Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مارتن سكورسيزي يطلق صفارة الإنذار: السينما في خطر

مخرج "سائق التاكسي" بلغ الثمانين وهمه الدائم الحفاظ على الأفلام العالمية المنسية

المخرج مارتن سكورسيزي يعلن خوفه على السينما (غيتي)

قلما عرفت الشاشة مخرجاً عاشقاً للسينما كما هي حال الأميركي مارتن سكورسيزي. فمجرد الاستماع إليه وهو يتحدث عن الأفلام التي ألهمته شيء يشبه رؤية بيكاسو يرسم، أو همنغواي يكتب، أو ماريا كالاس تغني. لم يكتفِ صاحب "سائق تاكسي" بالخلق والابتكار عبر تقديم مجموعة أعمال لا تزال بقوة في ذاكرتنا، بل كان دائماً في الصف الأمامي للدفاع عن الفن السابع، الذي لطالما اعتبره تراثاً بشرياً يجب المحافظة عليه مهما كلف الثمن. بالطبع، الأفلام التي قدمها تتولى رواية هذا العشق للسينما، ولم يكن في حاجة لأكثر من ذلك، إلا أن "مارتي" (كما يسميه المقربون منه)، وددتُ التعبير عنه بالكلام المباشر في عدد من اللقاءات والندوات التي تسنى لي حضور البعض منها ببهجة تفوق الوصف. يجب ألا ننسى أيضاً، وخصوصاً، أفلامه الوثائقية ذات الطابع الشخصي، منها "رحلتي إلى إيطاليا" (1999)، حيث شرح طولاً وعرضاً علاقته العضوية بالسينما الإيطالية التي صاغت ذائقته ووعيه السياسي، ونحتت ما أصبح عليه لاحقاً، سواء كإنسان أو فنان. وليس مصادفة أيضاً أنه أسس في عام 2007 مؤسسة "مشروع السينما العالمية" التي تهتم بالمحافظة على الأفلام المنسية وترميمها.

هذه مقدمة لا بد منها للحديث عما يشغل بال سكورسيزي وهو على مشارف الثمانين. سكورسيزي الذي كان قبل فترة قد أحدث جدلاً عندما صرح بأن أفلام "مارفيل" ليست سينما، بل شيء أشبه بمدن الملاهي. فقبل أيام معدودة، أطلق السينمائي الكبير صفارة الإنذار محذراً من المخاطر التي تواجهها السينما، والتي قد تسبب بموتها، أو اندثارها. بعد مرور أكثر من سنة على تفشي وباء كورونا الذي نتج عنه إغلاق صالات السينما في جميع بقاع الأرض خوفاً من انتشاره (الثقافة دائماً أولى الضحايا)، كان لا بد لشخص من طينة سكورسيزي أن يتفوه بمثل هذا الكلام لنعي ما نخسره وأي خطر نواجهه إذا ما استمرت الحال على ما هي عليه، خصوصاً في إنكار تراجع دور القاعات السينمائية (المكان الحقيقي للمشاهدة) أمام صعود دور منصات العرض التدفقي، مع العلم بأن سكورسيزي نفسه استفاد من هذه المنصات، إذ أنتج فيلمه الأخير "الإيرلندي"، بأموال "نتفليكس" التي تعتبر أشهر منصة بث تدفقي في العالم. فهذه المنصات التي أضحت شراً لا بد منه خلال الحجر الصحي، لا تقتل صالات السينما فحسب، بل تشوه أيضاً رؤيتنا لماهية الفن لأنها تستند إلى حسابات تخضع لخطط تسويقية.

الخوف على السينما

هذه الخشية النابعة من القلب على مستقبل السينما، التي باتت واقعاً ملموساً لا مجرد هاجس كما كانت الحال في التسعينيات مع انتشار عبارة "موت السينما"، عبر عنها سكورسيزي كصرخة في مقال طويل نشر في مجلة "هاربرز" (ثاني أقدم مجلة أميركية لم تتوقف عن الصدور منذ تأسيسها في عام 1850)، وخلق نقاشاً في الأوساط المعنية بالسينما، علماً بأن العالم العربي لا يزال بعيداً من أي نقاش، كون الثقافة ليست من أولوياته، سواء كانت صناعةً أو عرضاً أو نقداً.

