ملخص
في عصر الإنترنت، حول ملايين من الناس الفضاء الرقمي إلى ما يشبه ساحة ضخمة يتبادلون فيها مع أشخاص آخرين، يعرفونهم أو لا يعرفونهم، آراءهم وانطباعاتهم، مدونين بصورة دائمة تعليقاتهم التي تتناول كل تجربة مروا بها.
لعل هذه الظاهرة التي قد تبدو لبعضهم عادية أو تافهة في ظاهرها، تخفي في الواقع تغيراً عميقاً في علاقتنا بالكلام واللغة والكتابة والفضاء العام، فالتعليق لم يعد مجرد رد سريع يكتبه المستخدم على مختلف المواقع الإلكترونية، بل أصبح ممارسة اجتماعية واسعة الانتشار، تعبر عن رغبة الأفراد في المشاركة وإبداء الرأي وترك أثر شخصي في العالم الرقمي.
من هنا تنطلق الكاتبة الفرنسية مارا غويه في كتاب بعنوان "حضارة التعليقات، ملامح الحياة في الحواشي" الصادر حديثاً في باريس عن منشورات غاليمار (2026)، محاولة تحليل هذه الظاهرة التي باتت تشكل جزءاً أساسياً من حياتنا. فيه تتناول هذا الفيض الهائل من الآراء والملاحظات والتعليقات التي يكتبها يومياً المستخدمون على صفحات التواصل الاجتماعية والمواقع الإلكترونية المختلفة، التي تحولت بنظرها إلى ظاهرة ثقافية واجتماعية تكشف عن كثير عن طبيعة العصر الرقمي والإنسان الحديث.
يبدأ الكتاب من ملاحظة بسيطة قوامها أنه يكاد لا يوجد شيء اليوم في العالم لم يعلق عليه. من المطاعم، والكتب، والألبسة، ومستحضرات التجميل، والقطارات، والطائرات، والأجهزة المنزلية، والخطب السياسية والأحداث اليومية والسلوكيات الاجتماعية، بل وحتى الأماكن العامة مثل محطات القطار أو بوابات الطرق السريعة، كلها أصبحت موضوعاً لآلاف التعليقات والآراء التي يكتبها أشخاص مجهولون. يكفي أن نبحث عن أي مكان أو عن أية سلعة على الشبكة العنكبوتية لنجد سيلاً من الملاحظات التي تتراوح بين الإعجاب الشديد والسخط العنيف. لذا تطرح الكاتبة سؤالاً مركزياً: ماذا يعني أن يعيش الناس في عالم أصبح فيه كل شيء قابلاً للتقييم والتعليق من الكل؟
صورة جديدة للتعبير
ترى مارا غويه أن التعليق، وهو هذا النص القصير أو الطويل الذي يكتبه المستخدم رداً على محتوى ما، سواء كان مقالاً أم تسجيلاً أم منتجاً أم مكاناً، لم يعد مجرد وظيفة تقنية في المواقع الإلكترونية بقدر ما أصبح صورة جديدة من أشكال التعبير الجماعي. قد يكون هذا التعليق جملة مقتضبة أم شهادة شخصية أم حتى تعبيراً عنيفاً عن المشاعر والعواطف. غير أن هذه النصوص المتناثرة، هنا وثمة، على اختلاف أساليبها ومستوياتها اللغوية، تشكل ما يشبه أرشيفاً هائلاً للحياة اليومية المعاصرة.
لذلك، ومن أجل فهم هذه الظاهرة، اختارت الكاتبة منهجاً قائماً على "الانغماس". فقد أمضت أشهراً تقرأ آلاف التعليقات المدونة على المواقع الإلكترونية المختلفة، متوقفة أمام تقييمات المطاعم والفنادق والسلع وردود فعل القراء وتعليقاتهم على الكتب والمقالات الصحافية والأحداث السياسية والأمنية والفنية. ولأن الغوص في هذا العالم الفوضوي هو السبيل الوحيد لاكتشاف ما يميز هذه الظاهرة الاجتماعية من أنماط وأساليب، لاحظت غويه أن هذه التعليقات، التي تبدو في ظاهرها فوضوية، تخفي في الواقع نوعاً من "القواعد غير المعلنة": إنها تتقاسم في ما بينها أسلوباً متشابهاً وعلاقة مرنة بقواعد اللغة والإملاء، فضلاً عن طريقة محددة في التعبير عن الرأي.
من بين أهم الأسئلة التي تثيرها هذه الظاهرة ما يتصل بطابعها الديمقراطي، فالتعليق الرقمي، كما ترى غويه، يفتح للمرة الأولى في التاريخ المجال أمام عدد كبير من الأفراد الذين لم يكن بإمكانهم سابقاً التعبير عن آرائهم، ولم يكن لهم حضور يذكر في الفضاء العام، ليشاركوا ويسمعوا أصواتهم في أمور يلمون بها أو يجهلونها. فقد بات اليوم في مقدور أي شخص أن يعبر كتابة عن رأيه في كل ما يحيط به تقريباً، ولو اقتصر ذلك على جملة موجزة أو تقييم بسيط. من هذا المنطلق، تبدو التعليقات شكلاً من أشكال ديمقراطية التعبير. لكن هذا الأفق الديمقراطي لا يخلو من مفارقات. فمعظم التعليقات تكتب في فضاءات تملكها شركات أو منصات رقمية، ويمكن حذفها أو تعديلها في أية لحظة. لذلك تشير الكاتبة إلى نوع من عدم التوازن في هذه العلاقة، يتحول من خلالها المعلقون، من دون معرفة منهم، إلى ما يشبه "عمال غير مرئيين"، يسهمون في إنتاج محتوى وجذب الانتباه من دون الحصول على أي مقابل.
الجانب المظلم
إلى جانب هذا البعد الذي يمكن وصفه بـ"السياسي"، يتناول الكتاب أيضاً الجانب المظلم من هذا العالم الافتراضي، الذي تتحول بعض فضاءاته ومنصاته ومواقعه الإلكترونية إلى مكان للعنف اللفظي والشتائم وخطاب الكراهية.
تشير غويه على نحو خاص إلى أن النساء يتحملن قسطاً كبيراً من هذا العنف، إذ تستعمل هذه التعليقات في كثير من الأحيان كأداة لإسكات أصواتهن أو للحط من قيمتهن، وترى الكاتبة أن هذه العدوانية تعبر أحياناً عن إحساس بالتهديد لدى بعض المستخدمين إزاء اتساع دائرة الأفراد الذين باتوا يملكون حق التعبير.
مع ذلك، يرفض الكتاب اختزال عالم التعليقات في هذه الجوانب السلبية. فبين آلاف الرسائل الغاضبة أو الساخرة أو العنيفة، ثمة أحياناً لحظات من التضامن والطرافة والعاطفة الصادقة. يكفي أن نتوقف أمام تدوينة شخص يعلق مطولاً عن تجربته لجهاز منزلي بسيط، أو رواية شخص آخر لذكرى حميمة مرتبطة بأغنية معينة، أو تعبير أحدهم الصادق عن امتنانه لمعلومة وجدها على صفحات الإنترنت. ففي هذه التفاصيل الصغيرة ترى الكاتبة صورة من أشكال "الشعر اليومي" الذي يكشف عن حساسية البشر تجاه حياتهم العادية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لذلك تقترح غويه قراءة جمالية لكل هذه التعليقات التي ترى فيها نوعاً من "الأدب الجماعي" يكتبه عدد لا يحصى من المؤلفين غير المعروفين. ومع أنها تقر بأن هذه النصوص بعيدة كل البعد من الأدب بمعناه الرفيع، فإنها ترى أن هذه التعليقات الهامشية، حين تؤخذ مجتمعة، تكون، عن عالمنا المعاصر، ما يشبه "سردية" جماعية هائلة، لا مؤلف واحد لها، تعرض تفاصيل الحياة اليومية من زوايا متعددة ومختلفة.
كذلك تلفت الباحثة الانتباه إلى أن هذه التعليقات يمكن فهمها كمحاولة يقوم بها الإنسان لاستعادة صلته بالعالم. ففي زمن يشعر فيه كثيرون أنهم باتوا عاجزين عن التأثير في مجرى الأحداث الكبرى، يغدو التعليق الوسيلة الوحيدة المتاحة لهم للتعبير عن وجودهم وترك أثر، ولو كان بسيطاً، في الفضاء الرقمي. فحين يقيم شخص ما مطعماً أو يروي تجربته مع منتج عادي، أو يعلق على الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية، فإنه لا يكتب عن ذلك الشيء او ذلك الحدث فحسب، بل يؤكد أيضاً حضوره داخل عالم واسع يتسم بالسرعة والتغير الدائم.
خلاصة القول إن كتاب "حضارة التعليقات، ملامح الحياة في الحواشي" يرسم صورة مركبة لظاهرة التعليقات في الفضاء الرقمي، فالكاتبة لا تتعامل مع هذه الظاهرة بمنطق الإدانة الشاملة ولا بمنطق الاحتفاء المطلق، بل تسعى إلى قراءتها سوسيولوجياً بوصفها إحدى السمات المميزة لعصر الإنترنت. فهذه التعليقات، التي تجمع بين المتناقضات، من السطحية إلى العمق، ومن العدوانية إلى الود، ومن العبث إلى الرغبة الصادقة في التواصل، تكشف عن ملامح مجتمع جديد أصبحت فيه الكتابة اليومية ممارسة جماعية واسعة الانتشار، لكن هذا الضجيج الرقمي يخفي في طياته صورة دقيقة لعالم يتكلم فيه الجميع، ويحاول كل فرد من أفراده ترك أثر من خلال إضافة جمله الصغيرة إلى السردية الكبرى للحياة المعاصرة.