Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إعدام إرهابيي تونس... بين عدالة القضاء وإعادة إنتاج التطرف

الأمن الحقيقي يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل العمل الاستخباراتي وتجفيف منابع التمويل ومعالجة الأسباب الفكرية والاجتماعية التي تغذي هذا الفكر

تبرز تونس كواحدة من أكثر الدول استقراراً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (أ ف ب)

ملخص

"هذه الأحكام القضائية قد تستغل أحياناً داخل بعض الدوائر المتطرفة كأداة دعائية، تغذي خطاب المظلومية وتعيد إنتاج التطرف بصورة مختلفة، وهذا يعني أن المعركة ليست أمنية فقط، بل هي أيضاً معركة سرديات وأفكار".

مثّل إصدار القضاء التونسي أحكاماً بالإعدام ضد مجموعة من العناصر الإرهابية خطوة حاسمة نحو إنهاء هذه الظاهرة التي غزت البلاد بعد الانتفاضة، إلا أن هذا الحكم وعلى رغم أهميته في تثبيت الأمن والاستقرار في البلاد، يرى مهتمون بالشأن العام أنه يظلّ هشاً ما لم يترافق مع إجراءات وقرارات أخرى لتجفيف منابع الفكر المتطرف.

ويشار إلى أن هيئة الدائرة الجنائية المعنية بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية في تونس، أصدرت أحكاماً بالإعدام ضد أكثر من 16 عنصراً خطراً تابعاً لما يسمى بكتيبة "أجناد الخلافة" الإرهابية، من أبرزهم الإرهابي أسامة الخزري وبلال البسدوري وبهاء الشعيبي.

وكشفت الأبحاث عن تورط الإرهابيين في صناعة المتفجرات والأحزمة الناسفة وزرع الألغام بمرتفعات المغيلة وسمامة والشعانبي.

وتعود وقائع القضية إلى عام 2020، حين ارتكبت هذه المجموعة سلسلة من العمليات الإرهابية التي استهدفت الوحدات العسكرية عبر نصب كمائن واعتداءات ضد الجيش الوطني في مرتفعات جبال المغيلة وسمامة، وترهيب المدنيين وقتل رعاة في المناطق الجبلية.

رسائل عدة

في هذا السياق، يقول الكاتب الصحافي نزار مقني إن "الأحكام التي أصدرتها الدائرة الجنائية المتخصصة في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية في تونس، والتي تقضي بإعدام أكثر من 16 عنصراً من كتيبة ’أجناد الخلافة‘، يمكن قراءتها كحدث سياسي-أمني بامتياز، يحمل في طياته رسائل عدة تتجاوز قاعة المحكمة إلى عمق المجتمع والدولة معاً". وأوضح في تصريح خاص "في مستوى أول، تبدو هذه الأحكام كرسالة ردع صريحة لا لبس فيها، حيث ترفع الدولة سقف المواجهة إلى أقصاه حين يتعلق الأمر بتهديد وجودي كالإرهاب".

ولفت إلى أن هذا القرار يأتي بعد أعوام من الهزات الأمنية التي خلخلت ثقة المواطن، ليقول إن هناك خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها من دون دفع الثمن كاملاً".

كذلك يرى المحلل السياسي نزار مقني ثانياً أن هذه الأحكام أيضاً "محاولة لاستعادة هيبة الدولة ومؤسساتها، وبخاصة في سياق داخلي طغت عليه أحياناً صورة التردد أو الارتباك في التعاطي مع الملفات الكبرى".

ويستدرك قائلاً "لكن لنكن واقعيين، فهذه الأحكام تشكل خطاباً موجهاً للرأي العام، إذ تحوي بعداً واضحاً من الطمأنة السياسية، وربما حتى من إدارة المزاج العام، حيث تحتاج الدولة إلى إظهار قدرتها على الحسم في ملف شديد الحساسية، داخلياً وخارجياً".

أما بالنسبة إلى تأثيرها في شعور المجتمع بفرض الأمن، يعتقد مقني أن "هذه الأحكام تحدث مفعولاً نفسياً سريعاً. فعلى المدى القصير، يشعر المواطن بنوع من الارتياح، وكأن الدولة استعادت زمام المبادرة، وهناك إحساس بأن العدالة أخذت مجراها، وأن الخطر الذي كان ينظر إليه كتهديد دائم قد جرى احتواؤه، ولو جزئياً. إضافة إلى أن هذه الأحكام تسهم في تفريغ جزء من الغضب الجماعي المتراكم منذ أعوام، وبخاصة لدى فئات عاشت بصورة مباشرة أو غير مباشرة تداعيات الإرهاب".

