ملخص
ترى إثيوبيا أن مشروع الوصول إلى المنافذ البحرية لم يعد "ترفاً" بل ضرورة تفرضها التحديات الإقليمية والدولية، الأمر الذي قرأه مراقبون على أنه تصعيد خطر لوتيرة الحرب المحتملة بين إريتريا وإثيوبيا، خصوصاً في ظل انشغال العالم بحرب إيران.
في تطور جديد، يعزز من احتمالات نشوب حرب جديدة في القرن الأفريقي، قال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، إن أمن البحر الأحمر ينبغي أن يكون محمياً بقدرات الدول "القوية" مثل إثيوبيا، لا أن يُترك للإسهامات المحدودة "للدول الصغيرة" التي لا تستطيع "حماية" الممرات البحرية الحيوية، بحسب قوله، وذلك في إشارة إلى جارتيه الساحليتين إريتريا وجيبوتي.
وأضاف آبي أن "قضية المنفذ البحري الإثيوبي ينبغي حلها بالطرق السلمية"، لكنه أكد أنها "ضرورة حتمية لا رجوع فيها، ولا ينبغي مناقشتها كأحد الخيارات بل كواقع استراتيجي ينبغي تحقيقه"، وذلك في إشارة إلى إمكانية اللجوء للقوة العسكرية في حال تعثر المسار السلمي.
العزلة الجغرافية
وجاءت هذه التصريحات في حوار أجراه مع التلفزيون الإثيوبي الرسمي، قال فيه إن بلاده أخبرت الدول الكبرى قبل ثلاثة أعوام بالأخطار المحتملة التي قد تهدد النشاط البحري العالمي، مشيراً إلى أن تلك التنبيهات لم تلقَ الاهتمام الكافي حينها.
ونوه إلى ضرورة إعادة تعريف مفهوم "السيادة"، موضحاً أن إثيوبيا نبهت مراراً من أن استمرار تجاهل التحديات التي تواجهها قد يعرض حياة نحو 130 مليون مواطن للخطر، وذلك في إشارة إلى تداعيات العزلة الجغرافية لبلاده غير الساحلية.
وأضاف أن هذه التنبيهات لم تُؤخذ بجدية في ذلك الوقت بسبب غياب مؤشرات واضحة، إلا أن التطورات الراهنة بخاصة الحرب في إيران وتداعيات أزمة مضيق هرمز وتصاعد التوترات الجيوسياسية، جعلت هذه المخاوف أكثر وضوحاً وإلحاحاً.
ولفت إلى أن افتقار إثيوبيا لمنفذ بحري يفرض قيوداً كبيرة على الوصول إلى وسائل النقل البحري والبري والجوي، وهو ما ينعكس على قدرتها الاقتصادية ودورها في التجارة العالمية، كاشفاً أن رغبة بلاده "للانخراط في الأنشطة البحرية يستند إلى قراءة مبكرة للتحولات الدولية والأخطار المتزايدة"، وأن السياسات والتوجهات التي تبنّتها بلاده في هذا المجال بدأت تثبت صحتها في ظل الواقع العالمي الحالي.
ورأى أن مشروع بلاده للوصول إلى المنافذ البحرية لم يعد "ترفاً" بل ضرورة تفرضها التحديات الإقليمية والدولية، الأمر الذي قرأه مراقبون على أنه تصعيد خطر لوتيرة الحرب المحتملة بين إريتريا وإثيوبيا، خصوصاً في ظل انشغال العالم بحرب إيران.
فهل تغذّي هذه التصريحات التي تعد الأقوى لرئيس الوزراء الإثيوبي المخاوف المتعلقة بتجدد الحرب في القرن الأفريقي؟
وما هي محاور هذه الحرب التي قد تتجاوز الواقع المحلي، وما هي فرص تحولها إلى حرب إقليمية قياساً بالتحالفات القائمة الآن في المنطقة والعالم؟
يأتي ذلك في الوقت الذي أعلنت تركيا الجمعة الماضي، نشرها طائرات F16 قبالة السواحل الصومالية، كذلك يتزامن مع زيارة وفد إريتري رفيع المستوى للقاهرة.
استغلال الوضع الدولي
بدوره، يرى المحلل السياسي المتخصص بشؤون منطقة القرن الأفريقي سليمان حسين، أن تصعيد الخطاب الإثيوبي من خلال تصريحات آبي أحمد ليس أمراً جديداً، ولا مرتبطاً بالأوضاع الإقليمية والدولية التي فرضتها الحرب في إيران، وإن حاول الاستفادة من تداعيات تلك الحرب في حواره التلفزيوني الأخير.
وأشار إلى أنه من الضرورة بمكان التأكيد على أن "حملات الحرب كانت قائمة قبل حرب إيران ولا تزال مستمرة، ويعود أساسها إلى النهج الذي تتبعه أديس أبابا والقائم على انتهاك سيادة دول المنطقة، لا سيما إريتريا، وذلك تحت حجج الحقوق التاريخية من أجل اقتطاع منفذ بحري من السواحل الإريترية".
ويرى المحلل الإريتري أن "تراجع حملات الحرب خلال الفترة الماضية، قبل عودتها الآن بصورة أكبر، لا يعني تراجعاً عن النهج، وعدم اندلاعها حتى الآن لا يعني العدول عنها، بل يعكس بالدرجة الأولى عدم قدرة إثيوبيا على فرضها نتيجة الأزمات الداخلية العميقة، سواء السياسية أو الاقتصادية، إضافة إلى النزاعات المسلحة التي تطال أجزاء واسعة من أراضيها، ناهيك عن الأوضاع الإقليمية التي أسهمت بدورها في تأجيل الحرب ربما. لكن ما ينبغي تأكيده أن إثيوبيا لم تتراجع في أية لحظة عن التهديد بإشعال الحرب، وآخرها حوار رئيس وزرائها الذي ربط بين حصول بلاده على منفذ بحري وتحقيق السلام والتنمية في المنطقة ككل".
امتدادات حرب إيران
وحول العلاقة بين حرب إيران والتطورات المحتملة في منطقة القرن الأفريقي، يرى سليمان أن الصراع مع طهران وعلى رغم من وجود مؤشرات على اقتراب نهايته، فإنه لم يُحسم بعد، ولا تزال احتمالات توسعه، بما يشمل منطقة البحر الأحمر، ممكنة. وعليه يمكن القول إن هذا المناخ الإقليمي المتوتر قد يزيد من احتمالات التصعيد في القرن الأفريقي، من دون أن يكون هو السبب المباشر فيه.
وأوضح أنه في حال اندلاع حرب في القرن الأفريقي، فمن المرجح أن يكون دافعها الأساس هو سعي إثيوبيا لفرض واقع جديد يتيح لها الحصول على منفذ بحري، لا سيما عبر استهداف ميناء عصب الإريتري، من خلال الاستفادة من التوتر الدولي، بخاصة أن ثمة ارتباطاً بين مضيق هرمز ومضيق باب المندب باعتبارهما ممرين دوليين للملاحة بين دول الخليج وأوروبا وأميركا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نحو صراع إقليمي
ويوضح في هذه الحالة، فإن احتمال تحول الحرب إلى صراع إقليمي يُعد كبيراً، نظراً لما يمثله ذلك من تهديد مباشر لأمن واستقرار الدول المطلة على البحر الأحمر. كذلك هناك قوى، خارج الإقليم، يُنظر إليها على أنها تشجع أو تدعم هذا التوجه الإثيوبي، في مقابل دول أخرى ترى في أي تغيير قسري في الوضع القائم تهديداً لمصالحها، مما سيدفعها للتحرك لمنع فرض أمر واقع جديد.
ويضيف حسين أنه لا يمكن إغفال أن البحر الأحمر يُعد من أهم الممرات المائية في العالم، مما يجعل استقراره محل اهتمام دولي واسع، وليس فقط إقليمي. وأي محاولة لفرض منفذ بحري بالقوة ستمثل سابقة خطرة ومخالفة صريحة للقانون الدولي والأعراف المستقرة، مما يسهم في تقويض أسس النظام الدولي القائم على احترام سيادة الدول.
