Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حظر النشر"... بين تقييد الحريات وحماية المجتمع المصري

مخاوف من توسّع النيابة في تطبيق "حق غير مقيد" ونقابة الصحافيين تطالب بإتاحة المعلومات لا حجبها ومحامون: الحظر يتفق مع صحيح القانون

مبنى نقابة الصحافيين المصريين في وسط القاهرة (رويترز)

ملخص

يرى محامون أن قرارات النيابة العامة المصرية بحظر النشر في عدد من القضايا أخيراً تتفق مع صحيح القانون، معتبرين أنها قرارات صحيحة في مواجهة ما وصفه بـ"تأثير وتجييش" وسائل الإعلام عن طريق النشر لصالح المتهم أو ضده، ضارباً المثل بواقعة "سيدة الإسكندرية" بالتحريض على زوجها من دون إعطائه حق الرد.

أثارت قرارات النائب العام المصري بحظر النشر حول قضايا عدة جدلاً قانونياً وإعلامياً واسعاً، وسط مخاوف من أن يؤدي التوسّع في تلك القرارات إلى تقييد حرية الصحافة، بينما يعزو بعض المتابعين تحرك الجهات القضائية إلى مخالفات يرتكبها بعض المواقع الصحافية بالاعتماد على الإثارة في تناول القضايا بخاصة المتعلقة بالأحوال الشخصية.

القرار الأخير من النائب العام المصري محمد شوقي اختص بحظر النشر في ثلاث قضايا، هما واقعتا اعتداء جنسي على قاصرات، وواقعة انتحار سيدة في بث مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد شكواها من تجاوزات طليقها وعائلته في حقها.

وأرجعت النيابة قرارها إلى أن "التداول المكثف لتفاصيل هذه القضايا عبر منصات التواصل يسيء إلى صورة المجتمع، ولا يعكس الواقع الإحصائي لمعدلات الجريمة، فضلاً عن تأثيره السلبي في قيم الأسرة ومشاعر ذوي الضحايا وخصوصياتهم"، كذلك أكدت أن حظر النشر، الذي يشمل جميع وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، يحمي سير التحقيقات.

ولم يكن هذا القرار هو الأول من جانب النيابة العامة، إذ أصدرت في الأعوام الأخيرة قرارات عدة بحظر النشر في قضايا متنوعة، منها وقائع قتل واتهامات بالاتجار بالمخدرات والآثار.

وفق تقرير لمؤسسة حرية الفكر والتعبير (مجتمع مدني) صادر في ديسمبر (كانون الأول) 2016، حُظر النشر في 37 قضية خلال الفترة بين 2013 و2016، منها 13 قضية تتعلق بوقائع فساد و11 قضية إرهاب، وأربع قضايا أطرافها رجال شرطة أو أعضاء بالهيئات القضائية، وقضيتا تخابر مع جهات أجنبية، فيما شملت القائمة قضية واحدة تصنف ضمن الآداب العامة والحق في الخصوصية.

"ليس حلاً"

نقيب الصحافيين المصريين خالد البلشي عقّب على قرار النيابة العامة بحظر النشر في ثلاث قضايا بالقول إن "حظر النشر لم ولن يكون حلاً"، مؤكداً أن تلك القرارات "يجب أن تصدر في أضيق نطاق، لمنع التأثير في سير العدالة، وليس لحماية المجتمع، فالمجتمعات تحمي نفسها بالتعامل المهني والجاد مع الحقائق، وليس بحجبها"، وفق ما كتبه على صحفته بمواقع التواصل، محذراً من أن التوسع في قرارات حظر النشر مع غياب "التغطية المهنية" لن يدفع ثمنه إلا المجتمع في ظل تدفق المعلومات، و"منها من لم ولن تطاوله هذه القرارات فنفقد سلاحاً للمواجهة قد نحتاج إليه غداً".

بينما استبعد وزير الدولة للإعلام، ضياء رشوان، أن تكون قرارات حظر النشر غرضها تقييد العمل الصحافي، وقال خلال جلسة للجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب إن هناك آلاف القضايا التي يجري التحقيق فيها يومياً، بينما يحظر النشر في عدد محدود منها، مؤكداً أن هذا الإجراء لا يُقصد به تقييد عمل الصحافيين، إنما تنظيم لسير التحقيقات وضمان لسلامة الإجراءات القانونية.

ولا تتفق عضو مجلس نقابة الصحافيين مقررة لجنة الحريات بالنقابة، إيمان عوف، مع رؤية وزير الدولة للإعلام، وترى أن الحل لا يكون بحظر النشر بل بإتاحة المعلومة وفتح نقاشات موسّعة بين مؤسسات الدولة والصحافيين وفتح قنوات التواصل والاستماع إلى مطالب الصحافيين في ما يتعلق بحرية تداول المعلومات وإلغاء الحبس في قضايا النشر.

وقالت إيمان عوف لـ"اندبندنت عربية" إن قرارات حظر النشر ليست الحل الأمثل لمواجهة الانتهاكات، موضحة أن الصحافيين التزموا القرارات لكن المخالفات أتت من البلوغرز والتيك توكرز وصفحات "السوشيال ميديا"، ولذا يظهر أن القرار موجه للصحافيين فقط وليس ضد من يسيئون النشر.

واعتبرت أن إتاحة المعلومة هي الطريق الوحيد والأمثل للقضاء على الشائعات، مضيفة أن إصدار بيانات رسمية من الجهات المختصة في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية يغلق "باب الشائعات" فيما يولد غياب المعلومة بيئة خصبة لانتشار الشائعات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضحت عوف أن هناك مشكلة مرتبطة ببعض الممارسات المهنية غير المنضبطة، التي تمارسها "قلة" جعلت البديل هو حظر النشر، لافتة إلى أن نقابة الصحافيين تصدر دائماً مواثيق ومعايير للنشر تتعلق بعدم التعرض لخصوصية المواطنين وعدم إفشاء أسماء الضحايا أو التعرض للنساء والأطفال وعدم الحض على الكراهية، لافتة إلى أنه يجب على وسائل الإعلام والصحف تفعيل ميثاق الشرف الصحافي، وإخضاع صحافيي البث المباشر "اللايف" للتدريب لأنهم أصحاب النصيب الأكبر من الانتهاكات في ما يتعلق بالتغطيات الإخبارية أخيراً.

ولفتت إلى أن مصر تشهد حالياً سياقاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً معادياً لحرية الصحافة، مستدلة بعدم وجود سبيل للحصول على المعلومة، مشددة على أهمية إصدار قانون حرية تداول المعلومات، باعتباره حلاً أمثل للأزمة، إضافة إلى دعم الصحافة الجادة التي أسهم تغييبها في ظهور "صحافة التريند".

كان وزير الدولة للإعلام قد أكد نية الدولة لإصدار قانون حرية تداول المعلومات، مشيراً إلى أن القانون "يحظى باهتمام واضح خلال المرحلة الحالية في إطار استكمال البنية التشريعية المنظمة للعمل الإعلامي".

ويعد إصدار قانون حرية تداول المعلومات استحقاقاً دستورياً، وفق تعديلات الدستور المصري التي أقرت عام 2014، إذ تنص المادة 68 على أن "المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة توفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، ويحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمداً".

قرارات صحيحة قانوناً

في المقابل، يرى المحامي نجاد البرعي أن قرارات النيابة العامة المصرية بحظر النشر في عدد من القضايا أخيراً تتفق مع صحيح القانون، معتبراً أنها قرارات صحيحة في مواجهة ما وصفه بـ"تأثير وتجييش" وسائل الإعلام عن طريق النشر لصالح المتهم أو ضده، ضارباً المثل بواقعة "سيدة الإسكندرية" بالتحريض على زوجها من دون إعطائه حق الرد.

وقال البرعي لـ"اندبندنت عربية" إن قانون الإجراءات الجنائية ينص على أن التحقيق الابتدائي من الأسرار ولا يجوز نشر تفاصيل ما يجري فيه، فيما تكون المحاكمات علنية، فضلاً عن منع قانون المحاماة إفشاء المحامي قضية محل تحقيق.

وأضاف البرعي، الذي شغل عضوية مجلس أمناء الحوار الوطني، أن النيابة ارتأت أن التحقيقات في القضايا الـثلاث المحظور النشر فيها يجب أن تجري في أجواء هادئة من دون تجييش، ولا يكون الرأي العام طرفاً فيها، لكن يجب مراقبة إجراءات المحاكمة لاحقاً.

وتنص المادة 187 من قانون العقوبات المصري على معاقبة كل من ينشر "أموراً من شأنها التأثير في القضاة الذين يناط بهم الفصل في دعوى مطروحة أمام أية جهة من جهات القضاء في البلاد أو في رجال القضاء أو النيابة أو غيرهم من الموظفين المكلفين بتحقيق أو التأثير في الشهود الذين قد يطلبون لأداء الشهادة في تلك الدعوى أو في ذلك التحقيق أو أموراً من شأنها منع شخص من الإفضاء بمعلومات لأولي الأمر أو التأثير في الرأي العام لمصلحة طرف في الدعوى أو التحقيق أو ضده".

ويرفض البرعي مصطلح ما يطلق عليها "قضية رأي عام"، موضحاً أن قانون العقوبات يعتبر التأثير في سير التحقيق بنشر أمور من شأنها التأثير في سير التحقيق لصالح المتهم أو ضده "جنحة" معاقب عليها، ولفت إلى أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت تخوض في تفاصيل التحقيقات، وتبدي رأيها فيها مما يؤثر في الشهود وأقوالهم في التحقيقات.

ولم تكتف النيابة العامة بإصدار قرار حظر النشر في القضايا الثلاث، بل تابعت مدى تنفيذه، وأحالت عدداً من المخالفين إلى النيابة المختصة، وأصدر النائب العام محمد شوقي قراراً بضبط وإحضار عدد من المتهمين المخالفين قرار حظر النشر، وشددت النيابة العامة، في بيان، على ضرورة التزام الجميع القانون والامتناع عن تداول أي مواد تخص الوقائع محل القرار الأخير، وأكدت "أنها ستتصدى بكل حزم وقوة لأى مخالفة لقرار حظر النشر، ولن تتهاون مع من يتجاوز هذه الضوابط القانونية".

وتمنح المادة 190 من قانون العقوبات للمحاكم "أن تحظر في سبيل المحافظة على النظام العام أو الآداب نشر المرافعات القضائية أو الأحكام كلها أو بعضها"، وحددت عقوبة مخالفة قرار حظر النشر بالحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن 5 آلاف جنيه (96 دولاراً)، ولا تزيد على 10 آلاف جنيه (192 دولاراً) أو بإحدى هاتين العقوبتين.

تقييد صلاحيات حظر النشر

لكن الطابع المطلق لسلطة الجهات القضائية في إقرار حظر النشر دفع إلى المطالبة بصيغة أكثر اتساقاً مع الحق في المعرفة، وفق دراسة بعنوان "الضوابط القانونية لقرار حظر النشر" قدمها القاضي أسامة أحمد عبدالنعيم إلى مؤتمر "القانون والإعلام"، الذي عقدته كلية الحقوق جامعة طنطا، إذ خلصت الدراسة إلى ضرورة تحديد مدى زمني لقرار حظر النشر والإعلان عن سببه، إضافة إلى إصدار بيانات رسمية دورية عن كل واقعة يصدر في شأنها حظر النشر لإبلاغ الجمهور بما جرى فيها من إجراءات وتحقيقات.

ولم ينص القانون على وسيلة للطعن على قرارات النيابة والمحاكم بحظر النشر، لذلك يرى عبدالنعيم أن على المُشرع ضرورة التدخل للنص على وسيلة للطعن.

أما مؤسسة حرية الفكر والتعبير فقد طالبت في دراسة بتشريع قانون ينظم حظر النشر ينص صراحة على أن الأصل في المعلومات هي الإتاحة، ثم يضع الشروط للحالات الاستثنائية المسموح فيها بتقييد النشر.

واعتبرت الدراسة أن حظر النشر يجب التعامل معه على أنه "رخصة مشروطة ومقيدة وموقتة زمانياً ومحدودة في نطاقها"، مع إتاحة سُبل معارضة قرار القاضي أو جهة التحقيق بحظر النشر.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات