ملخص
تعيد هذه الانقسامات إدماج السودان في صراعات الإقليم، لا كفاعل مؤثر، بل كساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ. فمع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، يكتسب البحر الأحمر أهمية استراتيجية متزايدة، مما يجعل السودان، بحكم موقعه، عرضة لضغوط متضاربة من قوى دولية تسعى إلى تأمين مصالحها.
فرض موقع السودان الإقليمي على النخب السياسية السودانية مواكبة التفاعلات المتسارعة في الشرق الأوسط، وبخاصة الحرب الأميركية - الإسرائيلية في إيران. فمنذ اندلاع المواجهة المباشرة، ثم انتقالها إلى طور التهدئة الحذرة، مروراً بالمحادثات الأخيرة المنهارة، لم يكن تباين مواقف هذه النخب مجرد اختلاف في الآراء أو التقدير، بل مؤشراً على تصدع أعمق في بنية التفكير الاستراتيجي السوداني، إذ تتقاطع اعتبارات البقاء الداخلي مع رهانات التموضع الخارجي.
توزعت استجابات الفاعلين السياسيين في السودان بين صمت محسوب، وخطابات تدعو إلى التهدئة انطلاقاً من قراءة براغماتية لهشاشة التوازنات الإقليمية، ومواقف أكثر حدة انحازت صراحة إلى أحد طرفي الصراع، مستندة إلى مرجعيات أيديولوجية أو حسابات ظرفية. وفي هذا التباين، لا يظهر السودان كفاعل متماسك، بل كساحة تتجاور فيها سرديات متنافسة، يسار يربط المواجهة ببنى الهيمنة الغربية، وخطاب قومي يغازل مشاريع إقليمية مثل المشروع الإيراني، بدلاً من التركيز على المصلحة العربية المشتركة، ومقاربات أمنية ترى في استقرار المنطقة خصوصاً الخليج العربي أولوية استراتيجية، إلى جانب تيار يسعى إلى تحييد البلاد عن صراعات تتجاوز قدرتها على التأثير.
غير أن هذا التعدد لا يمكن فصله عن المسار التاريخي القريب الذي أعاد تشكيل علاقات السودان الخارجية، فمن مرحلة التقارب مع إيران، التي اتسمت بتقاطعات أيديولوجية وأمنية، إلى الانفتاح التدريجي على الولايات المتحدة، وصولاً إلى مسار السلام مع إسرائيل، شهدت الخرطوم تحولات متسارعة أعادت تعريف أولوياتها وحدود حركتها. وقد أفضى هذا الانتقال إلى حالة من السيولة الاستراتيجية، إذ لم تترسخ بعد عقيدة خارجية قادرة على ضبط إيقاع التفاعل مع أزمات الإقليم.
في هذا السياق، يتداخل الإقليمي بالداخلي، بحكم أن السودان يؤثر ويتأثر بمحيطه الجيوسياسي، فالنخب التي تعيد قراءة الحرب الإيرانية، إنما تفعل ذلك عبر عدسة أزمتها الوطنية، إذ تتداخل حسابات الشرعية والتحالفات وميزان القوة الداخلي مع تقديرات المصلحة الخارجية. وعلى هذا الأساس، تبدو مواقف هذه النخب انعكاساً مباشراً لمرحلة انتقالية لم تحسم بعد، يتشكل فيها موقع السودان بين ضرورات التكيف مع تحولات النظام الإقليمي وحدود قدرتها على صياغة خيارات حكيمة.
بنية منقسمة
على المستوى الرسمي، سعت وزارة الخارجية السودانية إلى بلورة موقف يبدو، في ظاهره، متماسكاً ومنضبطاً ضمن تقاليد الدبلوماسية الحذرة، لكنه يحمل في طياته تعقيدات البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها الدولة السودانية. فقد دانت الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، ودعت إلى احترام قواعد القانون الدولي والعودة لمسارات التفاوض.
هذا التوازن الدقيق يعكس، في جوهره، مقاربة القوات المسلحة السودانية، التي تتحرك وفق منطق إدارة الأخطار. ويبرز هنا البعد الجيوسياسي للبحر الأحمر كأحد المحددات الصامتة لهذا الموقف، إذ يتقدم أمن الممرات البحرية واستقرار الإقليم على أي اصطفاف أيديولوجي صريح.
أما قوات "الدعم السريع" وجناحها السياسي تحالف "تأسيس"، فقد دانوا بصورة قاطعة اعتداءات إيران على دول الخليج، واضعين ذلك ضمن إطار أوسع لمواجهة "الإرهاب الإقليمي والدولي".
في المقابل، يكشف المشهد داخل تيارات الإسلام السياسي عن انقسام أيديولوجي يعكس تعدد مرجعياتها، إذ تميل قوى مثل حزب "المؤتمر الوطني" و"المؤتمر الشعبي" و"الحركة الإسلامية" إلى قراءة الصراع ضمن إطار "محور المقاومة"، معتبرة إيران طرفاً في مواجهة مشروع غربي - إسرائيلي أوسع، وهو ما يفسر صدور تصريحات تتحدث عن استعداد لدعم طهران في حال توسع الحرب. في المقابل، تتبنى تيارات أخرى خطاباً مناقضاً، ترى فيه إيران تهديداً مذهبياً واستراتيجياً، مما يفضي إلى تقاطع لافت بين رفضها لطهران ورفضها، في الوقت ذاته، للسياسات الأميركية - الإسرائيلية، في نموذج يعكس ما يمكن وصفه بازدواجية العداء.
لا تعكس هذه المواقف مجرد اختلافات سياسية، بل تكشف عن بنية سودانية منقسمة في إدراكها لمفهوم التهديد ذاته، بين من يراه في إيران، ومن يراه في الهيمنة الغربية، ومن يسعى إلى تفادي كليهما ضمن هامش ضيق من المناورة الاستراتيجية.
مواقف متناقضة
عبرت قوى مثل "إعلان قوى الحرية والتغيير" وحزب "المؤتمر السوداني" و"تجمع المهنيين السودانيين" عن رفض مبدئي للحرب كأداة لإعادة تشكيل التوازنات، مع تبني خطاب يقترب من الليبرالية الدولية في تأكيده أولوية الحلول الدبلوماسية ورفض عسكرة النزاعات. وفي هذا الإطار، دان "تحالف القوى المدنية الديمقراطية" (صمود) الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، واضعاً ذلك ضمن سياق تهديد الاستقرار الإقليمي، من دون أن ينزلق إلى تأييد استهداف إيران عسكرياً. هذا الخطاب يعكس محاولة للحفاظ على مسافة نقدية من جميع الأطراف، والدفع نحو إعادة تعريف السياسة الخارجية السودانية على أسس الاستقلال النسبي، غير أن غياب مواقف تفصيلية خلال ذروة التصعيد يكشف عن حدود قدرة هذا التيار على التحول من خطاب معياري إلى فاعل مؤثر في لحظات الأزمات.
أما "الحزب الشيوعي" السوداني وحزب "البعث العربي الاشتراكي"، فينطلقان من مقاربة صراعية ترى في الحرب حلقة ضمن بنية الهيمنة العالمية. فخطاب "الحزب الشيوعي"، كما عكسته افتتاحيات صحيفة "الميدان"، يعيد تأطير المواجهة باعتبارها "هجوماً أميركياً - إسرائيلياً" على إيران، وامتداداً لسياسات إمبريالية تسعى إلى إعادة فرض السيطرة بالقوة. وفي هذا السياق، يبرز نمط مألوف في اليسار العربي، تضامن سياسي مع إيران بوصفها طرفاً مناهضاً للغرب، يقابله صمت نسبي أو تردد في إدانة أفعالها الإقليمية، بما في ذلك هجماتها على دول الخليج. ومع ذلك، لا يخلو هذا الموقف من ازدواجية نقدية، إذ يحرص الخطاب اليساري على التمييز بين دعم "الشعب الإيراني وقواه التقدمية"، وبين التحفظ على طبيعة النظام نفسه، في محاولة للجمع بين مناهضة الهيمنة والحفاظ على سردية ثورية عابرة للحدود.
في المقابل، تبدو النخب غير الحزبية، من "لجان المقاومة" إلى الأكاديميين والإعلاميين والقيادات الدينية، أقرب إلى فسيفساء متشظية تعكس الانقسام البنيوي في المجتمع السوداني. فبين خطاب تعبوي تغلب عليه العاطفة، خصوصاً في الأوساط الشعبية والدينية، ومقاربات تحليلية أكثر برودة في الدوائر الأكاديمية، يتشكل طيف واسع من المواقف المتناقضة، إذ تميل بعض الأصوات إلى تأييد إيران ضمن سردية "المقاومة"، فيما تنحاز أخرى إلى رفضها انطلاقاً من اعتبارات مذهبية أو جيوسياسية، بينما يحاول فريق ثالث تفكيك الصراع بلغة المصالح والتوازنات. وفي هذا التعدد، لا يظهر فقط غياب إجماع وطني، بل أيضاً أزمة أعمق في إنتاج معرفة استراتيجية متماسكة، إذ يتقدم الانفعال على التحليل، وتبقى الرؤية السودانية أسيرة تفاعلات الخارج أكثر من قدرتها على إعادة تعريف موقعها داخله.
براغماتية متجذرة
يتحرك التيار التقليدي / الطائفي في السودان ضمن براغماتية متجذرة، إذ تدار المواقف الخارجية بوصفها توازناً دقيقاً بين المبادئ والضرورات، لا كاصطفاف حاد في معسكرات متقابلة. وفي هذا السياق، تعكس مواقف قوى مثل حزب "الأمة القومي" و"الحزب الاتحادي الديمقراطي" ميلاً عاماً إلى التموضع داخل الفضاء العربي، مع حرص واضح على تجنب الانخراط المباشر في الاستقطاب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. غير أن هذا التوازن لا يخلو من تعقيد داخلي، لا سيما داخل حزب "الأمة"، إذ تتجاور قراءات مختلفة للصراع تعكس تعددية فكرية وسياسية داخل الحزب نفسه.
فمن جهة، دان الحزب الضربات الإسرائيلية على إيران بوصفها انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً للاستقرار الإقليمي، وهو موقف يقترب في لغته من سرديات تنتقد السياسات الإسرائيلية وتبدي توافقاً نسبياً مع موقع إيران في معادلة الصراع. ومن جهة أخرى، لم يتردد الحزب في إدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج، مؤكداً تضامنه مع هذه الدول، ومشدداً على أن أمن الخليج يمثل امتداداً مباشراً للأمن العربي. يجسد هذا التوازن المزدوج محاولة للجمع بين اعتبارات مبدئية وأخرى استراتيجية، إذ يظل الحزب أقرب إلى خطاب نقدي تجاه إسرائيل، من دون أن يتحول إلى حليف سياسي لإيران.
أما "الحزب الاتحادي الديمقراطي"، فيحافظ على خط أكثر هدوءاً وتقليدية، يميل إلى دعم الاستقرار الإقليمي وتجنب الخطابات الحادة، مع مراعاة علاقاته التاريخية مع العالم العربي، خصوصاً الخليج. وبذلك، يتقاطع التياران في تبني لغة التهدئة والدعوة إلى الحلول الدبلوماسية، مع اختلاف في درجات الانخراط الخطابي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقابل، تتعامل الحركات المسلحة، مثل "حركة العدل والمساواة" و"حركة تحرير السودان - جناح مناوي" و"الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال"، مع الصراع من زاوية أكثر وظيفية، إذ يتقدم الداخلي على الإقليمي بصورة حاسمة. فهذه الحركات، المنخرطة في تعقيدات النزاع السوداني، لا ترى في الحرب الإيرانية أولوية مباشرة، مما يفسر غياب مواقف تفصيلية أو الاكتفاء بخطاب عام يدعو إلى السلام واحترام القانون الدولي.
ومع ذلك، تظهر تباينات دقيقة داخل هذا المعسكر، إذ تميل بعض الحركات ذات الخلفيات اليسارية إلى تبني خطاب نقدي تجاه السياسات الأميركية - الإسرائيلية، بينما تتبنى أخرى، بحكم ارتباطاتها الإقليمية أو حساباتها البراغماتية، لغة أقرب إلى الطرح الدولي السائد حول الاستقرار والأمن. وفي الحالتين، يبقى المحدد الرئيس هو مركزية الصراع الداخلي، الذي يعيد ترتيب أولويات هذه الحركات، ويجعل من التفاعلات الإقليمية عاملاً ثانوياً يقرأ بقدر تأثيره في ميزان القوة داخل السودان، لا العكس.
تداعيات المواقف
تكشف التباينات الحادة في مواقف القوى السودانية تجاه الحرب الأميركية - الإسرائيلية في إيران عن البنية المجزأة للدولة، إذ لم يعد القرار الخارجي نتاج مركز سيادي واحد، بل حصيلة تفاعلات متوازية بين مؤسسات ونخب وشبكات نفوذ متداخلة. وفي هذا السياق، لا تنتج هذه المواقف سياسة خارجية بقدر ما تعكس "سوقاً سياسية" مفتوحة تتنافس فيها السرديات، من الواقعية البراغماتية إلى الأيديولوجيا الصلبة، من دون قدرة على الحسم.
ونتيجة لذلك تبرز تداعيات، أولها يتمثل في تآكل قابلية السودان لصياغة موقف وطني متماسك، وهو ما ينعكس مباشرة على صدقيته الخارجية. فالدول، كما تظهر خبرة النظام الدولي، لا تقاس فقط بمواردها، بل بقدرتها على إنتاج خطاب متسق يمكن التنبؤ به. ويؤدي التناقض بين المواقف السودانية الرسمية والحزبية والعسكرية، إلى إضعاف القدرة على التفاوض وبناء التحالفات، إذ يصبح الشركاء الخارجيون أمام مشهد ضبابي يصعب قراءته أو الرهان عليه.
ثانياً، تعيد هذه الانقسامات إدماج السودان في صراعات الإقليم، لا كفاعل مؤثر، بل كساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ. فمع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، يكتسب البحر الأحمر أهمية استراتيجية متزايدة، مما يجعل السودان، بحكم موقعه، عرضة لضغوط متضاربة من قوى دولية تسعى إلى تأمين مصالحها. وهنا، تتحول الانقسامات الداخلية إلى نقاط دخول لهذا النفوذ، إذ تجد كل قوة خارجية صدى لها داخل بعض مكونات المشهد السوداني.
ثالثاً، تترك هذه المواقف آثاراً مباشرة في شبكة العلاقات الدبلوماسية للسودان، فالانحيازات الجزئية، حتى وإن كانت خطابية، قد تقرأ كإشارات اصطفاف، مما يضع الخرطوم أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على علاقاتها الإقليمية والدولية، وتجنب القطيعة مع أطراف أخرى. وفي غياب استراتيجية واضحة، يصبح هذا التوازن هشاً، معرضاً للاهتزاز مع كل تصعيد جديد.
أخيراً، وعلى المستوى الداخلي، تعمق هذه التباينات حالة الاستقطاب، إذ تعاد قراءة الصراع الإقليمي عبر عدسة النزاع السوداني ذاته. فكل تيار يوظف الحرب لتعزيز سرديته الخاصة، مما يسهم في إطالة أمد الانقسام بدل احتوائه. وبهذا المعنى، لا تبقى الحرب حدثاً خارجياً، بل تتحول إلى عامل بنيوي في إعادة تشكيل التوازنات داخل السودان. ولا تقتصر تداعيات هذه المواقف على السياسة الخارجية، بل تمتد لتلامس جوهر الدولة السودانية نفسها، بقدرتها على تعريف مصالحها وضبط أولوياتها والتحول من ساحة تجاذبات إلى فاعل، ولو كان محدوداً، في صياغة ملامحه.