 

ولكن، ماذا يقول سكورسيزي تحديداً في هذا المقال التاريخي الذي سيسيل الكثير من الحبر في الصحافة على مدى الأيام القادمة؟ بدايةً، يحمل النص عنوان "المايسترو" (المعلم)، ذلك أن الجزء الأكبر منه مخصص لفيديريكو فيلليني (1920 - 1993)، وهو السينمائي الإيطالي الذي يكن له سكورسيزي إخلاصاً كبيراً، كون "ثمانية ونصف" من الأفلام التي صنعته. من خلال الكلام عن فيلليني يلقي سكورسيزي تحية على عصر كان للسينما فيه دور تأسيسي واجتماعي وفني. يبدأ مقاله باستعادة الزمن الجميل، حيث كان فيه مراهقاً يجوب شوارع مسقطه نيويورك، يوم أن كان الفن السابع في أوج تألقه، بينما أضحى اليوم مادة للنوستالجيا والحنين. كل شارع من شوارع نيويورك، وكل زقاق من أزقتها التي لطالما ارتبطت بأفلامه، تذكره بمسرح يعرض أحد هذه الأفلام التي كان لها وقع كبير في تكوين وعيه. فهنا يعرض آخر فيلم لكلود شابرول، وهناك جون كاسافيتيس، وعلى مقربة منهما أفلام لجان لوك غودار، وآلان رينيه، وأندريه فايدا، وروبير بروسون، ومايكل أنجلو أنطونيوني. كل هذا في عالم شديد التنوع، وبعيد عن سيادة النوع الواحد والفكر الواحد والذوق الواحد. بين كل هذه العروض والاقتراحات البصرية التي يأتي معظمها من القارة العجوز، يميز سكورسيزي فيلليني الذي شكلت فيلمه "ثمانية ونصف" صدمة كبيرة له لم يشف منها إلى اليوم، وهذا ما يشي به مقاله.

يتذكر قائلاً: "في قلب هذا كله، كان هناك مخرج واحد يعرفه الجميع، فنان واحد اسمه مرادف للسينما، وما يمكن لهذه السينما أن تفعله. لقد كان اسماً يحضر على الفور أسلوباً معيناً، وسلوكاً معيناً من العالم. في الواقع، أصبح هذا الاسم صفة. لنفترض أنك أردت أن تصف الجو السوريالي في حفل عشاء، أو حفل زفاف، أو جنازة، أو مؤتمر سياسي، أو جنون الكوكب بأسره، فكل ما عليك فعله هو قول صفة "فيلليني"، وسيعرف الناس بالضبط ما تعنيه". 

المحتوى والشكل

يشتكي سكورسيزي من أنه في أيامنا هذه يسود منطق التقليل من قيمة فن السينما بشكل منهجي. يقول إن السينما تهشمت، وتحطمت، بل تقلصت إلى قاسمها المشترك الأدنى، والمقصود به "المحتوى". ويكتب موضحاً "في الآونة الأخيرة، أي منذ خمسة عشر عاماً، لم نكن نسمع عن مصطلح "محتوى" إلا عندما كان الناس يناقشون السينما على مستوى جاد، وفي معرض مقارنته بـ"الشكل" وقياسه به، لكن وبشكل تدريجي، راح يستخدمه أكثر فأكثر الأشخاص الذين استولوا على شركات الإنتاج، ومعظمهم لا يعرفون شيئاً عن تاريخ الفن وأشكاله المتعددة، أو حتى لا يهتمون بما يكفي به للاعتقاد أنه ينبغي عليهم ذلك. أصبح "المحتوى" مصطلحاً تجارياً لكل صورة تتحرك: أفلام ديفيد لين، فيديو لقط، إعلان "سوبر بول"، تتمة لفيلم "سوبرهيرو"، حلقة مسلسل. لم يكن هذا مرتبطاً، بالطبع، بتجربة مشاهدة الفيلم في الصالة، بل بالمشاهدة المنزلية، على منصات البث التدفقي التي استولت على التجربة السينيفيلية العريقة، تماماً كما وضع موقع "أمازون" يده على المتاجر الحقيقية. من ناحية، كان هذا مفيداً لصانعي الأفلام، بمن فيهم أنا. من ناحية أخرى، فقد أوجد موقفاً يتم فيه تقديم كل شيء إلى المشاهد في ساحة لعب متكافئة، وهذا أمر يبدو ديمقراطياً، ولكنه ليس كذلك. فالخوارزميات اليوم تقترح عليك أن تشاهد أفلاماً بناءً على ما سبق أن شاهدته، والاقتراح هذا لا يستند سوى إلى الموضوع أو النوع، فماذا يفعل ذلك لفن السينما؟". (زولليني على فيسبوك)

 

في رأي سكورسيزي فإن مصطلح Curator (اختيار أو تقديم عمل فني على غرار ما يقوم به المهرجانات أو بعض المتاحف في الغرب)، ليس مصطلحاً غير ديمقراطي أو "نخبوي"، وهو مصطلح أصبح بلا معنى من فرط استخدامه. أن تشارك الآخرين ما تحبه، فهذا فعل ينم عن كرم. وأفضل منصات البث، من قناة "كرايتيريون" إلى "موبي"، مروراً بـTCM تعتمد على الاختيار والتقديم. أما الخوارزميات، فتستند إلى حسابات تعامل المشاهد كمستهلك، ولا شيء آخر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي معرض مقارنته الحاضر بالماضي، يأتي سكورسيزي على ذكر الموزع والناقد أموس فوغيل (وهو أيضاً صاحب الكتاب الشهير "السينما الانقلابية")، معتبراً خياراته للأفلام في الستينيات وعمله التعريفي المديد لا فعل سخاء فحسب، بل بادرة تنطوي على الكثير من الشجاعة. أما دان تالبوت، الذي كان مبرمجاً، فيروي أنه أسس شركة "أفلام نيويوركر" فحسب من أجل توزيع فيلم أحبه، وهو "قبل الثورة" لبرتوللوتشي. الأفلام التي وصلت إلى المشاهدين بفضل جهود هؤلاء صنعت لحظة مجيدة في تاريخ أميركا. في نظر سكورسيزي أن الظروف التي صنعت هذه اللحظة ولت إلى غير رجعة. يقول: "لهذا السبب أعود إلى تلك السنوات كثيراً. أشعر أنني محظوظ لأنني كنت شاباً وحياً ومنفتحاً على كل ما كان يحدث (من حولي). لطالما كانت السينما أكثر من مجرد محتوى، وستظل كذلك دائماً، والدليل على ذلك هو الأفلام التي كانت تخرج في الصالات أسبوعياً في تلك الفترة. أفلام من جميع أنحاء العالم، يحاور بعضها البعض الآخر، وتعيد تعريف الفن. من حيث الجوهر، كان هؤلاء الفنانون يتصارعون دائماً مع سؤال "ما هي السينما؟"، ثم يتركون الرد لفيلمهم القادم. لم يكن أحد يعمل في الفراغ، ويبدو أن كلاً منهم كان يغذي الآخر. أمثال غودار، وبرتوللوتشي، وأنطونيوني، وبرغمان، وأيمامورا، وراي، وكاسافيتيس، وكوبريك، وفاردا، ووارهول، كانوا يعيدون خلق السينما مع كل حركة كاميرا جديدة، في حين كان السينمائيون المكرسون من أمثال ولز، وبروسون، وهيوستن، وفيسكونتي، يستعيدون النشاط بسبب الطفرة التي من حولهم".

يؤكد سكورسيزي ببعض الحزن الذي يغلف قلمه، أن كل شيء تغير، السينما، وكذلك أهميتها، ودورها الطليعي في ثقافتنا. لا ينسى التذكير بأن الأعمال الكلاسيكية من فيلليني إلى مورناو، تراث جمالي يجب عدم التفريط به، بل "من الواجب أن نوضح للمالكين القانونيين الحاليين لهذه الأفلام أنها ترقى إلى أكثر بكثير من مجرد ممتلكات يمكن استغلالها، ثم حبسها "هذه الأفلام من أعظم كنوز ثقافتنا، ويجب التعامل معها وفقاً لذلك"، يكتب سكورسيزي قبل أن يختم: "يتعين علينا تحسين مفاهيمنا للفصل بين ما ينتمي إلى السينما، وما ليست سينما. فيديريكو فيلليني نقطة انطلاق جيدة. يمكنك أن تقول الكثير عن أفلامه، ولكن إليك شيء واحد لا جدال فيه: أفلامه سينما. قطعت سينماه شوطاً طويلاً في اتجاه تحديد شكل الفن".

المزيد من سينما