعرض له الفتاة من ظلم وقهر. وفي هذا السياق، بالتالي، يطرح هاردي سؤالاً جوهرياً حول معنى "الطهر" في مجتمع تحكمه معايير مزدوجة، فالمجتمع الفيكتوري لا يغفر للمرأة أية خطايا، حتى تلك التي لم يكن اقترافها من اختيارها، بينما نراه يمنح الرجل مساحة واسعة للإفلات من المحاسبة.
وبهذا المعنى تتحول تيس إلى رمز للبراءة المهدورة في عالم بالغ القسوة. صحيح أن تيس تدخل لاحقاً في علاقة حب مع شاب تلتقيه هو آنجل كلير، وهو يبدو في البداية واعياً مثقفاً يفوق في تحرره البيئة المحيطة به، لكنه حين تكشف له تيس عن ماضيها، يعجز عن تجاوز معاييره الأخلاقية الموروثة، فيهجرها على رغم حبه لها واعترافه حتى في لحظة الهجران بذلك الحب. ومن الواضح أن هذا التناقض في شخصية آنجل يعكس نقد هاردي للطبقة المثقفة التي "تتشدق بالتقدمية لكنها تظل أسيرة القيم التقليدية".
ففي النهاية، وبالنسبة إلى توماس هاردي، تبدو الشخصيات كلها، سواء كانت طيبة أو شريرة، إنما هي محكومة بالمجتمع الذي يفبركها، ناهيك أنه من المحكوم عليها في نهاية الأمر أن تدفع ثمن ما تفعل حتى وإن فعلته عن غير قصد، إذ حتى إليك الذي يتسبب في مأساة تيس بفعل إغوائه لها، هو في واقع الأمر، ضحية مثلها في نهاية المطاف وسوف يدفع الثمن غالياً. وآنجل يحبها ويندم على هجرانها، لكنه عاجز من أن يتسامح معها. إن القدر، قدر كل واحد منهم هو الذي يقود خطاه، القدر حتى ولو سميناه هنا مجتمعاً ووصفناه بكونه فيكتورياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من المجتمع إلى الطبيعة ولعلّ ما يجدر بنا ملاحظته في هذه الرواية، وربما أيضاً في أدب هاردي إجمالاً، هو كيف أن الطبيعة تلعب دوراً مهماً فيه. فهي ليست مجرد خلفية للأحداث، بل كيان حي يعكس الحالة النفسية للشخصيات. الريف عند هذا الكاتب جميل وقاسٍ في وقت واحد، كما لو أنه يشارك في مصير تيس التراجيدي. ولنلاحظ أن الكاتب يوصل الرواية إلى ذروتها التراجيدية حين تقوم تيس بقتل إليك، في فعل يائس يعبر عن تمردها الأخير على قدرها، لكنها لن تنجو من العقاب بل ستدفع غالياً ثمن ما تفعل إذ يقبض عليها وتحاكم وتعدم في خاتمة تعزز رؤية توماس هاردي الحتمية حيث يبدو المرء عاجزاً أمام قوى القدر والمجتمع التي تتضافر عليه.
من هنا يمكننا الموافقة مع النقاد الذين أبداً ما نظروا إلى هذه الرواية، بل حتى إلى أدب توماس هاردي عموماً، بكونها ليست مجرد قصة مأسوية، بل مرافعة على شكل إدانة عميقة لمنظومة اجتماعية ظالمة، وتأمل فلسفي في معنى العدالة والحرية. ومن ثم لن يغيب عن بالنا هنا كيف أن هذه الرواية بالذات قد أثارت جدلاً كبيراً عند صدورها بسبب جرأتها في تناول قضايا الجنس والأخلاق، هي التي تعد اليوم من كلاسيكيات الأدب الإنجليزي لما تحمله من عمق إنساني ورؤية نقدية لا تزال صالحة في هذا الزمن الذي نعيشه، بعد قرن ونيف من رحيل الملكة فكتوريا، وقرن من رحيل توماس هاردي نفسه.