ملخص
يدمج الشاعر المصري كريم عبدالسلام في مجموعته الشعرية "الوحوش دخلت البيت" بين التراث والحياة المعاصرة، ليخلص إلى أن البشرية لم تخرج بعد من طور البداوة، وأن التغير اقتصر على القشرة الخارجية، بينما ظل المضمون المأسوي ثابتاً لم يطرأ عليه تبديل.
يكثر التناص مع التاريخ والحكايات الشعبية، ومع الشعراء العرب والغربيين، قديمهم وحديثهم، وكذلك مع الأسطورة في مجموعة "الوحوش دخلت البيت" (دار يسطرون) للشاعر كريم عبدالسلام، ففي نصه "قصيدة بدون كلمات"، يستعيد عالم الشجرة والثعابين والفاكهة المحرمة، محرفاً إياه بما يتسق مع فكرته الجديدة التي يطرحها. يبدأ من لحظة اغتراب كامل عن "نخلة وحيدة على شاطئ نهر منسي تطرح جميع الفاكهة فور أن تخطر على قلبك، وما إن تسقط ثمرة منها في روحك حتى تنطق اللغة على لسانك"، لتتحول القصيدة من الخرس إلى الحس المسموع، في إحالة إلى تعليم آدم الأسماء كلها.
لكن هذا الجانب النوراني الخير لن يخلو من النقيض كطبيعة أي حبكة، لا بد من أن يظهر فيها الصراع بين خير وشر. في الأسطر التالية تظهر الثعابين الثلاثة سوداء وذهبية ومرقطة، لكنها هنا لا تحرس شجرة الخلد، وإنما النخلة، وهنا يستفيد الشاعر من عدم تحديد النص الأصلي إلى نوع الشجرة المحرمة. هذه النخلة تحتها حيات تفتح أفواهها عن أنياب معقوفة أمام الداخلين في التجربة، فالتجربة وحدها ما تجعل الإنسان إنساناً، إذ تبرز معدنه، إن خيراً وإن شراً، والخطأ هو السمة الأساسية للبشر ومن دونه تنتفي عنه صفة البشرية.
الرعاة الساهرون والعابر
وفي نص "مخطوط قديم لحكاية السلحفاة والأرنب"، يكشف لنا الشاعر كيف تولدت هذه الحكاية على نار الرعاة الساهرين في العراء، يشتكون من طول الليل وقصر النهار، حتى أصبحت واحدة من أشهر الحكايات العالمية. يستعيد فيها الجانب الرعوي للحياة، الجانب الأثير لعبدالسلام داخل نصوص هذه المجموعة، ويتبدى ذلك من الحقل اللغوي للقصيدة الذي يضم (الجبال، الرعاة، الذئاب، النار، الخناجر، العزف، الناي، الغنم...). نقف أمام عالم مقلوب، تتمرد فيه الأغنام على الرعاة، والنار التي تقول "هل من مزيد" متعبة من الأشواك والأغصان والأشجار التي تلتهمها. ولتسلية يومهم يقرر الرعاة إقامة مسابقة بين السلحفاة والأرنب، مسابقة يمتلك فيها كل منهما مهارات استثنائية، فالسلحفاة عداءة وقادرة على الصيد، بينما يمتلك الأرنب أجنحة قوية كالصقور والحدآن، مصادر قوة أعدائها الطبيعيين في البيئة، على أن تكون الجائزة جناح النسر الذهبي للفائز.
وفي أثناء هذه المسابقة تنزل كوكبة بنات نعش الكبرى من السماء في صورة كلاب برية، فتغتال السلحفاة الحالمة بأرجل الفهد وأنياب النمر البنغالي، بينما يراقب الأرنب من جحره الرطب، ويسأل بعد رحيل بنات نعش خلف القطعان عن الجائزة باعتباره فائزاً في مسابقة لم يخضها.
ويمضي هذا النمط في نصه "العابر... لا يكلم النخاسين واللصوص والأوباش"، عائداً إلى الزمن القديم، زمن الخصيان والعبيد والجواري، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الزمن ليس سوى قناع يعبر عن الواقع الذي نعيشه الآن. وهو ما يؤكده عبدالسلام دائماً عبر كسر هذا الإيهام التاريخي بعبارات تنتمي إلى الواقع المعاصر، كما في نصه الذي يستعيد قصة جديس وطسم، حيث يفكك جوها الأسطوري بعبارات من اليومي، مثل: "أبي سألني عن ريموت التكييف: كيف تنام في هذا الحر؟ أكاد أختنق... أبي... ارحمني يا أبي، أنت لا تعرف معنى فاتورة الكهرباء".
ففي نص "العابر" نحن أمام أمير مجنون يملك الذهب، يحقق العدالة، يكسر القيود، يسقي الأفواه العطشى، حتى ينهمر الماء المعطر على التراب، يداوي كل الجرحى والمرضى، ويواسيهم كأنه المسيح. يرفع الطائر في الهواء بعدما يسقيه: "لا تأت هنا مرة أخرى، ارتفع، ارتفع، أنت تملك جناحين، صدقني.. أنت حر، والسماء ملك لك، ابتعد...". ثم يحطم الأقفاص الجديدة الزاهية تحت قدميه، ويلقي بالقيود في النار، وسط حسرة التجار واللصوص والأوباش، وعواء الخصيان وكلاب السكك.
غابات استوائية
وفي القصيدة التي تحمل اسم المجموعة "الوحوش دخلت البيت" نقف أمام عالم الغابة مرة أخرى، غابة الواقع الآني "الوحوش عادت من العمل، ساعدت الأطفال في واجباتهم المدرسية، وتناولت العشاء مع العائلة، ثم جلست أمام التلفزيون"، ليتحول المشهد بعد ذلك إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف، تنتظر التماسيح على الشاطئ العطشى لتلتهمهم.
تخرج الأشجار الاستوائية من خشب المكتبة لتحط عليها الطيور، صانعة كرنفالاً غنائياً متناغماً من مختلف الأنواع، قبل أن يعود الوجه العنيف للحياة عبر وصف مشهد العراك الوحشي بين ذكرين من النياندرتال: "مزق أحدهما صدر الآخر، وضرب رأسه بحجر على كرسي الأنتريه الأصفر، وفاز بمجموعة الإناث التي كانت تترقب المعركة". يستعيد النص أجواء إنسان الكهف، يصارع الإنسان من أجل لقمة العيش، أن يكون قاتلاً أو مقتولاً، في عراك دائم، في إشارة إلى أن الحياة لم يتغير فيها سوى قشرتها الخارجية، بينما ظلت الوحوش على حالها.
ويتأكد هذا المعنى في نص "الزمن يشرب القهوة مع الشيشة"، حيث يجلس الزمن على المقهى يفكر كيف يبني أحداث الألف سنة المقبلة: "كم أكره البدايات، غمغم الزمن، لكني مضطر... نظرة على الألف سنة الماضية، ها، ماذا نفعل؟ نستعيد الوقائع والأشخاص والمصائب، ونمنحها أسماء جديدة، لأن البشر الأغبياء لا يتذكرون المستقبل، وينكرون دروس الماضي".
الصيف الشتاء
وفي نص "الجميلة رفضت الصيف... وتزوجت الشتاء"، يرسم الشاعر جواً أسطورياً يشبه الميثولوجيا المصرية القديمة عن الجميلة التي رفضت الصيف وفضلت الشتاء، وحبلت من نزول قطرة مطر في جوفها، مما يغضب الصيف فيقرر الانتقام: "الصيف أشعل العالم، حاصر البيت والشارع والمدينة والأرض باللهيب والصهد والرطوبة والرياح الساخنة، وتوعد الأرض كلها بالجفاف والجدب والهلاك"، كأننا أمام تفسير ميتافيزيقي جديد لسبب الاحتباس الحراري الذي لحق بالأرض بسبب أنانية الإنسان المفرطة.
وينهي كريم عبدالسلام هذا النص بصورة تشي إلى جانب من الطرافة، إذ يجعل الصيف ينطق بعبارة من فيلم "الناصر صلاح الدين": "الصيف يشرب كل ليلة، ويقسم أنها، في ليلة أقل جمالاً، ستأتي بقدميها الحافيتين، وتبكي بين ذراعيه، ليرحمها من الجحيم".
ويعود في نص "أبى يعود من الموت" إلى قصة طسم وجديس، عن العرب البائدة، وعن عمليق الذي كان يفترع العذراوات قبل زواجهن، من دون أن يستطيع أحد أن يوقفه عن فعله، حتى يأتي الأسود بن عفار لينتقم منه، بعدما افترع عمليق أخته عفراء، فيقتله. لتحاكم القصيدة موقفه، إذ إن ثأره كان ذا هدف فردي في المقام الأول، وليس رفع الظلم عن الجميع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي نص "شمعة من أجل إيزادورا"، يعود الشاعر إلى التاريخ المصري القديم، مستحضراً حكاية فتاة مصرية تبلغ من العمر 18 سنة، فائقة الجمال، عاشت في القرن الثاني قبل الميلاد في عصر الإمبراطور هادريان، في منطقة تونا الجبل. وقعت في حب ضابط مصري من العامة، وهي أميرة يونانية، فرفض والدها تزويجها منه، فانتحرت في النيل. وندم أبوها أشد الندم على ما فعله بابنته، فبنى لها مقبرة جميلة وكتب عليها مرثيتين. أما حبيبها فظل مخلصاً وفياً، يذهب كل ليلة ليشعل شمعة داخل مقبرتها حتى لا تبقى روحها وحيدة. ويربط الشاعر هذه الحكاية بقصة روميو وجولييت باعتبارها معيناً أول لهذه الحكاية التي ما زالت تتكرر فصولها إلى اليوم.
الطابع الشعبي
تحمل المجموعة بين طياتها روحاً، قادمة من الطقوس الشعبية. ففي نص "الزار... من أجل الشريفة"، يناقش تبعات حرمان المرأة التي غاب عنها زوجها، والحلم الذي تحول إلى كابوس. وفي نص "الشيطان والفلاح والجزيرة"، نرى عالم "ألف ليلة وليلة"، وقدرة الفلاح على خداع الشيطان وحبسه في القمم عبر الحيلة. وهي الروح ذاتها التي تحضر في "الضباع في الوادي تنادي الماعز على الجبل"، القادمة من عالم الحكايات الشعبية، ولكن هذه المرة بطابع سياسي. تدعي الضباع حنوها وخوفها على الماعز: "أنت تتعذبين على الصخور الحادة، ونحن ننام في عراء السهول، آن الأوان لنعلي قيمة الصداقة، لا بد أن يشهد العالم تجربتنا في حسن الجوار. توقيع: الضباع الوحيدة المعذبة"، لتنتهي الحكاية بالتهام الضباع للماعز التي صدقت أن أعداءها تحولوا إلى كائنات نباتية، وتحميل الماعز سبب فشل حدوث السلام: "أنت فاشلة في حفظ السلام بين شعبينا، أنت مسؤولة عن تعكير صفو العلاقات... حكم بالإعدام". في عالم احترف تحويل الضحية إلى جانٍ.
وفي الأخير، لا تنفصل نصوص كريم عبدالسلام عن هموم الواقع وقضاياه الكبرى، ولا تنكفئ داخل حدود الذات، تنفتح على الشأن العام بكل تعقيداته، تناقش القضايا السياسية المعاصرة، وترصد الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالمجتمع المصري، وتفضح زيف الواقع الاجتماعي، كذلك تكشف عن استغلال الدين وسيلة لخداع الناس، وتعبر عن شاعر مشغول بقضايا مجتمعه، منحاز إلى واقعه، بعيد من الانغلاق في برج عاجي.