على رغم وجود قدر من التأثير المتبادل، فإن التوتر في القرن الأفريقي له أسبابه الخاصة والعميقة، ولا يمكن اعتباره مجرد انعكاس لما يجري في إيران أو منطقة الخليج. ومع ذلك، فإن التصعيد في إيران قد يسهم بصورة غير مباشرة في تهيئة بيئة دولية أكثر قابلية للتوتر، سواء من خلال تشتيت الاهتمام الدولي أو زيادة أهمية الممرات البحرية، وهو ما قد يشجع بعض الأطراف على المضي في سياسات أكثر تصعيداً. لكن في جوهر الأمر، تبقى أزمات القرن الأفريقي نابعة من دينامياته الداخلية والإقليمية بالدرجة الأولى.
طروحات متناقضة
من جهته، يرى المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي عبدالرحمن سيد، أن التصريحات الصادرة عن رئيس وزراء إثيوبيا تفتقد للبعدين القانوني والسياسي، لجهة تناقضها مع القانون الدولي وميثاقي الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، التي تُجمع على احترام سيادة الدول على أراضيها ومياهها الإقليمية وموانئها.
ولفت إلى أن الأسباب التي قدمها آبي أحمد لضم ميناء عصب الإريتري إلى السيادة الإثيوبية، لا تصمد أمام الواقعين القانوني والسياسي المستقرين، موضحاً أن المسعى الإثيوبي الذي أعلن في عام 2023، تحت عنوان "الوصول الآمن للبحر الأحمر"، تراوح بين عنوان "الأحقية التاريخية" لإثيوبيا في ميناء عصب، والاعتبارات الاقتصادية واستحقاقات التنمية قبل أن يتطور في الحوار الأخير إلى التبريرات الأمنية، لربط المطلب بالأوضاع الراهنة في الخليج العربي وأزمة مضيق هرمز.
ورأى سيد أن رئيس الوزراء الإثيوبي حاول في حواره التلفزيوني الأخير، تقديم نفسه كضامن لأمن البحر الأحمر، وقال إنها "ذريعة جديدة يحاول من خلالها إقحام مشروعه ضمن سياق التطورات الإقليمية والدولية".
وأشار إلى أن قضية أمن البحر الأحمر تقع بالدرجة الأولى على عاتق الدول المطلة عليه، أما الممرات الدولية فهي مسؤولية مشتركة بين الدول الكبرى والصغرى المنضوية تحت مظلة الأمم المتحدة، من خلال دعم وتعزيز قدرات الدول الساحلية للحفاظ على الأمن وسلامة الملاحة الدولية. وليس ثمة مبررات قانونية أو سياسية، تدفع في اتجاه تمكين دول حبيسة للسيطرة على موانئ سيادية لدول أخرى بحجة الحفاظ على الأمن.
إعادة التموضع
من جهته، يرى المتخصص في الشأن الإثيوبي بيهون غيداون، أن التصريحات الأخيرة لآبي أحمد تنسجم مع الأوضاع الدولية المضطربة في منطقتي الخليج والشرق الأوسط.
وأكد أن من مسؤولية دول مثل إثيوبيا، التي تتميز بكثافة سكانية كبيرة وبتأثير دولي وقاري فاعل، أن تعمل على توسيع نفوذها وتأمين مصالحها في منطقة تشهد اضطرابات عالية، إذ إن الحرب القائمة في منطقة الخليج لها تأثيرات مباشرة على منطقة حوض البحر الأحمر التي تبعد نحو 60 كيلومتراً من الأراضي الإثيوبية.
ويرى غيداون أن استغلال أديس أبابا للأحداث الجارية وتكييفها لمصلحة مطالبها الطموحة للوصول إلى المنفذ البحري تعد مبررة سياسياً، لا سيما في ظل الأوضاع التي يشهدها العالم من تحولات وإعادة تموضع القوى الدولية في الخليج العربي ومداخل البحر الأحمر.
ويصف المحلل الإثيوبي تصريحات رئيس وزراء بلاده بـ"الخطوة الذكية والآنية التي أتت في توقيت مناسب، خصوصاً وأن أديس أبابا تعد حليفاً موثوقاً على المستوى الدولي، وبإمكانها الإسهام بصورة كبيرة في التحديات الأمنية التي يواجهها الإقليم عموماً".
وفي الختام أكد في تصريح خاص أن مفهوم السيادة لم يعد مفهوماً عصياً على التفكيك، بخاصة في ظل الحروب التي تقودها القوى الكبرى تجاه دول ذات سيادة وعضوة في الأمم المتحدة، تحقيقاً لمصالح معينة.