وجه مزدوج

غير أن هذا الإحساس بالأمان، حسب المحلل السياسي نزار مقني على رغم أهميته، "يظل هشاً إذا لم يدعم بعناصر أخرى أكثر عمقاً. فالأمن الحقيقي لا يبنى بالأحكام القضائية وحدها، أياً كانت صارمة، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل العمل الاستخباراتي وتجفيف منابع التمويل ومعالجة الأسباب الفكرية والاجتماعية التي تغذي التطرف. ومن دون ذلك، تتحول هذه الأحكام إلى ما يشبه واجهة صلبة تخفي وراءها هشاشة محتملة".

وتابع في السياق ذاته، قائلاً إن "هناك جانباً أكثر تعقيداً يجب الانتباه إليه، إذ إن هذه الأحكام القصوى قد تستغل أحياناً داخل بعض الدوائر المتطرفة كأداة دعائية، تغذي خطاب المظلومية وتعيد إنتاج التطرف بصورة مختلفة. وهذا يعني أن المعركة ليست أمنية فقط، بل هي أيضاً معركة سرديات وأفكار".

أما على مستوى الاستقرار، فإن لهذه الأحكام حسب محدثنا نزار مقني "وجهاً مزدوجاً"، مفسراً "هي من جهة، تعزز ثقة شريحة واسعة من المجتمع في الدولة، وتبعث برسائل ردع قوية إلى أي عناصر قد تفكر في الانخراط في مسارات مماثلة، كذلك تضع تونس في موقع أكثر صرامة ضمن محيط إقليمي مضطرب. لكنها، من جهة أخرى، لا يمكن أن تختزل في كونها ضمانة كافية للاستقرار".

وأضاف "الاستقرار الحقيقي لا يصنعه القضاء وحده، بل تبنيه أيضاً عوامل اقتصادية واجتماعية عميقة. ففي بيئة تعاني البطالة والتهميش واختلال التوازن التنموي، يظل التطرف قادراً على إيجاد أرضية جديدة، حتى وإن جرى القضاء على خلايا بعينها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

معركة تتجاوز القضاء

ووجهت المحكمة في تونس إلى المتهمين جملة من التهم وفقاً لقانون مكافحة الإرهاب، بينها "الانضمام عمداً بأي عنوان كان داخل تراب الجمهورية وخارجه، إلى تنظيم وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية واستعمال تراب الجمهورية لانتداب وتدريب أشخاص بقصد ارتكاب إحدى الجرائم الإرهابية داخل تراب البلاد وخارجه، لارتكاب إحدى الجرائم الإرهابية أو التحريض عليها والقيام بأعمال تحضيرية، وغيرها من التهم ذات الصبغة الإرهابية وصنع المتفجرات والأسلحة لغايات تخريبية، وفق ملف القضية والأبحاث".

وعلق المحامي يحيى الصغيري أن "هذه الأحكام بالإعدام تضرب بقوة شبكات الإرهاب في تونس"، وأن الجرائم التي اقترفوها "لا تُنسى، بدءاً من قتل للجيش الوطني بواسطة كمائن غادرة وصولاً إلى استهداف المدنيين الأبرياء في المناطق الجبلية، وهم رعاة قُتلوا بدم بارد في مرتفعات نتيجة انفجار الألغام في جبل المغيلة وجبل سمامة وجبل الشعانبي".

ويضيف الصغيري أن "هذه المجموعة الإرهابية لم تكن مجرّد تنظيم بل آلة عنف وإرهاب".

ويرى أن القانون كان واضحاً و"التهم الموجهة جاءت وفق قانون مكافحة الإرهاب في تونس، وتشمل أخطر الجرائم الإرهابية من انضمام وتنظيم وتحريض وتنفيذ".

إلا أنه استدرك متسائلاً "هل تمثّل هذه الأحكام رادعاً حقيقياً للإرهاب؟ أم أن المعركة تتجاوز القضاء إلى أبعاد أخرى؟".

وسجلت تونس تقدماً ملحوظاً في مجال مكافحة الإرهاب والحفاظ على استقرارها الأمني، إذ، وبحسب تقرير مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026، احتلت تونس المرتبة الـ50 من بين 163 دولة شملها التقييم هذا العام، محققة درجة إجمالية بلغت 1.52 من 10، وهي درجة تمثل تأثيراً منخفضاً جداً للإرهاب، وفق تصنيف المؤشر.

وأكد التقرير أن تونس لم تسجل خلال الفترة الأخيرة أي عمليات إرهابية أو خسائر بشرية. وعلى المستوى الإقليمي تبرز تونس كواحدة من أكثر الدول استقراراً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويلحظ المستوى الأمني في تونس تحسناً خلال الأعوام الأخيرة، مع تراجع التهديدات والهجمات الإرهابية بصورة واضحة مقارنة بفترات سابقة وبخاصة أعوام ما بعد انتفاضة يناير (كانون الثاني) 2011.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير