ملخص
صدرت حديثاً ترجمة عربية لديوان الشاعرة الإيرانية، المقيمة في ألمانيا، سارة إحسان، بقلم المغربي محمد المخاريق. تجسد النصوص والقصائد إحساس الشاعرة، التي اضطرت إلى مغادرة بلادها، بالتوتر والضيق إزاء بيئة تحاصر الكائن وتحد من حريته، وتمارس عليه سلطة مطلقة.
مع كل ترجمة جديدة تُستعاد أسئلة قديمة وتتولد أخرى راهنة، خصوصاً أن الشعر بالتحديد يشكل من بين مختلف أجناس الكتابة الجنس الأكثر استعصاءً على النقل من لغة إلى لغة أخرى. هذا التمنع الذي يسم الشعر يدركه المترجمون بقدر ما يختلف عن إدراك القراء والنقاد والناشرين.
ومع الترجمة الجديدة التي يقترحها المغربي محمد المخاريق للكتاب الشعري "نبوءة"، الذي كتبته الشاعرة الإيرانية المقيمة في ألمانيا سارة إحسان، بلغتين في الآن ذاته، الإنجليزية والألمانية (دار بصمة المغربية)، يمكننا أن نطرح هذه القضية على محك النقاش وما الذي يتبقى منه؟ هل يستطيع المترجم فعلاً أن ينقل الحرارة التي كتب بها الشاعر كلماته؟ وإذا كان قادراً على نقل الكلمات، فهل هو قادر في الآن ذاته على نقل المشاعر التي تشكلت بها؟ ماذا عن سياق الكتابة وظروفها ومنابعها ومصابها؟ ماذا عن ذاتية المترجم؟ ألن يتسرب إلينا خلسة أو علناً بكامل حمولته الثقافية واللغوية؟ ثم ما حدود الأمانة والخيانة ونحن ننقل عملاً أدبياً وإبداعياً صرفاً من لغة إلى لغة أخرى، لا تتقاسم معها موروثها الثقافي ولا خصوصيات مستعمليها؟
ثمة سؤالان آخران يهمان في الضرورة الحياة الثقافية المغربية: ماذا عن ترجمة المغاربة للآداب المكتوبة باللغة الإنجليزية؟ وإلى متى ستظل الفرنسية اللغة المهيمنة على الترجمات المغربية للآداب العالمية؟
في غمرة الأسئلة التي لا تحاكم المترجم أو تحاصره، بقدر ما تلفت الانتباه إلى الجهد الهائل الذي يبذله، والمشقة المحدقة به وهو يشتغل في ورشته الخاصة من أجل تبديد الصمت المحتمل بين الثقافات، في ظل غياب الترجمة والمترجمين. ألم يقل الفيلسوف والناقد الأدبي الأميركي جورج شتاينر: "لولا الترجمة، كنا سنعيش في مناطق يحاذيها الصمت"؟
معاناة الكائن
تدعم سارة إحسان هذا التوجه، وتنحو ناحيته. فهي تقول في مقدمة كتابها: "ماذا سيكون مآل الشعر في العالم بلا ترجمة؟". لقد مهدت الشاعرة الإيرانية المقيمة في ألمانيا لهذه المقدمة بسؤال آخر: "ما جدوى الكلمات من دون القارئ أو المستمع؟". والقارئ هنا عنصر أساس في عمليتي البث والتلقي، وهو عصر يتجاوز كل شرط جغرافي أو إثني أو لغوي. ربما لهذا السبب قال إيتالو كالفينو: "لولا الترجمة لبقيت مقيداً في حدود بلدي، فالمترجم هو حليفي الأهم، لأنه يقدمني إلى العالم". ولنا أن نتساءل الآن عن عدد قراء الإيطالية قياساً مع عدد قراء العالم، ونتساءل في الآن ذاته: هل كان إيتالو كالفينو سيحظى بكل هذه الشهرة وكل هذا التداول لولا الترجمة؟ وهو سؤال ينسحب على كل كتاب العالم الذين تتردد أسماؤهم داخل بلدان عديدة لم يصلوا إليها، وفي لغات كثيرة يجهلونها. وعليه، فإن إزرا باوند كان حاسماً حين قال: "تكون حقبة ازدهار الأدب دائماً هي حقبة ازدهار الترجمات".
في الكتاب الشعري "نبوءة"، يصل إلينا هذا التدفق الشعري وهذه المرونة في اللغة، ونتخيل بالتالي الجهد الذي بذله المترجم حتى يحافظ على الانسيابية التي كتبت بها هذه النصوص، خصوصاً أنها نصوص تنتمي إلى نوع خاص من الكتابة. فتجربة الشاعرة سارة إحسان هي ترجمة للضغط الذي يعانيه الكائن وهو يعيش في/ أو ينتمي إلى بيئة تسعى باستمرار إلى الحد من حركته، أو ضبطها، وتعمل بصورة دؤوبة كي يظل صوته خافتاً. تشكل نصوص الشاعرة الإيرانية صرخات متعاقبة ضمن سياق أدب التمرد والاحتجاج.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نقف عند مؤشرين دالين: لوحة الغلاف للفنان الإيراني كلرخ نفيسي التي تحمل عنوان "عصيان"، والاستهلال الشعري للنص الأول في الكتاب: "هل من مكان لحصار أحلامنا المفخخة؟". تتولد صرخات الشاعرة إحسان في فضاء الممانعة، إذ "يتدفق الضوء من الجروح"، وحيث "الكلمات عبوات ناسفة".
نتعقب هذه الروح المتمردة في معظم نصوص الشاعرة. ففي "شرارة اللهب" تنتقد "الإعدام المجهول"، وتنتحب مع "عويل الأمهات". وفي نص "رجل البامبو" تتأمل "عربة السيرك المتهالكة المشلولة"، إذ "الحديقة الفاتنة غابة افتراس"، وحيث "تزحف وحشية الزائر المبجل/ وتكنس الساحة نحو الخراب". في نص "هباء" تتشكل صور سوريالية ترصد الحيف الإنساني وما يعقبه: "الأجساد الهامدة/ تكنس جماجمها المبعثرة... الغضب يتدفق عبر الوادي/ بعد المخاض/ يلد أوبئة صغيرة أبدية".
مقابل هذا العنف الذي تنتقده الشاعرة، وهذه السطوة التي ترفض الانصياع لها، تهرع إلى الحب وإلى الإروتيكا، باعتبارهما ملاذين رمزيين للكائن المحاصر. في نص "سرير العزلة" تصف اللقاء الجسدي مع الآخر، ثم تخلص إلى ما يبرره بلغة صريحة تتفادى البلاغة: "بحلول الليل/ لن يكون هناك مزيد من الخوف".
استطاع المترجم المغربي، بنقله لـ"نبوءة" سارة إحسان أن ينقل إلينا مختلف حالات الاحتدام التي سكبتها الشاعرة في نصوصها، وأن يضيء لنا تجربة إبداعية تخلقت، على رغم الفارق الجغرافي، من حياة محاصرة ومتوترة لشاعرة ترفض أن تعيش وشبيهاتها في بيئة ضاغطة ومتحكمة وقامعة لمختلف صور الحرية والتحرر.