ملخص
على رغم ارتفاع الأسهم وتراجع أسعار النفط، يحذر خبراء من أن الأسواق تتجاهل أخطاراً حقيقية ناتجة عن تعطل الإمدادات وتضرر البنية التحتية للطاقة.
مع صعود الأسهم هذا الأسبوع وتراجع أسعار النفط وسط مؤشرات إلى تهدئة محتملة للتوتر بين الولايات المتحدة وإيران، بدا كأن صدمة الطاقة التي هزت العالم تتلاشى سريعاً، إلى جانب خطر دفع الاقتصاد العالمي نحو الركود.
غير أن هذا التفاؤل قد يكون قصير الأجل، إذ أعلن الجيش الإيراني إعادة فرض قيود على مضيق هرمز، مما أعاد إثارة الشكوك بشأن وضع الممر المائي الحيوي.
هذا الغموض يسلط الضوء على واقع مختلف يتشكل تحت السطح، تحدده خطوط إمداد معطلة وبنية تحتية متضررة، مما يثير قلقاً متزايداً بين المنتجين والناقلين والمستهلكين للطاقة.
وقال الرئيس المشارك لقطاع النفط والغاز في شركة "بيكر بوتس" للمحاماة جيري مورتون، لصحيفة "واشنطن بوست"، إن "الأشخاص الأقرب إلى الصناعة أكثر قلقاً بكثير في شأن هذه الاضطرابات، ويدركون المدة التي سيستغرقها الوضع للعودة إلى طبيعته، إذا عاد أصلاً".
أضاف، "كلما ابتعدت عن الإنتاج الفعلي للنفط، بدا أنك أقل قلقاً في شأن الواقع المادي والمشكلات القائمة".
حتى المستثمرون الذين يسارعون للاستفادة من تفاؤل السوق حذروا في مقابلات من أن هذا التفاؤل يخفي مشكلات عميقة تهدد بتصحيح قاس في المستقبل غير البعيد.
من جانبه قال مؤسس شركة "باين تري ماكرو" الاستثمارية ريتش جين، "نعلم أن سلاسل الإمداد تتفكك في آسيا وحتى أوروبا، ونعلم أن تصحيحاً قادم في نهاية المطاف، لكن الجميع يريد العيش في اللحظة الراهنة".وأضاف، "علينا أن نرقص ما دامت الموسيقى مستمرة، ونأمل أن نكون قريبين من باب الخروج حين تتوقف".
إعاد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي
يُشكّل هذا التباين بين ما يُشير إليه السوق وما يحدث فعلياً، بشكل متزايد، ملامح الاقتصاد العالمي، فبينما يتفاعل المستثمرون وخوارزميات التداول التي يعتمدون عليها مع عناوين الأخبار وتلميحات التقدم الدبلوماسي، يُحذّر المحللون من أنهم يتجاهلون مؤشرات الخطر التي تُنذر بما سيحدث في الأسابيع والأشهر المقبلة.
دفع هذا بعضاً من أبرز الشخصيات الاقتصادية في العالم إلى التحذير من أن التراخي في غير محله، بمن فيهم رئيس وكالة الطاقة الدولية ومسؤولون في صندوق النقد الدولي، ودفع ذلك بعض أبرز الأصوات الاقتصادية في العالم، بمن في ذلك مدير وكالة الطاقة الدولية ومسؤولون في صندوق النقد الدولي، إلى التحذير من أن هذا الاطمئنان في غير محله.
في أوروبا ارتفعت أسعار الأسمدة إلى مستويات قد تدفع أسعار الغذاء للصعود خلال العام المقبل، وهناك نقص في مكونات أساسية تدخل في صناعة البلاستيك، مما قد يرفع كلفة عدد واسع من المنتجات.
وتواجه مصانع في فيتنام وبنغلاديش، تعتمد عليها شركات أميركية، خطر الإغلاق بفعل ارتفاع كلفة الطاقة.
وقال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، "قد تكون بعض الدول أغنى من غيرها، وبعضها يمتلك طاقة أكثر من غيرها، لكن لا توجد دولة محصنة من هذه الأزمة".
أسواق الأسهم المزدهرة لا تسعّر الأخطار
يرى بعض المحللين أن هذا الانفصال يشبه ما حدث خلال جائحة كورونا، حين ارتدت الأسواق سريعاً بعد هبوط أولي، متجاهلة الأضرار طويلة الأمد التي لحقت بسلاسل الإمداد، قبل أن تأتي التداعيات التضخمية لاحقاً.
وقالت الباحثة البارزة في "مركز ستيمسون" إيما أشفورد، "الناس يخدعون أنفسهم بالاعتقاد أن كل هذا سيُحل بسرعة... هذا غير صحيح. في مرحلة ما سيصطدم هذا الواقع بالأسواق".
ويرى كثر في قطاع النفط أن رد فعل المتداولين والمستثمرين على اضطراب عالمي بهذا الحجم يبدو مستغرباً، بخاصة أن إعادة فتح مضيق هرمز بشكل مشروط تمثل خطوة محدودة، لا انفراجاً حقيقياً كما توحي أسعار العقود الآجلة للنفط.
وإيران أوضحت أنها ستسمح بمرور السفن بشكل انتقائي وعلى مسارات محددة، فيما لا يزال المضيق مليئاً بالألغام، والولايات المتحدة لم ترفع الحصار العسكري على حركة الشحن.
الفجوة بين سعر النفط الفوري والعقود الآجلة
قال رئيس أبحاث النفط في شركة "سبارتا" للتحليلات نيل كروسبي، للصحيفة، "لو قيل لي قبل ثلاثة أسابيع إن سعر النفط سيكون دون 100 دولار في سوق العقود الآجلة، لقلت إن هذا مستحيل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف "بعد حرب روسيا في أوكرانيا ارتفعت الأسعار إلى 130 دولاراً على رغم أن كميات محدودة فقط كانت معرضة للخطر. الآن 20 في المئة من نفط العالم لا يزال معرضاً للخطر والعقود الآجلة لا تعكس ذلك. هذا جنون".
أوضح أن رد الفعل المتقلب في الأسواق تقوده "ضبابية الحرب"، إذ يفترض المتداولون أن الرئيس دونالد ترمب يسعى إلى مخرج من النزاع. وأشار إلى أن هذا انعكس في الفجوة غير المسبوقة بين سعر النفط الفوري، الذي تجاوز في بعض المناطق 140 دولاراً، وسعر العقود الآجلة الذي هبط الجمعة إلى أقل من 90 دولاراً. وقال، "في أي لحظة قد يغرّد ترمب، فتتفاعل الخوارزميات فوراً. هذا يجعل الحياة شديدة الصعوبة".
ويحذر مراقبون من أن تراجع أسعار النفط الآجلة يطلق سلسلة تفاعلات تدفع خوارزميات السوق إلى شراء الأسهم، باعتبار أن الوقود الأرخص يفترض أن يعزز أرباح الشركات، على رغم أن اضطراب الطاقة العالمي لم يُحل بعد.
وقال أستاذ الاقتصاد في معهد جورجيا للتكنولوجيا تيبور بيسيديس، "هناك انفصال بين ما تبدو عليه الأسواق وما يحدث فعلياً في العالم". وأضاف، "الأسواق تسعّر الأمر كصدمة مموقتة بينما يقول العاملون في قطاع النفط إنها طويلة الأجل. الأمر ليس مجرد فتح صنبور لعودة تدفق النفط".
"ركوب دراجة أسرع من ناقلة نفط"
لحقت ببنية الطاقة التحتية أضراراً في مناطق رئيسة، وبعضها جسيم، وتواجه طرق الشحن أخطاراً مرتفعة، فيما تعطلت لوجيستيات نقل النفط والغاز عالمياً بطريقة لا يمكن إصلاحها سريعاً.
وقال جيري مورتون، "يمكنك ركوب دراجة أسرع من ناقلة نفط. سيستغرق الأمر أسابيع وربما أشهراً لعودة حركة الناقلات إلى طبيعتها". وأضاف أن إصلاح المنشآت المتضررة قد يستغرق وقتاً أطول بكثير، مشيراً إلى أن حجم الأضرار في منشآت الإنتاج الخليجية لم يُحص بعد، كما أن أعمال الإصلاح لن تبدأ قبل توقف القصف بالكامل. واستشهد بمثال تاريخي عندما أشعل العراق آبار النفط الكويتية عام 1990، قائلاً "الجميع قال حينها إن الأمور ستعود إلى طبيعتها فوراً، لكن ذلك لم يحدث. استعادة الإنتاج استغرقت أعواماً". ووصف عضو مجلس إدارة "معهد كوينسي للحكم الرشيد" تيبور بيسيديس بنية الطاقة التحتية بأنها شريان الاقتصاد العالمي. وقال، "الأسواق تراهن على إمكانية الاعتماد على الاحتياطات لحين إصلاح الأضرار. لكن ماذا لو اندلعت جولة قتال جديدة وشنّت إيران مزيداً من الهجمات على هذه البنية التحتية؟ قد يكون الحديث حينها عن اضطراب كاف لإصابة الاقتصاد العالمي بسكتة".