Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيزنس "بيع الهواء"... تجارة على شاشات الإعلام المصري

قنوات تبيع ساعات البث لراغبي الشهرة وسعر الساعة يبدأ من 146 دولاراً وآليات الرقابة غير كافية

استمرار بيع أو تأجير ساعات البث يحول الوسيلة الإعلامية إلى منصة قابلة للشراء (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ملخص

"اندبندنت عربية" تواصلت مع إحدى تلك الوكالات، إذ أوضح مسؤول بها أن أسعار إيجار ساعة البث تتفاوت حسب القناة والموعد خلال اليوم، ففي إحدى القنوات المشهورة بـ"بيع الهواء" بلغ سعر الساعة كاملة خلال الـ10 صباحاً 7 آلاف جنيه (146 دولاراً أميركياً) وترتفع تدريجاً حتى الثالثة عصراً التي تصل فيها سعر الساعة إلى 10 آلاف جنيه (208 دولارات أميركية)، ويتساوى السعر بين الثالثة عصراً ومنتصف الليل. وأوضح مسؤول إحدى الوكالات لنا أن العقد بين المؤجر والقناة يكون لمدة ثلاثة أشهر، ويجري الدفع على أقساط شهرية. ويشمل الاتفاق عرض الحلقة أو الفقرة على موقع "يوتيوب" ومنصات التواصل.

على رغم الصدمة والاستنكار لظهور متهم بالتحرش على شاشة إحدى القنوات الفضائية المصرية، التي تبعها قرار بوقف البرنامج، لم تحل أزمة مستمرة منذ أعوام في سوق الإعلام المصري عنوانها تأجير ساعات البث، أو ما يطلق عليه شعبياً "بيع الهواء"، الذي منح المجال لظهور أفراد غير مؤهلين يطلقون على أنفسهم "إعلاميين"، يقدمون محتوى رديئاً ومفبركاً أحياناً.

وخلف هذا المشهد الذي يلتصق اسمه بالإعلام، تقف تجارة رائجة تقوم على معادلة مكونة من بعض القنوات الفضائية التي تحولت إلى "مؤجر" لساعات البث فحسب، دون التدخل في المحتوى، ومستأجرين يقدمون أنفسهم كإعلاميين أو مقدمي برامج، لكنهم في حقيقة الأمر أشبه بـ"السماسرة" من خلال إعادة بيع ذلك البث للضيوف، الذين يرغبون في الظهور التلفزيوني للترويج لأنفسهم، بالتالي يجني هؤلاء "الإعلاميون" أكثر مما دفعوه للقناة مقابل تأجير ساعات البث، وأحياناً يدخل في "البيزنس" وكلاء تحت مسمى وكالات إعلانية تقدم خدمة الترويج لمن يريدون الشهرة، سواء من يريد الظهور كمقدم برنامج أو الراغبين في استضافتهم من أطباء ومحامين وغيرهم للدعاية لأنفسهم.

وخلال فبراير (شباط) الماضي أحال المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مقدمة برامج على إحدى القنوات الفضائية إلى التحقيق، وأوقف برنامجها بسبب استضافتها متهماً في قضية تحرش قيد التحقيق، وسبق ذلك التدخل لوقف عدة وقائع لمخالفات في "برامج مباعة" لاستضافة دجالين وإذاعة محتوى فني هابط وظهور أشخاص غير مؤهلين، كما أذاعت إحدى القنوات مكالمة مفبركة منسوبة لجراح القلب الشهير مجدي يعقوب. ووصلت العقوبات قبل أعوام عدة لإغلاق إحدى القنوات.

لكن لم تتوقف تلك الأزمات على رغم إصدار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عام 2018 قراراً يلزم المؤسسات الإعلامية الراغبة في تأجير أو منح أو نقل ملكية أو التنازل عن جزء من وقت بث الوسيلة الإعلامية التي تديرها للغير، أن تتقدم بطلب إلى المجلس لأخذ موافقته قبل توقيع الاتفاق. ونص القرار على أن تصدر الموافقة بقرار من رئيس المجلس، وعدت عدم البت في الطلب خلال سبعة أيام بمثابة موافقة.

أسعار الهواء: ضيوف وزبائن

وتنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي إعلانات وكالات الظهور الإعلامي لراغبي الترويج لخدماتهم مثل الأطباء والمحامين، إضافة إلى راغبي الشهرة ممن يرون في أنفسهم موهبة بدءاً من الغناء وتقديم البرامج إلى أشباه اللاعبين والفنانين.

"اندبندنت عربية" تواصلت مع إحدى تلك الوكالات، إذ أوضح مسؤول بها أن أسعار إيجار ساعة البث تتفاوت حسب القناة والموعد خلال اليوم، ففي إحدى القنوات المشهورة بـ"بيع الهواء" بلغ سعر الساعة كاملة خلال الـ10 صباحاً 7 آلاف جنيه (146 دولاراً أميركياً) وترتفع تدريجاً حتى الثالثة عصراً التي تصل فيها سعر الساعة إلى 10 آلاف جنيه (208 دولارات أميركية)، ويتساوى السعر بين الثالثة عصراً ومنتصف الليل. وأوضح مسؤول إحدى الوكالات لنا أن العقد بين المؤجر والقناة يكون لمدة ثلاثة أشهر، ويجري الدفع على أقساط شهرية. ويشمل الاتفاق عرض الحلقة أو الفقرة على موقع "يوتيوب" ومنصات التواصل.

أما القنوات الأكثر شهرة التي لا تعتمد بالكامل على إيجار البث فتضاعف أسعارها، إذ يصل سعر أربع حلقات شهرياً، تعرض خلال الـ11 صباحاً، إلى 90 ألف جنيه (1878 دولاراً أميركياً). وتزيد تلك الأسعار خلال شهر رمضان لنقص المعروض من أوقات البث بسبب زيادة الإعلانات، إضافة إلى إيقاف عدة قنوات لبرامجها المبيعة.

 

لكن تلك الكلفة يستطيع مؤجرو البث تعويضها من خلال الحصول على مقابل من الضيوف لاستضافتهم، وبخاصة الأطباء والمحامون الذين يقبلون على تلك البرامج، ويضعون أرقام هواتف المكتب أو العيادة لجذب العملاء. وتقدم نفس الوكالات الإعلانية خدماتها كوسيط بين مؤجري البث وراغبي الظهور في البرامج. ويصل مقابل الظهور ضمن فقرة لمدة 20 دقيقة على إحدى القنوات الشهيرة بين 15 ألف جنيه (417 دولاراً أميركياً) و25 ألفاً (521 دولاراً أميركياً). وتقدم الوكالة فيديو الحلقة أو الفقرة للضيف لاستخدامه على صفحاته بمواقع التواصل.

إحدى مقدمات البرامج المبيعة رفضت ذكر اسمها، قالت لـ"اندبندنت عربية" إن القنوات تتفاوت أيضاً في معايير قبول من يظهر على شاشتها، فبعض القنوات ليس لديها شروط سوى دفع قيمة ساعة البث، بينما تشترط قناة أكثر شهرة أن يكون لمقدم البرامج (الراغب في تأجير الهواء) سابقة أعمال، فيما تكتفي قناة أخرى بأن يكون المذيع "لديه قبول على الشاشة" وتدربه بعد ذلك لتقديم محتوى أفضل.

وأوضحت أن مستأجر البث أو المذيع في ما بعد يقوم لاحقاً باستهداف الضيوف الذين يريدون الترويج لأنفسهم بمقابل مادي، مثل الأطباء والمحامين، وتكون قيمة الظهور للمستأجر أو "مشتري الهواء" وليس للقناة التي يعرض البرنامج على شاشتها، مشيرة إلى أن دور إدارة القناة ينحصر في الاطلاع على أوراق الضيف، بمعنى التأكد من أنه طبيب بالفعل أو لديه شركة أو منتج مرخص من الجهات الرسمية.

تضليل الجمهور بلا مواثيق شرف

وتعد عضو لجنة الإعلام بمجلس النواب نشوة عقل أن ظاهرة تأجير ساعات البث، في بعض القنوات الفضائية لتعويض النفقات الإنتاجية، تعد ظاهرة سلبية تؤثر في جودة المحتوى الإعلامي، وقد تؤدي في بعض الأحيان إلى تضليل الجمهور.

البرلمانية، وهي بالأساس وكيل كلية الإعلام جامعة القاهرة، قالت لـ"اندبندنت عربية" إن منح ساعات البث لمستأجرين يفرضون توجهاتهم وأذواقهم الخاصة ينعكس سلباً على المهنية، وبخاصة في حال تقديم محتوى دعائي أو معلومات غير دقيقة، مشيرة إلى أن بعض البرامج، خصوصاً الطبية ومراكز التجميل والوصفات العلاجية، قد تستضيف شخصيات غير مؤهلة للظهور الإعلامي نتيجة اعتبارات مادية. وأضافت أن هذه الممارسات تؤثر في سمعة المؤسسات الإعلامية، إذ يجري تقديم محتوى لمصلحة من يدفع أكثر، حتى وإن كان يتضمن معلومات مغلوطة أو دعاية لشخصيات غير جديرة بالثقة.

وأكدت عضو لجنة الإعلام ضرورة تفعيل إجراءات واضحة لتنظيم عمل القنوات، من بينها وضع ضوابط وتراخيص محددة، وتفعيل دور الجهات الرقابية لمتابعة المحتوى وتطبيق مواثيق الشرف الإعلامي، إلى جانب اشتراط حصول مقدمي هذا النوع من المحتوى على تصاريح مزاولة المهنة قبل الظهور عبر الشاشات.

وتتفق أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة سهير عثمان مع ضرورة تفعيل صلاحيات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي من حقه إحالة القنوات المخالفة للتحقيق، واتخاذ إجراءات قد تصل إلى إغلاق القناة حال ثبوت المخالفات، إلا أن تفعيل هذه الصلاحيات، بحسب قولها، لا يتم بالصورة المطلوبة.

وأوضحت عثمان لـ"اندبندنت عربية" أن ظاهرة بيع ساعات الهواء في بعض القنوات تقوم على سند قانوني، يتيح للقنوات حق الإعلان عبر شاشاتها، موضحة أن مالك ة علامة تجارية يمكنه دفع مقابل مادي والصعود إلى المنبر الإعلامي للحديث، دون اشتراط توافر مؤهلات إعلامية أو مهنية، طالما سدد المقابل.

 

وأضافت أن المشكلة لا تكمن فقط في بيع الهواء، إنما في غياب تفعيل الدور الرقابي على البرامج المبيعة، مشيرة إلى عدم وجود رقابة كافية من قبل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على محتوى هذه البرامج، فضلاً عن الاستعانة بمذيعين أو ضيوف غير متخصصين. وأشارت إلى غياب تطبيق ميثاق الشرف الإعلامي وعدم وجود رقابة حقيقية على ما يُبث عبر الشاشات.

كان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام شدد ضمن قراره عام 2018 في شأن ضوابط تأجير البث على "وجوب التزام أطراف الاتفاق بمواثيق الشرف الصحافية والإعلامية، وضمان جودة المحتوى، ومراعاة حقوق الجمهور في الحصول على خدمة جيدة وهادفة، وعدم استخدام الوسيلة الإعلامية في الحض على الكراهية أو التحريض على العنف أو التمييز، وكذلك عدم استخدام الوسيلة الإعلامية في بث الإشاعات والتحريض ضد مؤسسات الدولة أو السب أو لتيسير مصالح شخصية تنأى عن المصلحة العامة".

ونص القرار على أن للمجلس أن يوقع جزاء على الطرف الذي يخل "بهذا القرار أو بآداب وأصول المهنة وأخلاقياتها أو بما تقتضيه المصلحة الوطنية ومقتضيات الأمن القومي".

لكن عدم الالتزام بتلك الضوابط أدى إلى فقدان المواطن الثقة في الإعلام، بحسب الأكاديمية سهير عثمان، نتيجة انتشار البرامج التي وصفتها بأنها لا تليق ولا تجوز مهنياً.

كذلك، أكد عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقاً حسن عماد مكاوي أن ظاهرة بيع ساعات الهواء في بعض القنوات تمثل إحدى أخطر الآفات التي تضرب منظومة الإعلام في مصر، مشدداً على أن هذه الممارسة تضر بصدقية الوسائل الإعلامية وتضعف تأثيرها لدى الجمهور.

الربح على حساب المحتوى

وقال مكاوي لـ"اندبندنت عربية" إن هذه الظاهرة لا تحدث في أي مكان حول العالم بالصورة القائمة حالياً، لافتاً إلى أنها تدفع ملاك بعض القنوات إلى التركيز على التربح دون النظر إلى جودة المحتوى أو الرسالة الإعلامية المقدمة، مضيفاً أن استمرار بيع أو تأجير ساعات البث يحول الوسيلة الإعلامية إلى منصة قابلة للشراء، وهو ما يؤثر سلباً في العلاقة بين المتلقي ووسائل الإعلام.

وأشار إلى أن التصدي لهذه الظاهرة يدخل ضمن اختصاصات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وتساءل عن أسباب عدم تحرك المجلس بصورة حاسمة لمعالجة هذه المشكلة، على رغم علمه بوجودها وتأثيرها المباشر في المشهد الإعلامي، مشدداً على ضرورة اتخاذ إجراءات تنظيمية واضحة وصارمة لضبط الأداء الإعلامي، بما يحفظ المهنية ويعيد الثقة بين الجمهور ووسائل الإعلام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جانبها، قالت عضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام منى الحديدي إن المجلس يعمل على ضبط المشهد الإعلامي ومحاسبة القنوات التي تقوم بمخالفات في ملف تأجير البث، وبخاصة عند تقديم أي شكاوى ضد تلك القنوات، لمنع الإخلال بمواثيق الشرف الإعلامي.

وأضافت ضمن تصريحات صحافية أنه من المفترض أن لا تمنح أي قناة وقت البث وحق الظهور على الشاشة إلا لأشخاص مؤهلين، وأن لا يكون شغلها الشاغل بيع الهواء فقط دون التدقيق في المحتوى.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات