ملخص
الجبّة، لباس خارجي فضفاض مفصل ومخيّط له فتحة مطرزة مكان الرقبة وفتحتان مكان الذراعين، يغطي كامل الجسم ما عدا الذراعين والساقين، ويصنع من الصوف أو الحرير أو الوبر. وتمثل الجبة القطعة الأساس من اللباس التقليدي الرجالي التونسي، وتشمل الثياب الصيفية والشتوية وجرى تطويرها خلال الأعوام الأخيرة لتصبح نسائية.
تعالت خلال الفترة الأخيرة أصوات كثير من المهتمين بتراث تونس المادي واللامادي من أجل تسجيل "الجبة التونسية" ضمن قائمة التراث العالمي لـ"اليونيسكو"، وجاءت هذه الدعوات قبيل أيام من الأجل السنوي الذي تحدده المنظمة لتقديم الملفات. وتهدف هذه المبادرات إلى وضع حد لما يعتبره بعضهم تشابهاً مع أزياء بلدان مجاورة، فضلاً عن السعي إلى تسجيل كل ما يتعلق بالجبة من صناعات تقليدية وعادات وتقاليد مرتبطة بها.
والجبة، لباس خارجي فضفاض مفصل ومخيّط له فتحة مطرزة مكان الرقبة وفتحتان مكان الذراعين، يغطي كامل الجسم ما عدا الذراعين والساقين، ويصنع من الصوف أو الحرير أو الوبر. وتمثل الجبة القطعة الأساس من اللباس التقليدي الرجالي التونسي، وتشمل الثياب الصيفية والشتوية وجرى تطويرها خلال الأعوام الأخيرة لتصبح نسائية.
صون التراث
في هذا السياق، تقول أستاذة التراث عواطف منصوري ضمن تصريح خاص "لدينا مؤسسات وطنية معنية ومسؤولة عن صون التراث التونسي المادي واللامادي. وبخصوص الجبة التونسية، فهي مدرجة رسمياً ضمن عناصر اللباس التقليدي التونسي المعترف به وطنياً، وتعرض وتوثق في المعهد الوطني للتراث كجزء من الموروث الحضاري التونسي"، مضيفة "كذلك هي حاضرة في سجلات الحِرف التقليدية لدى الديوان الوطني للصناعات التقليدية باعتبارها لباساً تقليدياً تونسياً له خصوصيات في القصة والنسيج والتطريز، تختلف عن نظائره في بلدان المغرب العربي".
وتاريخياً، ارتبطت الجبة بمدينة تونس ومدينة القيروان منذ العهد الحفصي ثم العهد العثماني، وكانت لباس علماء جامع الزيتونة ورجالات الدولة، وتطورت عبر القرون داخل البيئة الاجتماعية التونسية، سواء في الأعراس أو المناسبات الرسمية. وتتميز الجبة التونسية بخامات معينة كالصوف الرفيع والحرير، وبألوان وقصات محددة، على غرار الجبة الشتوية والجبة الصيفية، مع ارتداء "الفرملة" تحتها. وهي بذلك منظومة لباس متكاملة خاصة بالمجتمع التونسي، لا تزال حاضرة إلى اليوم عند الرجال أساساً وجرى تطويرها لتلبسها المرأة أيضاً في مختلف المناسبات العامة والخاصة.
وتواصل المنصوري "في ما يخص تسجيل العناصر التراثية، فإن الجهة المخولة دولياً هي ’اليونيسكو‘ ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي. وأي تسجيل لا يتم بقرار سياسي مفاجئ، بل عبر إعداد ملف علمي يثبت الجذور التاريخية والممارسة المجتمعية داخل البلد المعني. أيضاً فإن عناصر عدة في المنطقة تسجل بصورة ’مشتركة‘ عندما تكون عابرة للحدود، لكن هذا لا يلغي خصوصية كل بلد، على غرار الجبة التونسية التي تُعد خاصة بالمجتمع التونسي".
وتحدد "اليونيسكو" تاريخ الـ31 من مارس (آذار) من كل عام كآخر أجل لتقديم الملفات من قبل الدول، للشروع في دراستها من قبل المصالح الفنية المتخصصة. وفي كل مرة يقع تفويت الموعد تتعالى أصوات الرافضين لما اعتبروه "تقاعساً أضاع فرصة ذهبية".
في هذا الصدد، تساءلت حركة "حق" عبر بيان عن أسباب "عدم مبادرة وزارة الشؤون الثقافية إلى حد الآن بإيداع ملف الجبة التونسية لدى المنظمة لتسجيلها ضمن التراث اللامادي التونسي 2026".
ونددت الحركة "بسلبية وزارة الشؤون الثقافية والمؤسسات التابعة لها وعلى رأسها المعهد الوطني للتراث، وبغياب الجدية والصرامة في التعاطي مع محاولات السطو على التراث التونسي وطمس مقومات الهوية التونسية من لباس ومعمار ومطبخ وتاريخ، في ظل غياب أي تحرك فعلي لحماية حق الأجيال المقبلة في الثروة الرمزية للتونسيين".
وأكدت الحركة في نص البيان أن "الصمت أو التأخر في الرد على محاولات سرقة الموروث الحضاري للتونسيين يمثل تنازلاً غير مقبول عن السيادة الوطنية، ويُعد دعوة ضمنية إلى مزيد من الاختلاس والسطو، مما يرتقي إلى مستوى خيانة المصلحة الوطنية".
وفي سياق متصل يقول الناشط السياسي سامي الجلولي إنه "بعد كل هذا الزخم والانتظار، انتهى الموعد النهائي في الـ31 من مارس الماضي من دون إيداع ملف الجبة التونسية ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى ’اليونيسكو‘"، معلقاً أن "البيروقراطية القاتلة والترهل الإداري أضاعا على تونس فرصاً ذهبية للترويج للسياحة الثقافية. ومن المؤلم جداً أن نرى الجبة التونسية، بكل ما تحمله من إرث قرطاجي- تونسي متجذر، تظل حبيسة الرفوف البيروقراطية". وتابع "نحن لم نخسر فقط عدم إيداع الملف، بل خسرنا أيضاً الزمن الدبلوماسي، فملفات ’اليونيسكو‘ تتطلب وقتاً طويلاً للتقييم، وكل عام يمر من دون إيداع يعني تأخيراً لأعوام في نيل الاعتراف الدولي الرسمي". وأضاف الجلولي "نحن نخسر بسبب سياسة الصمت التي تنتهجها، في الغالب، مختلف مؤسسات الدولة".
إجراءات "ماراثونية"
من جانبه يرد الباحث في المعهد الوطني للتراث محمد جزاوي أن "الملف طور الإعداد ولم يقدم بعد إلى ’اليونيسكو‘ ويتطلب إجراءات طويلة وماراثونية من أجل الإيفاء بكل المعايير المطلوبة، وليستوفي الشروط حتى لا يُرفض الملف أو يُعاد لاستكماله"، مضيفاً أن "هدفنا تقديم ملف على مستوى عالٍ من دون أية ملاحظات ليمر مباشرة إلى التسجيل"، وأكد أن الملف سيكون تونسياً بامتياز من دون أية شراكة من دول أخرى على غرار عناصر أخرى التي تكون تراثاً مشتركاً مع أطراف عدة مثل أكلة الكسكسي التي تشترك فيها بلدان المغرب العربي".
ويفيد مسؤول معهد التراث بأنه "إضافة إلى العمق التاريخي لأي ملف يقدم، فإن ’اليونيسكو‘ تنظر أساساً إلى المعارف والمهارات المرتبطة بكل عنصر تراثي، وكذلك إلى العادات والتقاليد المتصلة به، وصولاً إلى التراث الشفوي المرتبط به، كما هي الحال بالنسبة للجبة مثلاً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأردف "بخصوص الجبة، فهي ملف ثري جداً لارتباطها بمختلف المناطق التونسية، حيث تتميز كل جهة بخصوصياتها. فنجد الجبة الصوفية والجبة الحريرية وجبة الوبر، من ناحية نوعية القماش، إضافة إلى خصوصيات أخرى تتعلق بطرق النسيج والخياطة والتطريز".
وتهتم تونس والمجتمع التونسي عموماً بالملبوس التقليدي، لذلك تُعد تونس أول دولة عربية سنت قانوناً رسمياً وخصصت يوماً وطنياً ثابتاً للاحتفاء باللباس التقليدي في الـ16 من مارس عام 1991، وصدر القرار بهدف رد الاعتبار للصناعات التقليدية التي كانت تواجه منافسة شرسة من الملابس الجاهزة والمستوردة ولجعل الجبة الرجالية والشاشية والقفطان النسائي التونسي رموزاً للسيادة الوطنية والهوية الثقافية في المحافل الرسمية، وبغية دعم ذلك يشرف الديوان الوطني للصناعات التقليدية على تنظيم هذا اليوم ومنح الجائزة الوطنية للنهوض بالصناعات التقليدية.