Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

استعادة الياباني إيمامورا وأفلامه التي بهرت الجماهير

 جاء من أقاصي الشرق وفرنسا شرعت له ابواب العالمية

من فيلم "أنشودة نارياما" الفائز بجائزة كان 1983 (ملف الفيلم)

ملخص

قبل نحو شهر من انطلاق مهرجان كان السينمائي، تحتفي باريس، المدينة التي لا تهدأ فيها تظاهرات الفن السابع، بمئوية المخرج الياباني شوهيه إيمامورا (1926 – 2006)، أحد أبرز وجوه "الموجة اليابانية الجديدة" التي انبثقت في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وهو كان حاز سعفتين عن فيلميه "أنشودة ناراياما" و"الأنقليس".

في هذه المناسبة، ثلاثة من أهم أفلامه تشق طريقها إلى الصالات، أنجزها بين عامي 1979 و1989، بنسخ مرممة في عدد من صالات العاصمة، ضمن احتفاء لا يكتفي بالعرض، بل يحيط الأعمال بسياق نقدي وثقافي، إذ يقدمها أحياناً متخصصون في سينماه، أو ممثلو المركز الثقافي الياباني في باريس، في أجواء مليئة بالتفاصيل، حتى إن بعض العروض يرفق بطقوس الشاي الياباني، في لفتة تستعيد روح الثقافة التي انبثقت منها تلك الأفلام.

من بين هذه الأعمال، يعرض "الانتقام من حقي" في سينما "ماكس ليندر بانوراما"، حيث يقدمه البروفيسور في علم الجريمة آلان باوير، نظراً إلى ارتكازه على سيرة المجرم أكيرا نيشيغوتشي. يروي الفيلم حكاية قاتل محتال، بلا وازع أخلاقي، صاغته قسوة المجتمع ليغدو مجرماً مراوغاً، يواصل خداع الآخرين والإفلات من قبضة العدالة زمناً طويلاً، في تشريح بارد لآليات العنف الكامن في البنية الاجتماعية. أما "أنشودة ناراياما"، التحفة التي نال عنها "سعفته" الأولى، فتنقلنا إلى جبال شينشو، حيث تعيش امرأة تبلغ الـ70، وهو العمر الذي تملي فيه التقاليد عليها الصعود إلى جبل ناراياما لملاقاة مصيرها المحتوم. هناك، تتقاطع القسوة بالكرامة والأسطورة بالواقع، في تأمل بالغ الشاعرية في معنى الموت والواجب. وفي "مطر أسود" يعود إيمامورا إلى هيروشيما يوم السادس من أغسطس (آب) 1945 في هيروشيما، حيث ينقلب يوم عادي إلى كارثة مروعة مع وميض الانفجار الذري. يعم الدمار، وتتحول المدينة إلى جحيم، لكن المأساة الحقيقية تمتد إلى ما بعد اللحظة الأولى، إذ سيواصل الناجون معاناتهم مع آثار الإشعاع، ويواجهون نبذاً اجتماعياً قاسياً. الفيلم تصوير بالغ الرهافة لمعاناة طويلة وصامتة.

صحيح أن إيمامورا جاء من أقاصي الشرق لكنه صنع جزءاً وازناً من مجده في فرنسا. في كنف مهرجان كان السينمائي بدا كأنه الابن المدلل، وصنيعة مهرجان شرع له أبواب العالمية، حتى غدا أحد أبرز سفراء السينما اليابانية على غرار كوروساوا وميزوغوتشي، محبوباً في الخارج أكثر مما في الداخل.

سينما الرغبة

الرغبة، ثم الرغبة، ثم الرغبة: تلك هي النواة الصلبة التي دارت حولها سينما إيمامورا. ومع ذلك يصعب اختزال تجربته في تيمة واحدة، نظراً إلى تشعب اهتماماته وغنى مقارباته. غير أن ما يمكن تلمسه بوضوح، هو حضور الغريزة الإنسانية، بوجهها الحيواني، التي ما تلبث أن تطل من تحت قشرة التحضر الرقيقة، فالإنسان، في نظره، ليس كائناً متحضراً على امتداد الخط، بل كائن تحركه غرائزه وتوجه سلوكياته، مهما ادعى الانضباط. وعلى خلاف عدد من السينمائيين اليابانيين الذين انشغلوا بتصوير التناغم الاجتماعي والانضباط الجماعي، اختار إيمامورا أن ينفذ إلى الطبقات السفلى، حيث تتعرى الحقيقة من أقنعتها.

كانت الرغبة مدخله الأصدق إلى العالم، ومفتاحاً لفهم فرادته الفنية والإنسانية. وعلى خلاف كثير من الإنتاجات الآتية من بلدان آسيا، بما تحمله أحياناً من عنف فج، اتسمت سينماه بلغة خاصة تترجح بين السخرية اللاذعة والواقعية الصادمة. من فيلم إلى آخر، انشغل بسبر الروابط الخفية التي تنتظم طبقات المجتمع الياباني، بعين المعلم وخبرة الحكيم، غير آبه بالمحرمات. وإذا كان حس الدعابة يخفف أحياناً من وطأة مواضيعه، فإنه لم يتردد في الكشف عن بعد سينمائي كثيراً ما وجد في الحلم منفذاً، وفي المتخيل ملاذاً للهرب من قسوة الواقع.

في مقاربته للمرأة، بدا إيمامورا أقرب إلى روح نسوية رفيعة، رافضاً اختزالها في دور الأم أو العشيقة، رآها كائناً مكتفياً بذاته، مصدراً للبهجة والقوة معاً. وإلى جانب ناغيسا أوشيما، صاحب "إمبراطورية الحواس"، أسس لسينما يابانية تتنشق من هواء الحداثة، وتسعى إلى الإفلات من قبضة الأنماط التقليدية التي كبلت الجيل السابق. 

منذ نعومة أظفاره لم يكن إيمامورا سهل الانقياد، ولا سريع الاقتناع، خصوصاً أنه نشأ في كنف عائلة بورجوازية من الأطباء، وفي بيئة يابانية كانت آثار الحرب لا تزال حية في ذاكرتها. ومن شدة نفوره من العسكرة اختار الفتى الالتحاق بمعهد للمهن، في موقف مبكر يعكس حساسيته إزاء السلطة والانضباط القسري. ظل عصياً على الانجرار خلف الشعارات الوطنية الجوفاء أو الشوفينية العمياء، حتى في أكثر اللحظات حرجاً من تاريخ بلاده. ولعل موقفه عند سماعه خطاب هيروهيتو، معلناً هزيمة اليابان خلال الحرب العالمية الثانية، يلخص هذه الروح المتمردة، إذ لم يخف ابتهاجه، قائلاً بدهشة صادقة: "يا للهول، أخيراً أصبحنا أحراراً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كان لمخرج اليابان الكبير ياسوجيرو أوزو (1903 - 1963) دوراً محورياً في صقل موهبة إيمامورا وإعداده للعبور إلى ما وراء الكاميرا، إذ استعان به مساعداً منذ مطلع الخمسينيات، ولا سيما في رائعته "رحلة إلى طوكيو" (1953). لم يكتف إيمامورا بتلقي التقنيات، بل نهل من أستاذه حساً نقدياً مرهفاً في مقاربة البيئة اليابانية وتفكيك بنياتها. غير أنه، في الوقت ذاته، لم يستسغ نزعة أوزو المحافظة أو صرامة نظام الاستوديوهات، فاختار أن يشق لنفسه درباً مغايراً. ومنذ تجربته الإخراجية الأولى مع "الشهوة المسروقة" عام 1958، انفرطت سبحة مسيرته على نحو متسارع: أفلام توالت، شركة إنتاج أُسست، ومدرسة سينمائية أطلقت، قبل أن يتوج ذلك كله بعد أعوام باعتراف نقدي وتكريس مهرجاني، بلغ ذروته في مهرجان كان السينمائي. 

بعقلية مستقلة وجرأة نادرة، بدا إيمامورا لاذعاً في نقده لما يرى من حوله، وقد استوقفه، وأرق مخيلته، ذلك التيه الذي يعيشه المجتمع الياباني بين الحداثة من جهة، والأعراف والتقاليد من جهة أخرى فحوله إلى هاجس دائم استبد بعقله حتى الرمق الأخير. كانت سينماه تتنفس الجسد، وتفوح من أفلامه رائحة الرغبة، بما تحمله من التباس ومحظور. ولم يعرف حدوداً لتعاطفه مع المهمشين والمقصيين: فلاحين، صيادين، باعة متجولين، أو نساءً على هامش المجتمع، لكنه، على خلاف كثيرين، لم يسقط عليهم نظرة استعلائية تحت حجة كشف مأساتهم، بل صان كرامتهم، فاضحاً كل مقاربة تهين إنسانيتهم.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما