ملخص
يشكل كتاب "الفكر الجاهز، الذكاء الاصطناعي، آخر مسمار في نعش التربية الوطنية" لأوليڤييه لوزيتي الصادر حديثاً في باريس عن منشورات إريك بونييه (2025، 268 صفحة) حدثاً فكرياً يتجاوز نطاق النقاش التقني الدائر حول الذكاء الاصطناعي التوليدي واستخداماته المدرسية.
لا يدخل الكاتب في سجال عابر حول أدوات تكنولوجية جديدة أو أخطار ظرفية تهدد التعليم، بقدر ما يفتح ورشة تفكير عميقة تشبه "الصدع الحضاري" الذي أصاب المدرسة الحديثة في فرنسا، التي باتت المعرفة فيها مهددة من الداخل، لا بفعل الآلة فحسب، بل بسبب تخلي المؤسسة التربوية عن رسالتها التعليمية والتنويرية. وما تشهده المدرسة الفرنسية اليوم يمتد أثره إلى معظم الأنظمة التعليمية في العالم، بما فيها المدارس العربية التي باتت، في كثير من الأحيان، تستنسخ تحولات الغرب وتعيد إنتاج أزماته نفسها من دون أي فحص أو نقد.
ينطلق لوزيتي من مسلمة تؤكد أن المدرسة اليوم لم تعُد تُعِد العقول بقدر ما تكيفها، فقد تخلت، تحت شعار التقدم والانفتاح على التكنولوجيا ومواكبة تطورها، عن اللغة بوصفها أداة بناء الذات، وعن المنهجية الصارمة والوقت الطويل الضروري لتشكل الفكر، لمصلحة ثقافة سريعة وجاهزة. وبدلاً من أن تكون فضاءً للارتقاء بالعقل أصبحت "تستجيب" لمتطلبات اللحظة وتتماهى مع ثقافة الترفيه الفورية، ومع سرعة المنصات وآليات الخوارزميات والوسائط الإلكترونية. وفي خضم هذا التحول يأتي الذكاء الاصطناعي لا بوصفه عدواً، بل بوصفه كاشفاً للخلل العميق الذي أصاب المدرسة، ومسرعاً لتفكك بدأ قبل زمن طويل.
على خلاف كثير من الكتب التي تتناول الذكاء الاصطناعي من زاوية تقنية أو سياسية عامة، يقدم لوزيتي وهو ناشر وتربوي وفاعل ثقافي معترف بخبرته في مجال الأدب ونقل مهارات الكتابة، مقاربة فريدة، تربط بين علوم الأعصاب والمقاربات الأنثروبولوجية ونظريات السلوك والأدوات البيداغوجية، فالمسألة عنده ليست في "مدى قدرة" الآلة، بل في "مدى تأثر" الدماغ البشري بها، خصوصاً دماغ المراهق الذي لا يزال في مرحلة النمو والتشكل. يتحدث المؤلف عما يسميه مجازاً "الألزهايمر الحضاري"، أي التراجع التدريجي وغير القابل للاسترداد في "الاحتياط المعرفي"، وفي كثافة الروابط العصبية التي تشكل أساس الذاكرة والتفكير النقدي، لأنه كلما تم بحسبه تفويض مهام التفكير إلى الخوارزميات، تراجعت قدرات الإنسان الذهنية، وأصبح العقل أقل قدرة على المبادرة والإبداع والتقييم المستقل. من هنا لا يبادل الكاتب الذكاء الاصطناعي بالعداء من جهة المبدأ، بل يحذر من استعماله السطحي داخل المؤسسات التربوية التي "جرحت" أصلاً بفعل سياسات التخفيف والتبسيط والإلغاء التدريجي لما يجعل المدرسة مدرسة، عنيت الجهد والتعب والتعمق والوقت والانفتاح. فليس الذكاء الاصطناعي هو المشكلة الجوهرية التي تكمن بحسب المؤلف في استعداد المدرسة نفسها للتخلي عن المهمة التربوية والثقافية التي أنيطت بها تاريخياً.
سلعة جاهزة
إن الفكرة القائلة بأن دور المدرسة هو "التكيف" مع التقنيات، لا تعليم الإنسان كيف يستخدمها من دون أن يفقد تفكيره الحر، هي بداية الانهيار، ذلك أن المعرفة تصبح في هذا السياق سلعة جاهزة، نصاً آلياً يحل محل جهد التأليف، ومحتوى سريعاً يستهلك ولا يبنى.
متكئاً على الإحصاءات يؤكد الكاتب أن 25 في المئة من التلامذة في فرنسا يلجأون إلى الذكاء الاصطناعي في كتابة فروضهم المدرسية، مما يعني انتقالهم من "التأليف" و"الكتابة" إلى "الطلب"، ومن "التفكير" إلى "الإملاء والنسخ"، وهنا يبرز في رأيه جوهر التحول: لم يعد التلميذ يختبر اللغة، أو يفكر عبرها، بل أصبح يستهلك نصوصاً صاغتها آلة لا تتعلق بتجربته ولا تحفز خياله ولا تنمي ذاكرته أو مهاراته التحليلية والتركيبية.
في مقابل "الرأس الممتلئ" بالمعلومات الذي يجسده الذكاء الاصطناعي الموسوعي الذي لا يكل ولا يتعب، يدافع أوليڤييه لوزيتي عن ضرورة أن تعمل المدرسة على تكوين "رأس حسن الصنع"، قادر على الربط وعلى التفكير النقدي والإبداع والمقاومة أكثر من مجرد "رأس مراكم للمعلومات"، علماً أن هناك فرقاً شاسعاً بين تراكم المعلومات والمعرفة، فالمدرسة لا تحمي المتعلم عبر تزويده بالمعلومات، بل عبر تدريبه على استنباطها والتعامل معها وعلى بنائها ومساءلتها.
على هذا المستوى من التحليل يطرح لوزيتي سؤالاً جوهرياً: هل نقبل بأن يصبح العقل الإنساني مجرد مستهلك محتوى؟ أم يجب علينا أن نعيد إلى التربية وظيفتها الأولى الساعية إلى بناء كائن قادر على أن يفكر بنفسه؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في هذا السياق، يقترح الكاتب منهجية تطبيقية قوامها "الخلق والتعلم والعلاج"، تقوم هذه المنهجية على رؤية تربوية ثلاثية الأبعاد غرضها جعل الكتابة الإبداعية أداة نمو نفسي وثقافي في آن معاً، لأنها تحرر المخيلة وتمنح التلميذ مساحة للتجربة وتدمج الأدب والتحليل وفنون السرد في مسار تكويني يعيد للغة دورها التربوي، فضلاً عن توظيف أدوات مستوحاة من العلاجات السلوكية المعرفية لمساعدة المراهق على تنظيم عواطفه واستعادة الثقة بقدراته على التعبير والإبداع، فالكتابة ليست فقط تمريناً مدرسياً، بل فعل بناء للذات، وعمل مقاومة في وجه التفاهة والإيقاع السريع.
ويرى الكاتب أن هذه الطريقة ليست رداً تقنياً على الذكاء الاصطناعي، بقدر ما هي إعادة تأسيس للمدرسة بوصفها مكاناً للإنسان، لا مكاناً للآلة.
محاورة الذكاء
من الجوانب اللافتة في الكتاب أن لوزيتي لا يقاطع الذكاء الاصطناعي، بل يساجله، فهو لا يستخدمه بوصفه أداة مساعدة، بل بوصفه "محاوراً" تعكس إجاباته تناقضاته. هناك بعد "ماييوتيقي" سقراطي في هذا الحوار الذي يسعى الكاتب من خلاله إلى دفع الآلة إلى أقصى حدودها المعرفية بغية إظهار الفرق بين الذكاء الحسابي والذكاء الإنساني، وبين "إنتاج النص" و"بناء المعنى". من خلال هذا الحوار يدعو لوزيتي قراءه إلى ممارسة الشيء نفسه، أي التفكير عبر مواجهة الآلة لا عبر تفويضها، لأن الآلة إذا صممت لتشجيع التفكير، فإنها تحسن التعلم، وإذا قدمت الأجوبة مباشرة فإنها تفسده.
يشكل هذا الكتاب دعوة مباشرة للأساتذة والمربين والفاعلين الثقافيين وصناع القرار إلى إعادة الاعتبار للمدرسة، واضعاً بين أيديهم تشخيصاً دقيقاً لأزمة التعليم المعاصرة، وبرنامجاً عملياً لإعادة بناء العلاقة بالمعرفة والتعلم. ليس هو في جوهره بياناً ضد التكنولوجيا، بل هو دفاع عن الثقافة والأدب والتجربة الإنسانية في مواجهة تنميط شكلي جديد وتعميم نموذج ذهني واحد تفرضه الخوارزميات، فيه لا يقدم أوليڤييه لوزيتي رؤية سوادوية متشائمة للتربية الحديثة، بقدر ما يدافع عن إمكان إنقاذ المدرسة وحثها على استعادة دورها وجوهرها الحقيقي، وهي التي تقف اليوم أمام منعطف تاريخي يتطلب خيالاً وشجاعة وطموحاً وتعاوناً عالمياً بغية صياغة مستقبل تعليمي يتمحور حول الإنسان، فالذكاء الاصطناعي التوليدي، مهما بلغت قدراته، ليس بمستطاعه أن يكون بديلاً عن المعلم، ولا عن الجهد، ولا عن علاقة الإنسان باللغة. والرهان الحقيقي هو الدفاع عن "التفكير" الحر في زمن وفرة النصوص، وعن "البناء الذاتي" في زمن الاستهلاك الفوري، وعن "الإنسان" في زمن الخوارزميات.
عسى أن تبلغ هذه الأفكار مدارسنا العربية، التي بات بعضها يتوهم أن استعمال التكنولوجيا هو عنوان التقدم، غافلاً أن التكنولوجيا بلا رؤية تربوية ليست تطوراً، وأن كل منصة رقمية ليست بوابة إلى المستقبل.